page 412, entry [190]Open original source
(ترجمة القاضي إياس، رقم: ١٠٥، ص: ٢٤٩، س: ٥) ودخل الشام وهو غلام وتقدم خصمه وكان شيخاً إلى قاض لعبد الملك ابن مروان فقال له القاضي: أتتقدم شيخاً كبيراً قال: الحق أكبر منه، قال: اسكت، قال: فمن ينطق بحجتي قال: لا أظنك تقول حقاً حتى تقوم، قال: لا إله إلا الله، فقام القاضي ودخل على عبد الملك، فخبره بالخبر، فقال: اقض حاجته وأخرجه عن الشام لا يفسد عليّ الناس. وقال إياس لأبيه وهو طفل وكان أبوه يؤثر أخاه عليه -: يا أبه تعلم ما مثلي ومثل أخي معك إلا كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون، فكلما كبر ازداد ملاحة وحسناً، فتبني له العلالي وتتخذ له المربعات ويستحسنه الملوك، ومثل أخي مثل الجحش الصغير فأملح ما يكون أصغر ما يكون، وكلما كبر صار القهقري، إنما يصلح لحمل الزبل والتراب. قال المدائني: كان إياس بن معاوية بن قرة قاضياً فائقاً مرجياً، استقضاه عمر ابن عبد العزيز ﵁ فلم يزل على القضاء سنة ثم هرب، وكان سبب هروبه ما حدث المدائني قال: قال أبو قبيصة: كان المهلب بن القاسم بن عبد الرحمن الهلالي تزوج أم شعيب بنت محمد بن الرهامس الطائي وأمها علياء بنت أبي صفرة، وأم القاسم بن عبد الرحمن فاطمة بنت أبي صفرة، وكان المهلب بن القاسم ماجناً يشرب، فشرب يوماً وامرأته بين يديه فناولها القدح فأبت أن تشربه ووضعته بين يديها فقال لها: أنت طالق ثلاثاً إن لم تشربيه، فقام إليها نسوة فقلن لها: اشربيه، وفي الدار ظبي حاجر، فعدا الظبي فمر بالقدح فكسره، فقامت المرأة وجحد المهلب فقال: لم أطلقك، ولم يكن لها شهود إلا نساء، فأرسلت إلى أهلها فحولوها إليهم، فاستدعى القاسم بن عبد الرحمن عدي بن أرطاة وقال: غلبوا بني على امرأته، فتعصب له عدي بردها، فخاصمه إياس وشهد لها نساء، فقال إياس: لئن قربتها لأرجمنك، فغضب عدي على إياس فقال له عمر بن يزيد الأسدي وكان عمر عدواً لإياس لأن إياساً [قضى] على أبيه بأرحاء كانت في يده لقوم فقال لعدي: انظر قوماً يشهدون على إياس أنه قذف المهلب بن القاسم فتحده ويعزل، قال: فانظر من يشهد عليه، فأتاه بيزيد الرشك وبابن أبي رباط مولى ضبيعة ليلاً، فأجمعوا على أن يرسل عدي إلى إياس إذا اصبح فيشهدان عليه، والقاسم بن ربيعة الجوشني ابن عدي، فقال عمر بن يزيد لعدي: إن القاسم سيأتي إياساً فيحذره، فاستحلف عدي القاسم لا يعلمه، فحلف القاسم، وخرج فمر بباب إياس فقرعه، فقالوا له: من قال: القاسم بن ربيعة، كنت عند الأمير فأحببت أن لا أصل إلى منزلي حتى أمر بك، ومضى؛ فقال غياس: ما جاء في هذه الساعة إلا لأمر قد علمه وخاف عليّ منه، فتوارى وخرج إلى واسط؛ واغتم عدي فقال له يوسف بن عبد الله بن عثمان بن أبي العاص: خذ الوثيق من الأمر إن أردت ألا يعتب عليك أمير المؤمنين، فاستقض الحسن، فولى عدي الحسن، وكتب إلى عمر ﵁ يعيب إياساً. ويذكر أن قوماً رأوا إياساً وخالد بن أبي الصلت في بعض خرابات البصرة يتكلمان بما لا تنطق به الألسن، وبلغني أن إياساً يقول: إذا كانت السنة كثيرة الأمطار فهي سنة يسر، فكتب إليه عمر ﵁: ما رأيت أحداً كان أحن قولاً في إياس من أبيك، ولا رأيت أحداص في زماننا الثناء عليه أحسن منه عليه، وقد بلغني وصح من نياتكم لم يتحقق عندي وقد أحسنت إذ وليت الحسن. وولي عمر الحسن وكان الحسن لا يرى أن يرد شهادة مسلم إلا أن يجرح المشهود عليه الشاهد، فأتاه رجل فقال: