page 2625, entry [939]Open original source
الخطيب الحصكفي أبو الفضل يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد، الملقب معين الدين، المعروف بالخطيب الحصكفي؛ صاحب الديوان الشعر والخطب والرسائل، ولد بطنزة ونشأ بحصن كيفا، وقدم بغداد فاشتغل بالأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي - المقدم ذكره - وأتقنه حتى مهر فيه، وقرأ الفقه على مذهب الإمام الشافعي، ﵁، وأجاد فيه، ثم رحل عن بغداد راجعاً إلى بلاده ونزل ميافارقين واستوطنها (٤) ، وتولى بها الخطابة، وكان إليه أمر الفتوى بها، واشتغل عليه الناس وانتفعوا بصحبته. وذكره العماد الأصبهاني في كتاب " الخريدة " فقال في حقه (٥) : " كان علامة الزمان في علمه، ومعري العصر في نثره ونظمه، له الترصيع البديع والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم ". ثم قال العماد بعد كثرة الثناء عليه وتعداد محاسنه: " وكنت أحب لقاءه، وأحدث نفسي عند وصولي إلى الموصل به، وأنا شغف بالاستفادة، كلف بمجالسة الفضلاء للاستزادة، فعاق دون لقائه بعد الشقة، وضعفي عن تحمل المشقة " ثم ذكر له عدة مقاطيع، فمن ذلك قوله: وخليعٍ بت أعذله ... ويرى عذلي من العبث قلت: إن الخمر مخبئة ... قال: حاشاها من الخبث قلت: فالأرفاث تتبعها ... قال: طيب العيش في الرفث قلت: منها القيء، قال: أجل ... شرفت عن مخرج الحدث وسأجفوها، فقلت: متى ... قال: عند الكون في الجدث قلت أنا: ولقد أخذ الخطيب المذكور قوله: شرفت عن مخرج الحدث ... من قول بعضهم ولا أعرفه، لكنها أبيات سائرة، وهي: ولائم لامني في الخمر، قلت له ... إني سأشربها حياً وفي جدثي فأسقني (١) قهوةً حمراء صافيةً ... صرفاً حراماً فإنني غير مكترث فإن يكن حللوها بالطبيخ ففي ... حشاي نار تبقيها على الثلث قالوا: فلم تتقاياها فقلت لهم ... إني أنزهها عن مخرج الحدث ثم قال العماد الأصبهاني: وأنشدني له بعض الفضلاء ببغداد خمسة أبيات كالخمسة السيارات (٢) مستحسنات مطبوعات مصنوعات، وهي: أشكو الله من نارين: واحدة ... في وجنتيه وأخرى منه في كبدي ومن سقامين: سقم قد أحل دمي ... من الجفون وسقم حل في جسدي ومن نمومين: دمعي حين أذكره ... يذيع سرى، وواشٍ منه بالرصد ومن ضعيفين: صبري حين أذكره (١) ... ووده (٢) ويراه الناس طوع يدي مهفهف رق حتى قلت من عجبٍ ... أخصره خنصري أم جلده جلدي ومن مليح شعره أبيات في هجو مغن وهي: ومسمع غناؤه ... يبدل بالفقر الغنى شهدته في عصبةٍ ... رضيتهم لي قرنا أبصرته فلم تخب ... فراستي لما دنا وقلت من ذا وجهه ... كيف يكون محسنا ورمت أن أروح لل ... ظن به ممتحنا فقلت من بينهم ... هات أخي غن لنا ويوم سلعٍ لم يكن ... يومي بسلعٍ هينا فانشال منه حاجب ... وحلجب منه انحنى وامتلأ المجلس من ... فيه نسيماً منتنا أوقع إذ وقع في الأن ... فس أسباب العنا وقال لما قال من ... يسمع في ظل الفنا وما اكتفى باللحن وال ... تخليط حتى لحنا هذا وكم تكشخن ال ... وغد وكم تقرنننا (٣) يوهم زمراً (٤) أنه ... قطعه ودندنا وصاح صوتاً نافراً ... يخرج عن حد البنا وما درى محضره ... ماذا على القوم جنى فذا يسد أنفه ... وذا يسد الأذنا ومنهم جماعة ... تستر عنه الأعينا فاغتظت حتى كدت من ... غيظٍ أبث الشجنا وقلت يا قوم اسمعوا ... إما المغني أو أنا أقسمت لا أجلس أو ... يخرج هذا من هنا جروا برجل الكلب إن السقم هذا