page 365, entry [120], semantic entry [806]Open original source
سعيد بن جبير بن هشام الأسدى الوالبى: مولاهم أبو محمد، ويقال: أبو عبد الله الكوفى، ووالبة هو ابن الحارث بن ثعلبة بن دردان بن أسد بن خزيمة فيما قال محمد بن حبيب. روى عن أنس بن مالك، والضحاك بن قيس النهرى، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مغفل، وعدى ابن حاتم، وعمرو بن ميمون الأودى، وأبى سعيد الخدرى، وأبى عبد الرحمن السلمى، وأبى مسعود الأنصارى، وأبى موسى الأشعرى، وأبى هريرة، وعائشة، رضى الله عنهم. روى عنه آدم بن سليمان، وأيوب السختيانى، وثابت بن عجلان، وحبيب بن أبى ثابت، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبى سليمان، وذر بن عبد الله الهمدانى، وذكوان الأبكم، وسليمان الأحول، وسليمان الأعمش، وطارق بن عبد الله البجلى، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وابنه عبد الله بن سعيد بن جبير، وعدى بن ثابت، وعطاء بن السائب، وعمرو بن دينار، وعمرو بن مرة، وفرقد السبخى، وكلثوم بن جبير، ومالك الأسدى، ومنصور بن المعتمر، وميمون بن مهران، ووهب بن ماهوس، ويقال: ابن ميناس، ويحيى بن عباد، ويعلى بن حكيم، وأبو إسحاق الشيبانى، وأبو الزبير المكى، وأبو عون الثقفى، وجماعة آخرون كثيرة. وقال خليفة بن خليفة: حدثنا أبو الحجاج، قال: رأيت رأس سعيد بن جبير بعد ما سقط على الأرض يقول: لا الله لا الله، ثلاث مرات يفصح بها، قتله الحجاج صبرًا فى سنة خمس وتسعين وله ثلاثة بنين عبد الله، ومحمد، وعبد الملك، وكان نازلاً بسنبلان، ولما ذكر للحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، أرسل إليه قائدًا يسمى المقلس بن الأحوص ومعه عشرون رجلاً من أهل الشام من خاصة أصحابه، فبينما هم يطلبونه إذا هم براهب فى صومعة له فسألوه عنه، فقال الراهب: صفوه لى؟ فوصفوه عليه، فدلهم عليه، فانطلقوا فوجدوه ساجدًا يناجى بأعلى صوته، فدنوا منه فسلموا عليه، فرفع صوته فأتم صلاته، ثم رد ﵈، فقالوا: إنا رسل الحجاج إليك فأجبه، قال: ولابد من الإجابة؟ قالوا: لابد، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، ثم قام فمشى حتى انتهى إلى دير الراهب، فقال الراهب: يا معشر الفرسان، أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم، فقال لهم: اصعدوا إلىَّ، فإن اللبؤة والأسد يأويان حول الدير، فعجلوا الدخول قبل المساء، ففعلوا ذلك، فأبى سعيد أن يدخل الدير، فقالوا: ما نراك إلا رأيت تريد الهروب منا، قال: لا، ولكنى لا أدخل منزل مشرك أبدًا، قالوا: فإنا لا ندعك، فإن السباع تقتلك. قال سعيد: لا ضير إن معى ربى فيصرفها عنى ويجعلها حرسًا حولى تحرسنى من كل سوء إن شاء الله، قالوا: فأنت من الأنبياء؟ قال: ما أنا من الأنبياء، ولكن عبد من عبيد الله خاطىء مذنب. قال الراهب: فليعطنى ما أثق به على طمأنينة، فعرضوا على سعيد أن يعطى الراهب ما يريد، قال سعيد: إنى أعطى العظيم الذى لا شريك له، لا أبرح مكانى حتى أصبح إن شاء الله، فرضى الراهب بذلك، فقال لهم: اصعدوا وأوتروا والقسى لتنفروا السباع من هذا العبد الصالح، فإنه كره الدخول علىَّ فى الصومعة لمكانكم، فلما صعدوا وأوتروا القسى إذا هم بلبوة قد أقبلت، فلما دنت من سعيد تحككت به وتمسحت، ثم ربضت قريبًا منه، وأقبل الأسد فصنع مثل ذلك، فلما رأى الراهب ذلك وأصبحوا نزل إليه فسأله عن شرائع دينه وسنن رسوله ﷺ، ففسر له سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه، ويأخذون التراب الذى وطئه بالليل يصلو عليه، فيقولون: يا سعيد حلفنا للحجاج