يا أبا سعيد إن إياساً رد شهادتي، فقام معه الحسن إليه فقال: يا أبا واثلة لم رددت شهادة هذا المسلم وقد قال رسول الله صلى عليه وسلم: من صلى قبلتنا فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا فقال: يا أبا سعيد إن الله يقول (ممن ترضون من الشهداء) وهذا ممن لا نرضاه، فلم يكلمه الحسن بعد ذلك. (٣١) (ترجمة بشار بن برد، رقم: ١١٣، ص: ٢٧٢، س: ٢٢) (١) وهو من [الشعراء] مخضرمي الدولتين العباسية والأموية وقد نبغ فيهما ومدح وهجا وأخذ الجوائز السنية مع الشعراء. قال أبو عبيدة (١) : لقب المرعث لأنه كان في أذنه وهو صغير رعاث والرعاث القرطة واحدتها رعثة وجمعها رعاث، ورعثات الديك اللحم المتدلي تحت حنكه. قال محمد بن يزيد العجلي: سمعت الأصمعي يذكر أن بشاراً كان أشد تبرماً بالناس، وكان يقول: الحمد لله الذي أذهب بصري، فقيل له: ولم ذاك يا أبا معاذ فقال: لئلا أرى من أبغض. وكان يلبس قميصاً له لبنتان فإذا أراد أن ينزعه نزعه من أسفله، وبذلك تسمى المرعث. قال الأصمعي: ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط، وكان يشبه الأشياء في شعره بعضها ببعض فيأتي بما لا يقدر البصراء على أن يأتوا بمثله، فقيل له يوماً وقد أنشد قوله: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ما قيل أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شيئاً فيها فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكر قريحته. وقال أبو العواذل زكريا بن هارون: قال لي بشار: لي اثنا عشر ألف قصيدة أفما في كل قصيدة بيت جيد وحكي عنه أنه قال: هجوت جريراً فأعرض عني ولو هجاني لكنت أشعر الناس. وكان بشار يدين بالرجعة ويكفر الجميع من الأمم ويصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وقد ذكر ذلك في شعره حيث يقول: الأرض مظلمة والنار مشرفة ... والنار معبودة مذ كانت النار رأيت في بعض الكتب أن عبد الله بن ظاهر لما قدم نيسابور صحبه من أولاد المجوس شاب متطبب يدعي تحقيق الكلام فأظهر مسئلة تحريق النفس بالنار، وكان يزعم أن الجسد منتن في حال الحياة فإذا مات فلا حكمة في دفنه والتسبب إلى زيادة نتنه، وإن الواجب إحراقه وإذراء رماده، فقيل لبعض الفقهاء: إن الناس قد افتتنوا بمقالة المجوسي، فكتب الفقيه إلى عبد الله بن طاهر أن اجمع بيننا وبين هذا المجوسي نسمع منه؛ فاجتمعوا بمجلس عبد الله بن طاهر، فلما تكلم المجوسي بمقالته تلك قال له الفقيه: أخبرنا عن صبي تداعته أمه وحاضنته أيهما أولى به، فقال: الأم، فقال: إن هذه الأرض هي الأم منها خلق آدم وأولى بأولادها أن ترد إليها، وأنشد لأمية بن أبي الصلت: والأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا ومنها نولد فأفحم المجوسي وقطعه. وكان الأصمعي يقول: بشار خاتمة الشعراء والله ولولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم. ولقي أبو عمرو ابن العلاء بعض الرواة فقال: يا أبا عمرو من أبدع الناس بيتاً فقال: الذي يقول: لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم روحي عني قليلاً واعلمي ... أنني يا عبد من لحم ودم [إن في بردي جسماً ناحلاً ... لو توكأت عليه لانهدم ختم الحب لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم] قال: فمن أمدح الناس قال: الذي يقول: لمست بكفي كفه ابتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني، فأتلفت ما عندي