page 1262, entry [375], semantic entry [2721]Open original source
القاضى أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن خنيس بن سعد بن حتبة: أحد الصحابة، رضى الله عنه، وهو مشهور فى الأنصار بأمه، وهى حتبة بنت مالك من بنى عمرو بن عوف، وأما أبو سعد بن حتبة فهو عوف بن بجير بن معاوية بن سلمى بن بجيلة حليف بنى عمرو بن عوف الأنصارى، وسعد بن حتبة من جملة من استصغر يوم أحد هو، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدرى، فردهم النبى ﷺ، ورآه النبى ﷺ يوم الخندق، وهو يقاتل قتالاً شديدًا مع حداثة سنه فدعا له، وقال له: "من أنت" فقال: سعيد بن حتبة، فقال: "أسعد الله جدك"، ومسح على رأسه، وعن أبى يوسف: أوتى بجدى سعد إلى النبى ﷺ يوم الخندق فاستغفر له، ومسح برأسه فتلك المسحة فينا إلى الساعة، إذا نظرت إليه فكأنه ادهن من تلك المسحة. وقال الصيمرى: نزل سعد بالكوفة فمات بها، وصلى عليه زيد بن أرقم، وكبر عليه خمسا، وخنيس هو صاحب جهارشيو فى خنيس بالكوفة، وهو لفظ عجمى تفسيره بالعربى أربع جهات، لأن هذا المكان رحبة مرتفعة إلى أربع جهات. وقال القاضى ابن خلكان: وكان القاضى أبو يوسف من أهل الكوفة، وهو صاحب أبى حنيفة، كان فقيهًا عالمًا حافظًا سمع الشيبانى، وسليمان التيمى، ويحيى بن سعيد الأنصارى، والأعمش، وهشام بن عروة، وعطاء بن السائب، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وتلك الطبقة، وجالس محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، ثم جالس أبا حنيفة، وكان الغالب عليه مذهب أبى حنيفة، وخالفه فى مواضيع كثيرة، وروى عنه محمد بن الحسن الشيبانى الحنفى، وبشر بن الوليد، وعلى بن الجعد، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فى آخرين. قلت: وروى أبو يوسف أيضًا عن عبيد الله بن عمر العمرى، وحنظلة بن أبى سفيان، وحجاج بن أرطأة، والحسن بن دينار، والليث بن سعد، وروى عنه أيضًا أبو محمد الناقد، وأحمد بن منيع، وعلى بن مسلم الطوسى، وعبدوس بن بشر، والحسن بن شبيب، وآخرون. وقال أبو عمر بن عبد البر فى كتابه الذى سماه الانتقاء فى فضائل الأئمة الثلاثة: إن أبا يوسف كان حافظًا، وكان يحضر المحدث، ويحفظ خمسين وستين حديثًا ثم يقوم فيميلها على الناس، وكان كثير الحديث. وقال أبو عمر أيضًا: كان يحيى بن معين يثنى عليه، ويوثقه، وأما سائر أهل الحديث فهم كالأعداء لأبى حنيفة، وأصحابه. ومن هذا قال ابن جرير الطبرى: وتجافى حديثه قوم من أهل الحديث من أجل غلبة الرأى عليه، وتفريعه الفروع، والأحكام مع صحبته السلطان، وتقلده القضاء. وقال الذهبى فى الميزان فى ترجمته: قال الفلاس: صدوق كثير الغلط. وقال البخارى: تركوه. وقال عمرو الناقد: صاحب سنة. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه. وقال المزنى: هو أتبع القوم للحديث. وقال ابن راهوية: أن يحيى بن آدم قال: شهد أبو يوسف عند شريك فرده. وقال: لا أقبل من يزعم أن الصلاة ليست من الإيمان، وقد روى عن ابن معين تليين أبى يوسف، وأما الطحاوى فقال: سمعت إبراهيم بن أبى داود البرلسى، سمعت يحيى بن معين يقول: ليس فى أصحاب الرأى أكثر حديثًا، ولا أثبت من أبى يوسف. وقال ابن عدى، ليس فى أصحاب الرأى أكثر حديثًا منه إلا أنه يروى عن الضعفاء الكثير مثل الحسن عمارة، وغيره، وكثيرًا ما يخالف أصحابه، ويتبع الأثر، وإذا روى عنه ثقة، ويروى هو عن ثقة فلا بأس به. قلت: قال ابن كامل: ولم يختلف يحيى بن معين، والإمام أحمد بن حنبل، وعلى بن المدينى فى ثقته فى النقل، وقد أثنى عليه غير واحد من المشايخ الإجلاء الأثبات، فعن يحيى بن معين: كان أبو يوسف القاضى يحب أصحاب الحديث، وقد كتبنا عنه أحاديث. وعن أحمد بن حنبل يقول: أول ما طلبت الحديث ذهبت إلى أبو يوسف القاضى، ثم طلبنا بعد فكتبنا عن الناس، وعن عمرو الناقد ما أحب أن أروى عن أحد من أصحاب الرأى إلا عن أبى يوسف، فإنه كان صاحب سنة. وعن يحيى بن معين: أبو يوسف أنبل من أن يكذب، وليس أحد من أصحاب الرأى أثبت عندى من أبى يوسف، ولا فى أصحاب أبى حنيفة أحفظ للفقه منه عندى، وكان ثقة عدلا صدوقًا. وعنه: لم يكن أبو يوسف فى الحديث بكذوب. وعن على بن المدينى: كان صدوقًا. وعن أبى زرعة: كان سليما من التجهم. فظهر مما ذكرنا تحامل المحيطين عليه، وحسدهم، وعدواتهم فالخطيب