page 100, entry [30], semantic entry [227]Open original source
بكار بن قتيبة بن أسد بن أبى زرعة بن عبد الله بن بشير بن عبيد الله بن نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفى: صاحب رسول الله ﷺ، وكنيته بكار أبو بكر القاضى البصرى الكبراوى البكراوى بالبصرة سنة اثنتين وثمانين فيما نقله الطحاوى فى تاريخه، تفقه بالبصرة على هلال بن يحيى بن مسلم المعروف بهلال الرأى، وهو من أصحاب الإمام أبى يوسف، وزفر بن الهذيل، وأخذ عنه علم الشروط، سمع أبا داود الطيالسى، ويزيد بن هارون، وأحيا علم البصريين بمصر، وحدث عن عبد الصمد بن عبد الوارث، وصفوان بن عيسى الزهرى، ومؤمل بن إسماعيل، وغيرهم، روى عنه أبو جعفر الطحاوى، فأكثر وبه انتفع وتخرج، وروى عنه أيضًا أبو عوانة فى صحيحه، وأبو بكر ابن خزيمة إمام الأئمة، وأبو داود السجستانى. وكان بكار من أفقه أهل زمانه فى مذهب أبى حنيفة، وله اتساع فى الفقه وتصانيف، صنف كتاب الشروط، وكتاب المحاضر والسجلات، وكتاب الوثائق والعهود، وهو كبير، وصنفه كتابًا جليلاً، ونقض فيه على الشافعى رده على أبى حنيفة، وسبب تصنيفه لهذا الكتاب ما ذكره أبو محمد الحسن بن زولاق أنه نظر فى مختصر المزنى، فوجد فيه ردًا على أبى حنيفة، فقال لرجلين من شهوده: اذهبا واسمعا هذا الكتاب من أبى إبراهيم المزنى، فإذا فرع منه، فقولا له: سمعت الشافعى يقول ذلك؟ واشهدا عليه به، فمضيا وسمعا من المزنى المختصر وسألاه: أنت سمعت الشافعى يقول ذلك؟ قال: نعم، فعادا إلى القاضى بكار، فشهدا عنده على المزنى أنه سمع الشافعى يقول ذلك، فقال بكار: الآن استقام لنا أن نقول: قال الشافعى، ثم رد على الشافعى فى هذا الكتاب. وولى بكار قضاء مصر من قبل المتوكل على الله، ودخلها يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين، ولقى محمد بن الليث قاضى مصر كان قبله وهو خارج إلى العراق، فقال له بكار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفت البلد، فدلنى على من أشاوره وأسكن إليه، فقال: عليك برجلين أحدهما عاقل، وهو يونس ابن عبد الأعلى، والآخر زاهد، وهو أبو هارون موسى بن عبد الرحمن، فقال له بكار: صفهما لى، فوصفهما له، فلما دخل مصر أتاه الناس، وجاءه الرجلان، فاختص بهما، وكان يشاورهما فى أموره، فقال يومًا لموسى: يا أبا هارون، من أين المعيشة؟ فقال: من وقف وقفه أبى أتكفى به، ثم قال له موسى: يا أبا بكرة، قد سألتنى وأريد أن أسألك، قال: اسأل، قال: هل ركبك دينٌ بالبصرة؟ قال: لا، قال: فهل لك ولد أو زوجة؟ قال: لا ما نكحت قط، قال: أفلك عيال؟ قال: ما عندى سوى غلامى، قال: أفأكرهك السلطان على القضاء وعرض عليك العقاب؟ قال: لا، قال: أفضربت آباط الإبل من البصرة إلى مصر لغير حاجة ولا لضرورة إلا لتلى دماء المسلمين وأموالهم وفروج نسائهم، لله علىّ لا عدت إليك بعد هذا اليوم ولا كلمتك أبدًا، ثم انصرف عنه ولم يعد إليه. وكان أحمد بن طولون صاحب مصر يعظم بكارًا ويحترمه ويحصر مجالسه ويسمع عليه إلى أن طلب منه لعنة الموفق، فامتنع فحبسه، وكان المعتمد قد تخيل من أخيه الموفق بعد أن عهد إليه بالخلافة، فكاتب فيه أحمد بن طولون بمصر فاتفقا عليه، فجمع ابن طولون القضاة والأعيان، وطلب خلعه فخلعوه، إلا القاضى بكار، فقال: أوردت علىّ كتاب المعتمد بولايته، فأورد علىّ كتابًا آخر بخلعه، فقال له: غرك كلام الناس فيك: ما فى الدنيا