قال: فمن أهجى الناس قال: الذي يقول: رأيت السهيلين استوى الجود فيهما ... على بُعد ذا من ذاك في حكم حاكم سهيل بن عثمان يجود بماله ... كما جاد بالوجعا سهيل بن سالم قال: ويحك هذه الأبيات كلها لبشار. وقال محمد بن الحجاج: قلت لبشار: إني أنشدت فلاناً قولك: إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه فقال: ما كنت أظنه إلا لرجل كبير، فقال لي بشار: ويلك أفلا قلت له هو والله أكبر الإنس والجن وحدث الأصمعي قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ، الناس يعجبون من أبياتك في المشورة، قال: يا أبا سعيد إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه، فقلت له: أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك. وقيل لبشار: ما لكم معشر الشعراء لا تكافأون في قدر مديحكم قال: لأنا نكذب في العمل فنكذب في الأمل؛ ومثل هذا قيل لأبي يعقوب الخزيمي محمد ابن منصور بن زياد: شعرك في مديحك أجود من شعرك في مرائيك، قال: إن ذلك للرجاء وهذا للوفاء وبينهما بون. وقيل: كان بشار جالساً في دار المهدي والناس ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهدي لمن حضر: ما عندكم في قول الله ﷿ (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً) فقال له بشار: النحل التي تعرفها الناس، فقال: هيهات يا أبا معاذ، النحل بنو هاشم وقوله (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه يه شفاء للناس) يعني أهل العم، فقال له بشار: أرني الله شرابك وطعامك وشفاءك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعت غثاثة، فغضب وشتم بشاراً، وبلغ المهدي الخبر فدعا بهما وسألهما عن القصة فحدثه بشار بها، فضحك حتى أمسك على بطنه، ثم قال للرجل: فجعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث. قال: ودخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها، فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد من منصور وكان فيه غفلة فقال: يا شيخ ما صناعتك قال: أثقب اللؤلؤ، فضحك المهدي ثم قال لبشار: أعزب، أتتنادر على خالي فقال: وما أصنع به يرى شيخاً أعمى ينشد الخليفة شعراً يسأله عن صناعته. ووقف على بشار بعض المجان وهو ينشد شعراً بسكة فقال له: استر شعرك كما تستر عورتك، فصفق بشار بيديه وغضب وقال له: ويلك من أنت فقال: أنا أعزك الله رجل من باهلة وأخوالي سلول وأصهاري عك واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بلال، قال: فضحك بشار وقال: اذهب ويلك فأنت عتيق لؤمك، قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد. ومر بشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقول: الحمد لله شكراً، فقال له: استزده يزدك. ومر به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها فقال: ما لهم مسرعين أتراهم سرقوها فهم يخافون أن يلحقوا فتؤخذ منهم وكان رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوج النهاريات قال: تزوجت امرأة منهن فاجتمعت معها في علو بيت وبشار تحتنا، أو كنا في سفل وبشار يعلوه [مع امرأة] ، فنهق حمار في الطريق فأجابه حمار في الجيران وحمار في الدار، فارتجت الناحية بنهيقهما، وضرب الحمار الذي في الدار برجله وجعل يدقها دقاً شديداً فسمعت بشاراً يقول للمرأة: نفح يعلم الله في الصور وقامت القيامة، أما تسمعين كيف يدق على أهل القبور حتى يخرجوا