البغدادى، والدارقطنى، ومن نحى نحوهما، وذكره ابن حبان فى الثقات. وقال: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حتبة من أهل الكوفة، روى عن يحيى بن سعيد الأنصارى، روى عنه بشر بن الوليد، وأهل العراق، وكان شيخا متقنا، لم يكن سلك مسلك صاحبيه إلا فى الورع، وكان يباينهما فى الإيمان، والقرآن، حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم القاضى، حدثنا قتيبة بن سعيد قال: سمعت أبا يوسف يقول: الإيمان قول، وعمل يزيد، وينقص. انتهى. قلت: هذا ليس بصحيح عن أبى يوسف، وإنما الصحيح عنه أن الإيمان لا يزيد، ولا ينقص، وأن العمل ليس من الإيمان، كما هو مذهب أبى حنيفة، ومحمد، وفيه بحث عظيم يستقصى فى موضعه. وأما غمزة ابن حبان بقوله: وكان يباينهما فى الإيمان والقرآن، ففاسدة؛ لأن البزدوى ذكر فى كتابه، وقال: قد صح عن أبى يوسف أنه قال: ناظرت أبا حنيفة فى مسألة خلق القرآن ستة أشهر فاتفق رأيى، ورأيه أن من قال بخلق القرآن فهو كافر. وصح هذا القول عن محمد، ودلت المسائل المتفرقة عن أصحابنا فى المبسوط، وغيره على أنهم لم يميلوا إلى شىء من مذهب الاعتزال، وإلى سائر الأهواء، وأنهم قالوا بحقيقة رؤية الله تعالى بالأبصار فى دار الآخرة، وحقيقة عذاب القبر لمن شاء، وحقية خلق الجنة، والنار حتى قال أبو حنيفة لجهم: اخرج عنى يا كافر. وقالوا بحقية سائر أحكام الآخرة على ما نطق به الكتاب، والسنة، وهذا فصل يطول تعدده. انتهى. وكان أبو يوسف سكن بغداد، وتولى القضاء لثلاثة من الخلفاء المهدى، وابنه الهادى، وهارون الرشيد، وكان هارون الرشيد يكرمه، ويجله، وكان عنده حظيًا مكينًا، وهو أول من دعى بقاضى القضاة، ويقال: إنه أول من غير لباس العلماء إلى هذه الهيئة التى هى عليها فى هذا الزمن، وكان ملبوس الناس قبل ذلك شيئًا واحدًا لا يتيز أحد بلباسه. وقال أبو عمر: ولا أعلم قاضيًا كان إليه تولية القضاء فى الآفاق من المشرق إلى المغرب إلا أبا يوسف فى زمانه، ثم أحمد بن أبى داود فى زمانه. وقال محمد بن طلحة بن جعفر: كان أبو يوسف مشهور الأمر ظاهر الفضل، وهو أفقه أهل عصره، ولم يتقدمه أحد فى زمانه، وكان النهاية فى العلم، والحكم، والرياسة، وهو أول من، وضع الكتب فى أصول الفقه على مذهب الإمام أبى حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها، وبث علم أبى حنيفة فى أقطار الأرض. وقال هلال بن يحيى: كان أبو يوسف يحفظ التفسير، والمغازى، وأيام العرين، وكان أقل علومه الفقه. وذكر الحضان أنه كان يحفظ عشرين ألف حديثًا منسوخًا، وما نقل من كلامه الحسن ما قاله أبو بكر النقاش: إن عبد الله بن أحمد أخبره عن أبيه قال: سمعت أبا يوسف القاضى يقول: رؤوس النعم ثلاثة فأولها: نعمة الإسلام التى لا يختم بحسن العيش إلا بها، والثانية: نعمة العافية التى لا تطيب الحياة إلا بها. ومن كلامه. الذى ينبغى كتابته بماء الذهب قوله: من طلب الماء بالكيمياء أفلس، ومن تتبع غرائب الحديث كذب، ومن طلب العلم بالكلام تزندق. ومناقبه، وفضائله كثيرة جدًا، وفى هذا القدر كفاية، ومن أراد الكثرة فعليه بتاريخنا البدرى. وعن بشر بن الوليد الكندى: سمعت أبا يوسف يقول فى مرضه الذى مات فيه: اللهم إنك تعلم إنى لم أطأ فرجًا حرامًا، وأنا أعلم اللهم إنك تعلم أنى لم آكل درهمًا حرامًا قط، وأنا أعلم به. وفى اللؤلؤيات: أوصى أبو يوسف فى مرضه لأهل مكة بمائة ألف، ولأهل الكوفة بمائة ألف، ولأهل بغداد بمائة ألف، وتوفى فى شهر ربيع الأول لخمس خلون منه فى سنة ثنتين وثمانين ومائة. وعمره تسع وستون سنة ولى القضاء سنة ثلاث وستين، فكان مدة قضائه ست عشرة سنة، ودفن فى مقابر قريش بكرخ بغداد بقرب زبيدة، ومحمد الأمين، وقال الصميرى: بلغنى أن الرشيد مشى أمام جنازته، وصلى عليه بنفسه، ودفنه بمقابر أهله، وقال حين دفن: ينبغى لأهل الإسلام أن يعزى بعضهم بعضا بأبى يوسف، وقال ابن خلكان: وكانت ولاية القاضى أبى يوسف سنة ثلاث عشر ومائة، وتوفى يوم الخميس أول، وقت الظهر لخمس خلون من ربيع الأول من سنة ثنتين وثمانين ومائة ببغداد. وقيل توفى سنة ثنتين وسبعين ومائة، والأول أصح، ومات، وهو على القضاء. وقال ابن حبان فى الثقات: ومات أبو يوسفسنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائة لخمس ليال خلون من شهر ربيع الآخر. روى له أبو جعفر الطحاوى.