بالطلاق والعتاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه فمرنا بما شئت، قال: امنعوا لأمركم، فإنى لائذ بخالقى ولا راد لقضائه. فساروا حتى بلغوا واسطًا، فلما انتهوا إليها قال لهم سعيد: يا معشر القوم، قد تحرمت بكم وصحبتكم ولست أشك أن أجلى قد حضر وأن المدة قد انقضت، فدعونى الليلة آخذ أهبة للموت وأستعد لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر وما يحثى علىَّ من التراب، فإذا أصبحتم فالميعاد بينى وبينكم المكان الذى تريدون، وقال بعضهم: لا نريد أثرًا بعد عين، وقال بعضهم: قد بلغتم أمنكم فاستوصيتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه، فقال بعضهم: بعينكم ما أعطى الراهب ويلكم أما لكم عبرة بالأسد كيف تحككت به وتمسحت وحرسته إلى الصباح، فقال بعضهم: هو على أدفعه إليكم إن شاء الله، فنظروا إلى سعيد قد دمعت عيناه وشعث رأسه واغبر لونه، ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك منذ يوم لقوه وصحبوه، فقالوا بجماعتهم: يا خير أهل الأرض، ليتنا لم نعرفك ولم نسرح إليك، الويل لنا ويلاً طويلاً، كيف ابتلينا بك، اعذرنا عند خالقنا يوم الحشر الأكبر، فإنه القاضى الأكبر والعدل الذى لا يجور. فقال سعيد: ما أعذرنى لكم وأرضانى لما سبق فى علم الله، فلما فرغوا من البكاء والمحاربة فيما بينهم قال كفيله: أسألك بالله يا سعيد لما زودتنا من دعائك وكلامك، فإنا لن نلقى مثلك أبدًا ولا نرى أن نلتقى إلى يوم القيامة، قال: ففعل ذلك سعيد، فخلوا سبيله، فغسل رأسه ومدرعته وكساه وهم مجيفوك الليل كله ينادون بالويل واللهف، فلما انشق عمود الصبح جاءهم سعيد بن جبير فقرع الباب، فقالوا: صاحبكم ورب الكعبة، فنزلوا إليه وبكوا معه طويلاً، ثم ذهبوا به إلى الحجاج، فقال الحجاج: أتيتمونى بسعيد بن جبير؟ فقالوا: نعم، وعاينا منه العجب، فصرف بوجهه عنهم، فقال: أدخلوه علىَّ، فخرج المتلمس، فقال: أستودعك الله وأقرأ عليك السلام. قال: فدخل عليه، فقال له: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير، قال: أنت شقى بن كسير؟ قال: بل أمى كانت أعلم باسمى منك، قال: شقيت أنت وشقيت أمك، قال: الغيب يعلمه غيرك، قال: لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهًا، قال: فما قولك فى محمد؟ قال: نبى الرحمة، إمام الهدى، قال: ما قولك فى على فى الجنة هو أم النار؟ قال: فلو دخلتها فرأيت أهلها عرفت من فيها، قال: فما قولك فى الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، قال: فأيهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقى، قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذى يعلم سرهم ونجواهم، قال: أبيت أن تصدقنى؟ قال: إنى لم أحب أن أكذبك، قال: فما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يضحك مخلوق من الطين، والطين تأكله النار، قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب. قال: ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فجمعت بين يدى سعيد بن جبير، فقال له سعيد: إن كنت جمعت هذا لتفتدى به من فزع يوم القيامة فصالح، وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير فى شىء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكى. ثم دعا الحجاج بالعود، فلما ضرب بالعود ونفخ فى النار، بكى سعيد بن جبير، فقال له: ما يبكيك هو اللهو؟ قال سعيد: بل هو الحزن، أما النفخ فذكرنى يومًا عظيمًا، يوم ينفخ فى الصور، وأما العود فشجرة قطعت فى غير حق، وأما الأوتار فإنها أمعاء الشاة تبعث بها معك يوم القيامة، فقال الحجاج: ويلك يا سعيد، فقال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار. فقال الحجاج: اختر يا سعيد أى قتلة تريد أن أقتلك؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج، فوالله ما تقتلنى قتلة عنك، قال: إن كان العفو من الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر، قال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج من الباب ضحك، فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده، فقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط، فقال: اقتلوه، فقال سعيد: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ، قال: شدوا به لغير القبلة، قال سعيد: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ، قال: كبوه لوجهه، قال سعيد: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] ، قال الحجاج: اذبحوه، قال سعيد: أما إنى أشهد يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها منى حتى تلقانى يوم القيامة. ثم دعا سعيد الله، وقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدى، فذبح على النطع، وعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة وقعت الأكلة فى بطنه، فدعا الطبيب لينظر إليه، فلما نظر إليه دعى بلحم منتن، فعلقه فى خيط، ثم أرسله من حلقه وتركه ساعة، ثم استخرجه وقد لزق به من الدم، فعلم أنه ليس بناج، وكان ينادى بقية حياته: ما لى ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلى. قلت: وسبب ذلك ما ذكرته فى تاريخى البدرى أن الحجاج جعله على نفقات الجند حين بعثه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى رتيل، فلما خلع ابن الأشعث خلع معه سعيد بن جبير، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث هرب سعيد بن جبير إلى أصفهان، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه، فهرب منها، ثم كان يعتمر كل سنة ويحج، ثم إنه جاء إلى مكة، فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسرى، فأشار من أشار على سعيد بالهروب منها، فقال: قد استحييت من الله تعالى، فما أفر ولا مفر من قدره، وتولى على المدينة عثمان بن حبان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث مَن بالمدينة مِن أهل العراق إلى الحجاج فى القيود، وعمرو بن دينار وطلق بن حبيب، ويقال: إن الحجاج كتب إلى الوليد يخبره أن بمكة أقوامًا من أهل الشقاق، فبعث خالد بهولاء إليه، ثم عفى عن عطاء وعمرو بن دينار؛ لأنهما من أهل مكة، وبعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق بن حبيب، فمات فى الطريق قبل أن يصل إلى الحجاج، وأما مجاهد فحبس، فما برح فى السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد بن جبير فإنه جرى عليه ما جرى، وكان قتله فى سنة أربع وتسعين. وذكر ابن خلكان أن هذا كان فى شعبان، وأن الحجاج توفى بعده فى رمضان، ويقال: لما وقف سعيد بن جبير بين يدى الحجاج، فقال: يا سعيد، ما أخرجك علىَّ؟ فقال: أصلح الله الأمير، أنا امرؤ من المسلمين يخطىء مرة ويصيب مرة، فطابت نفس الحجاج وتطلق وجهه ورجا أن يتخلص من أمره، ثم عاوده بشىء، فقال: إنما كانت بيعة فى عنقى، فغضب عند ذلك الحجاج، وكان ما كان من قتله. وفى التهذيب: وقد روى أن الحجاج مات بعده بستة أشهر. وقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن البصرى: هو ثقة، إمام، حجة على المسلمين، قتل فى شعبان سنة خمس وتسعين وهو ابن تسع وأربعين سنة. روى له الجماعة، وأبو جعفر الطحاوى.