منها قال: ولم تلبث أن فزعت شاة وكانت في السطح فقطعت حبلها وعدت فألقت طبقاً فيه غضارة إلى الدار، فانكسرت، وتطاير حمام ودجاج كان في الدار لصوت الغضارة، وبكى صغير في الدار، فقال بشار: صح الخبر يعلم الله، أزفت الآزفة وزلزلت الأرض، فعجبت من كلامه وغاظني، فسألت: من المتكلم فقيل لي: بشار، فقلت: قد علمت أنه لا يتكلم بهذا غير بشار. وتوفي ابن لبشار فجزع عليه فقيل له: اجر قدمته وفرط أفرطته وذخر أحرزته، فقال: ولد دفنته وثكل تعجلته وغيب وعدته وانتظرته، والله لئن لم أجزع للنقص لم أفرح بالمزيد، وقال يرثيه من أبيات: عجبت لإسراع المنية نحوه ... وما كان لو مليته بعجيب قيل: رفع غلام بشار ليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم، فصاح به بشار وقال: والله ما سمع بأعجب من هذا، جلاء مرآة أعمى عشرة دراهم، والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم. وحضر بشار باب محمد بن سليمان فقال له الحاجب: اصبر، فقال: الصبر لا يكون إلا عن ثلاثة، فقال الحاجب: إني أظن وراء قولك هذا شراً، ولن أتعرض إليك، قم فأدخل. وقال هلال بن عطية لبشار وكان صديقاً له يمازحه: إن الله ﷿ لم يذهب بصر أحد إلا عوضه شيئاً، فما عوضك فقال: الطويل العريض، قال: وما هو قال: لا أراك ولا أمثالك من الثقلاء؛ ثم قال: يا هلال أتطيعني في نصيحة أخصك بها قال: نعم، قال: إنك كنت تسرق الحمير زماناً، ثم تبت وصرت رافضياً، فعد إلى سرقة الحمير فهي والله خير لك من الرفض؛ وكان هلال يستثقل، وفيه يقول بشار: وكيف يخف لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال إذا ما شئت صبحني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال وقد قيل إن الذي خاطب بشاراً بهذه المخاطبة هو ابن سيابة، فلما أجابه بشار قال له: من أنت قال له: أنا ابن سيابة، قال: يا ابن سيابة، لو نكح الأسد لما افترس؛ قال: وكان يهتم بالابنة. وقالت امرأة لبشار: ما أدري لم تهابك الناس مع قبح وجهك، فقال بشار: أليس من قبحه يهاب الأسد وحكى محمود الوراق: أتينا بشاراً فأذن لنا فدخلنا والمائدة موضوعة بين يديه فلم يدعنا إلى طعامه، فلما أكل دعا بطست فكشف عن سوءته وبال، ثم حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم يصل، فدنونا منه وقلنا له: أنت أستاذنا فقد رأينا منك أشياء نكرهها، قال: ما هي قلنا: دخلنا والطعام بين يديك فلم تدعنا، فقال: إنما أذنت لكم لتأكلوا ولو لم أرد ذاك لما أذنت لكم، قال: ثم ماذا قلنا: ودعوت بالطست ونحن حضور فبلت ونحن نراك، فقال: أنا مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغض الأبصار دوني، قال: مه ثم ماذا قلنا: حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم تصل، قال: إن الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملاً. وحكى أبو أيوب الجرمي قال: قعد إلى جنب بشار رجل فاستثقله فضرط ضرطة، فظن الرجل أنها أفلتت، ثم ضرط أخرى فقال: أفلتت، ثم ضرط ثالثة فقال: يا أبا معاذ ما هذا فقال: مه أرأيت أم سمعت فقال: لا بل سمعت صوتاً قبيحاً، قال: فلا تصدق حتى ترى. وقيل إن امرأة قالت لبشار: أي رجل أنت لو كنت أسود الرأس واللحية، فقال بشار: أما علمت أن بيض البزاة أثمن من سود الغربان فقالت: أما قولك فحسن في السمع، فمن لك بأن يحسن [شيبك] في العين كما حسن [قولك] في السمع فكان بشار يقول: ما أفحمني إلا هذه المرأة. وقال