مثل بكار، أنت شيخ قد خرفت، وأنا أحبسك حتى يرد كتابه بإطلاقك، فقيده وحبسه. وذكر فى تاريخ قضاة مصر أنه لما حكم الخليفة الموفق فى الأقاليم، بعث إلى أحمد بن طولون: احمل إلى ما عندك من المال، فأبى، فأمر الموفق بسب أحمد على المنابر بعد الخطاب، فوصل ذلك أحمد، فخرج أحمد فى مائة ألف أو يزيدون، فلما قدم بعض ما أراد من البلاد أحضر القضاة، ثم أحضر بكار بن قتيبة من مصر، وقال له: أسجل على نفسك أن الموفق خارجى، فقال: لم يثبت عندى ذلك، فقال له: عد إلى بلدك، يعنى مصر، فأعاد إليها، فلما رجع قال له: من يشهد لك إن الخليفة ولاك، وسجنه واشتغل ببناء الميدان، وخرب قبور اليهود والنصارى. وقيل: إنه لما ألح عليه أن يلعن على الموفق، قال: ألا لعنة الله على الظالمين، ويقال: لما خرج أحمد بعسكره ووصل إلى دمشق، وذلك فى سنة سبع وستين ومائتين جمع فقهاء الأمصار وقضاتها، فاجتمعوا، وكان فى جملة القدماء القاضى بكار، فقال لهم أحمد: إن الموفق خلع طاعة أخيه المعتمد، وقال ولى عهده، فأفتى الفقهاء بخلع الموفق من ولاية المعتمد، فتوقف بكار، وقال مثل ما قلنا الآن، فقيده أحمد، وسيره إلى مصر، وأمر بحبسه، ولما حبسه كان يغتسل فى كل جمعة، ويتطيب، ويلبس ثيابه، ويأتى إلى باب السجن، فيقول له السجان: إلى أين؟ فيقول: قد نادانى منادى ربى، وأنا أول من أجابه، فيقول له السجان: اعذرنى، فما أقدر على ذلك، ويعزُّ علىَّ، فيقول بكار: اللهم اشهد، ثم يرجع، ولما اعتقله ابن طولون أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهرى، ففعل وجعله كالخليفة له، وبقى محبوسًا مدة سنتين، وكان يحدث فى السجن من طاق فيه؛ لأن أصحاب الحديث شكوا إلى ابن طولون انقطاع إسماع الحديث من بكار، وسألوه أن يأذن له فى الحديث، ففعل، وكان يحدث على ما ذكرنا. وقال القاضى ابن خلكان: وكان ابن طولون يدفع له فى كل سنة ألف دينار خارجًا عن المقرر له، فيتركها ولا يتصرف فيها، ولما اعتقله بسبب امتناعه من خلع الموفق بن المتوكل طالبه، بحمل المبلغ الذى كان يأخذه فى كل سنة، فحمله إليه بختمه، وكان ثمانية عشر كيسًا، فاستحى أحمد، وكان يظن أنه أخرجها وأنه يعجز عن القيام بها، فلهذا طالبه، ثم إن أحمد بن طولون مرض مرضًا شديدًا، فأمر الناس بالدعاء له فى مسجد محمود بسفح المقطم، فخرجوا يدعون له ومعهم اليهود والنصارى بالتوراة والإنجيل، ودعا أحمد بن خمارويه، وقال له: اذهب إلى القاضى بكار فسلم عليه، وقل له ليدع لى، فجاء إليه، فوجده يصلى، وقال له: جئت فى أمر أبيك، فأخذ بلحية نفسه، وقال: اذهب إليه، وقل له: إنه عليل قد أشرف على قبره، وأنا شيخ عليل قد أشرفت على قبرى، والمجمع بيننا بين يدى الله تعالى. وماتا فى تلك السنة التى مرض فيها ابن طولون، وهى سنة سبعين ومائتين، ورئى أحمد فى المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: شفع فى القاضى بكار فشفع، وكان القاضى بكار يكثر التلاوة، ويحكم بمذهب أبى حنيفة، وكان من البكائين، وكان يكثر الوعظ للخصوم، ويتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً ... ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية، وكان يحاسب أمناءه فى كل وقت، ويسأل عن الشهود فى كل وقت، وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليه قصص جميع من تقدم إليه، وما حكم به، وكان يخاطر نفسه، ويقول: يا بكار، تقدم إليك رجلان فى كذا، وتقدم إليك خصمان فى كذا، وحكمت بكذا، وعملت بكذا، فما يكون جوابك غدًا؟. ومات رجل ولأحمد بن طولون عليه دين، فأرسل إلى بكار: بع ماله، فقال: حتى تحلف أنك تستحقه، فجاء ابن طولون إلى مجلسه وحلف، فقال بكار: أما الآن، فنعم، فباع ماله وقضى دينه، وكان ينشد دائمًا: لنفسى أبكى لست أبكى لغيرها ... لنفسى فى نفسى عن الناس شاغل وكان يحيى الليل كله، فإذا أصبح كان وجهه كالقمر، ودخل عليه رجلان يختصمان أحدهما أب الآخر، فنظر إليهما، وأنشأ يقول: تعطايتما ثوب العقوق كلاكما ... أب غير بر وابنه غير واصل ويقال: إن المتوكل لما بلغه ما عليه بكار من العلم والزهد والورع والفضل، أرسل إليه كتابًا من بغداد بتقليد القضاء مع نجاب، فلما وصل سأل عنه، وإذا هو خرج من الفرن ومعه الخبز، فسلم عليه، وقال: أنا رسول الخليفة إليك، قف حتى أبلغك رسالته، فقال: ما أقدر على الوقوف معك؛ لأن ردائى استعرته من والدتى لأمضى به وأخبز وأعود، فقف حتى أستأذنها، فاستأذنها فأذنت له فى الوقوف معه واستماع ما جاء به، ففعل، فسلم عليه من الخليفة، وأخبره أنه قلده قضاء مصر، ودفع إليه التقليد، فأخذه ودخل منزله، وخرج له برغيفين من خبزه، وقال له: امض فى حفظ الله، فتعجب النجاب من ذلك، واستحقر الخبز، ولم يمكنه ردهما، فرمى بهما فى مخلاته وتهاون بهما، وقال: واخيبة طريقاه، ثم سار إلى الخليفة وأخبره الخبر، فقال له: وما أجازك به، فضحك ثم أخبره، فأمر بإحضارهما، وكان النجاب قد فرط فى أحدهما، فلما أتاه بالرغيف الثانى دفع إليه ألف دينار، وقال: لو أتيتينى بالآخر أعطيتك ألفًا. ثم إن النجاب رمد رمدة عظيمة بعد مدة، وأشرف على العمى، وأراد الخليفة أن ينفذه فى رسالته، فاعتذر برمده، فأمر الخليفة بإحضار مكحلة فيها كحل، فكحله منه، فبرئ من ساعته، ومضى فى رسالته، فلما رجع قال: يا أمير المؤمنين، أريد أن تعلمنى ذلك الكحل، فقد وجدت فيه شفاءً عظيمًا، فقال له الخليفة: الرغيف الذى أتيت به من عند القاضى بكار، فجعلناه فى أكحالنا وأدويتنا، فنحن نعافى ببركته، فندم النجاب على ما فرط. وقال الحافظ ابن عساكر: روى القاضى بكار عن صفوان بن عيسى، وروح بن عبادة، وأبى أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، وعبيد الله بن بكر السهمى، وعفان بن مسلم، وحسين بن حفص الأصبهانى، وابن الصم بن أبى الوزير، وهشام بن عبد الملك الطيالسى، وأبى عامر العقدى، ومؤمل بن إسماعيل، وعثمان بن عمر بن فارس، وحبان بن هلال، وأبى عاصم، وعبد الله بن حُمران، وأبى داود الطيالسى، ويعقوب بن إسحاق الحضرمى، وعثمان بن الهيثم، ووهب بن جرير، والحكم بن مروان الضرير، وسعيد بن عامر، ويحيى بن حماد، وإبراهيم بن بشار الرمادى، وعبيد بن أبى قرة، وعمر ابن يونس اليمامى، وأبى أيوب أخى خاقان، ومكى بن إبراهيم البخلى، وأبى عمر حفص بن عمر الضرير، وعبد الله بن رجاء، وحسين بن مهدى الأيلى، وقريش بن أنس، وعبد الرحمن بن حسين بن مغيث، وأبى همام محمد بن مجيب الدلال. وقدم دمشق سنة سبع وستين ومائتين فى صحبة أحمد بن محمد بن بشر القرشى، وأبو القاسم على بن الحسين بن محمد بن السفر، ومحمد بن أبى حذيفة، وأبو الحسن بن جوصا، وأبو بكر محمد بن العباس بن زلزل، وأبو الغيث محمد بن أحمد بن عبد الواحد، وصاعد بن عبد الرحمن النحاس، وأبو على الحسن بن حبيب الحصائرى، وأحمد بن محمد بن فضالة، وأبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن خشيش المصرى، وأحمد بن عبد الله الناقد، وأبو الحسين محمد بن على بن أبى الحديد، وأبو على الحسن بن محمد بن حبيب الصيداوى، وأبو سليم علقمة بن يحيى بن علقمة الجوهرى، وأبو الطاهر أحمد بن محمد بن عمرو الخامى، وجعفر بن محمد بن الحافظ، وإبراهيم بن إسحاق الصرفندى، وأبو القاسم بكير بن عبد الله (*) بن سلمة بن دينار الرازى، وأبو عوانة يعقوب بن إسحاق، وابنه بكر بن بكار بن قتيبة. قال: ثم ولى القضاء بمصر من قبل المتوكل، قدمها يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين، وتوفى فى ذى الحجة سنة سبعين ومائتين، وفى رواية: توفى يوم الخميس لست مضين من ذى الحجة سنة سبعين ومائتين، وأقامت مصر بلا قاض سبع سنين إلى أن ولى خمارويه بن أحمد بن طولون، محمد بن عبدة القضاء. قال أحمد بن طولون: أراد بكارًا على لعن الموفق، فامتنع من ذلك، فسجنه إلى أن مات أحمد، فأطلق من السجن، فمكث بعد ذلك يسيرًا، ثم مات، فغسل ليلاً، وكثر الناس، فلم يدفن إلى وقت صلاة العصر. انتهى كلامه. وقال الطحاوى فى تاريخه: وتوفى منهم فيها، يعنى سنة سبعين ومائتين، أبو بكر بكار بن قتيبة يوم الخميس، لخمس ليال خلون من ذى الحجة منها، وكان مولده بالبصرة فى سنة اثنين وثمانين، وولى قضاء مصر فى سنة ست وأربعين ومائتين، فلم يزل قاضيًا إلى أن توفى بها، وكان من الحمد فى ولايته عليها، ومن القبول لأهلها إياه، ومن عفته عن أموالهم، ومن سلامته فى أحكامه، ومن اضطلاعه بذلك على نهاية ما يكون عليه مثله، حتى لو كانت أخلاقه ومذاهبه هذه فيمن تقدم، لكان بين بها عن كثير منهم، وكان الأمير أحمد بن طولون من المعرفة بحقه، والميل إليه، والتعظيم لقدره على نهاية، وكان يأتى إليه بمحضرنا وهو يملى على الناس الحديث على كثرة من كان يحضر مجلسه فيمنع حاجبه مستمليه من الانقطاع عن الاستملاء عليه، ثم يصعد إليه إلى المجلس الذى كان يحدث فيه، فيقعد مع الناس فيه ويستتم بكار مجلسه وهو حاضر لا يقطعه بحضوره إياه. فلم يزل كذلك حتى أراد منه أحمد بن طولون خلع ابن أحمد الموفق ولعنه، فأبى ذلك عليه، فلما رأى أحمد أنه لا يلتئم له منه ما يحاوله منه، ألب عليه سفهاء أهل الأجناس ومن سواهم من العوام، وجعله لهم خصمًا، وكان يقعد له من يقيمه بين يديه مع من يخاصمه مقام الخصوم، فلا يأتى ذلك ويقوم بالحجة لنفسه، والمقصود حبسه أحمد، وكان حبسه إياه بالمرفق فى القماحين فى الدرب الذى كان على يمين من يريد المصلى القديم، ولم يزل فى الحبس حتى توفى أحمد بن طولون، وبقى فيها هو بعد ذلك حتى توفى فى الوقت الذى ذكرنا وفاته، فظن الناس أنه لا يتهيأ لأحد حضوره، وحضروا عند العصر، وكنت فيمن حضر، وكان معى يحيى بن عثمان بن صالح، فأخرجت جنازته بعد العصر، وأقبل الناس أكثر ما كانوا، وفيهم أصحاب أحمد بن طولون قد غطوا رءوسهم حتى لا يعرفوا، وزادت الجماعة من غير أن يرى فى الناس راكب واحد، فشهده أكثر ممن شهد العيد بوقار وسكينة، وصلى عليه فى المصلى الجديد، وكان الذى صلى عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبة. انتهى. وقبره قريب من قبر الشريف طباطبا مشهور هناك عند مصلى بنى مسكين على الطريق معروف باستجابة الدعاء عنده، ولم يخلف دينارًا، ولا درهمًا، ولا دارًا، ولا عقارًا، وكان عالمًا، زاهدًا، حدث بالكثير. وفى تاريخ قضاة مصر: ومدة ولايته أربع وعشرون سنة وستة أشهر وستة عشر يومًا.