والضنا ... قالوا لقد رحمتنا ... وذدت عنا المحنا فحزت في إخراجه ... راحة نفسي والثنا (١) وحين ولى شخصه ... قرأت فيهم معلنا الحمد لله الذي ... أذهب عنا الحزنا ولم أسمع، مع كثرة ما قيل في هذا الباب مثل هذا المقطوع في هذا المعنى. وللخطيب المذكور أيضاً في هذا المعنى (٢) : ومسمعٍ قوله بالكره مسموع ... محجب عن بيوت الناس ممنوع غنى فبرق عينيه وحرك لح ... ييه فقلنا الفتى لا شك مصروع وقطع الشعر حتى ود أكثرنا ... أن اللسان الذي في فيه مقطوع لم يأت دعوة أقوامٍ بأمرهم ... ولا مضى قط إلا وهو مصفوع وقد سبق له في ترجمة الشيخ الشاطبي في حرف القاف مقطوع لغز في نعش وهو معنى مليح، وأكثر شعره على هذا الأسلوب في اللطافة وجودة المقاصد، وكان يتشيع (١) وهو في شعره ظاهر. وكان (٢) بمدينة آمد شابان بينهما مودة أكيدة ومعاشر كثيرة، فركب أحدهما ظاهر البلد وطرد فرسه فتقنطر فمات، وقعد الآخر يستعمل الشراب، فشرق فمات في ذلك النهار، فعمل فيهما بعض الأدباء: تقاسما العيش صفواً والردى كدراً ... وما عهدنا المنايا قط تقتسم وحافظا الود حتى في حمامهما ... وقلما في المنايا تحفظ الذمم فلما وقف الخطيب المذكور على البيتين قال: هذا الشاعر قصر إذ لم يذكر سبب موتهما، وقد قلت فيهما: بنفسي أخيان من أمدٍ ... أصيبا بيوم مشوم عبوس دهى ذا كميت من الصافنات ... وهذا كميت من الخندريس قلت: ولو قال: دهى ذا كميت من الصافنات ... وهذا كميت من الصافيات لكان أحسن لأجل المجانسة، وكان يجعل البيت الأول: بنفسي أخيان من آمدٍ ... أصيبا بيوم شديد الأذاة أو ما يناسب هذا، ثم وجدت البيتين الأولين في كتاب " الجنان " تأليف القاضي الرشيد ابن الزبير - المقدم ذكره في حرف الهمزة (٣) - وقد نسبهما إلى الفقيه أبي علي الحسن بن أحمد المعلم المعري، لكن هذا وجدت الحكاية بخط بعض المتأدبين (١) ، والله أعلم. وللخطيب المذكور الخطب المليحة والرسائل المنتقاة. ولم يزل على رياسته وجلالته وإفادته إلى أن توفي سنة إحدى، وقيل ثلاث، وخمسين وخمسمائة. وكانت ولادته في حدود سنة ستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. والحصكفي: بفتح الحاء وسكون الصاد المهملة وفتح الكاف وفي آخرها فاء، هذه النسبة إلى حصن كيفا، وهي قلعة حصينة شاهقة بين جزيرة ابني عمر وميافارقين، وكان القياس أن ينسبوا إليه الحصني، وقد نسبوا إليه أيضاً كذلك، لكن إذا نسبوا إلى اسمين أضيف أحدهما إلى الآخر ركبوا من مجموع الاسمين اسماً واحداً ونسبوا إليه كما فعلوا هاهنا، وكذلك نسبوا إلى رأس عين " رسعني " وإلى عبد الله وعبد شمس وعبد الدار: عبدلي وعبشمي وعبدري، وكذلك كل ما هو نظيره. وأما طنزة: بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي في آخرها هاء ساكنة، فهي بليدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة العمرية، خرج منها جماعة من المحدثين وغيرهم، ونسبوا إليها (٢) . (٣١٩) قال عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب " الخريدة " (٣) : منها إبراهيم بن عبد الله إبراهيم الطنزي، وهو القائل: وإني لمشتاق إلى أرض طنزة ... وإن خانني بعد التفرق إخواني سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربتها ... كحلت به من شدة الشوق أجفاني ثم قال عماد الدين المذكور بعد هذا: كان الشاعر حياً في شهر رمضان (٤) سنة ثمان وستين وخمسمائة. ٨٠٥ - (١)