بعض الشعراء: أتيت بشاراً وبين يديه مائتا دينار فقال لي: خذ منها ما شئت، أو تدري ما سببها قلت: لا، قال: جاءني فتى فقال: أنت بشار قلت: نعم، فقال لي: كنت آليت على نفسي أن أدفع إليك مائتي دينار، وذلك أني عشقت امرأة وجئت إليها وكلمتها فلم تلتفت إليّ فهممت بأن أتركها ثم ذكرت قولك: لا يؤنسك من مخبأةٍ ... قول تغلظه وإن جرحا عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا فعدت إليها ولازمت فناءها، فلم أرجع حتى بلغت حاجتي. ولما بلغ المهدي هذان البيتان استدعاه فلما قدم عليه استنشده فأنشده إياهما، وكان المهدي غيوراً، فقال: تلك أمك يا عاض كذا وكذا من أمه، تحض النساء على الفجور وتقذف المحصنات المخبآت! والله لئن قلت بعد هذا بيتاً واحداً فيه تشبيب لآتين على نفسك! ولم يحظ بشيء منه فهجاه في قصيدة فقال: خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران وأنشدها في حلقة ابن يونس النحوي فسعي به إلى يعقوب بن داود وكان بشار قد هجاه فقال: بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود فدخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد الزنديق بشاراً قد هجاك، قال: بأي شيء قال: بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري، فقال: بحياتي أنشدني إياه، فقال: والله لو خيرتني بين إنشادي إياه وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي، فحلف عليه المهدي بالأيمان المغلظة التي لا فسحة له فيها أن يخبره، فقال: أما لفظاً فلا ولكني أكتب لك، فكتبه ودفعه إليه فكاد ينشق غيظاً، وعمل على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها، وما وكده غير بشار، فانحدر، فلما بلغ البطيحة سمع أذاناً في ضحى النهار فقال: انظروا ما هذا الأذان، فإذا بشار سكران فقال له: يا زنديق يا عاض بظر أمه، عجبت أن يكون هذا غيرك، أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران! ثم دعا بأبي نهيك وأمره بضربه فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين سوطاً أتلفه فيها، فكان إذا أصابه السوط يقول: حس حس، وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع، فقال له بعضهم: انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول حس ولا يقول: بسم الله، فقال: ويلك أطعام هو فأسمي عليه قال له آخر: أفلا قلت: الحمد لله قال: أو هي نعمة فأحمد الله عليها إنما هي بلية أسترجع منها؛ فلما ضربه سبعين سوطاً بان الموت فيه، فألقي في سفينة، فقال: ليت عين أبي الشمقمق تراني حيث يقول: إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينه ولما مات ألقيت جثته في البطيحة في موضع يعرف بالجرار فحمله الماء فأخرجه إلى دجلة، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة لدفنه؛ قال النوفلي: فأخرجت جنازته فما تبعه أحد إلا جارية سوداء سندية عجماء رأيتها خلف جنازته تصيح: واسيداه، ما تفصح؛ ولما نعي لأهل البصرة تباشر عامتهم وهناً بعضهم بعضاً، وحمدوا الله وتصدقوا ما كانوا قد بلوا به من لسانه. وقيل: كان سبب قتل بشار أن صالح بن داود لنا ولي أخوه يعقوب بن داود وزير المهدي البصرة قال يهجوه: هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ ذلك يعقوب بن داود فسعى فيه بما تقدم. وكانت وفاته وقد ناهز تسعين سنة، ودفن بالبصرة في سنة سبع وقيل ثمان وستين ومائة، رحمه الله تعالى. (٣٢)