page 6766, entry [10829]Open original source
(نُصيب الْأَكْبَر) نُصيب بن رَبَاح مولى عبد الْعَزِيز بن مروانَ كَانَت أمه سَوْدَاء فَوَقع عَلَيْهَا أَبوهُ فَجَاءَت بِنَصِيب فَوَثَبَ إِلَيْهِ عَمه بعد وَفَاة أَبِيه فَبَاعَهُ وَكَانَ شَاعِرًا فَحلاً مقدِّماً فِي النسيب والمديح وَلم يكن لَهُ حظٌّ فِي الهِجاء وَكَانَ عفيفاً توفّي فِي حُدُود الْعشْرين وَالْمِائَة قَالَ نصيب كنت أرعى غنما أَو قَالَ إبِلا فضل مِنْهَا بعير فخرجتُ فِي طلبه حَتَّى قدمت مصرَ وَبهَا عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان فَقلت مَا بعد عبد الْعَزِيز أحدٌ أعتمده وَلم أكن قبل ذَلِك لقِيت أحدا يُمدح فحضرتُ بَابه مَعَ النَّاس فنُحِّيِتُ عَن مجْلِس الْوُجُوه وَكنت وَرَاءَهُمْ وَرَأَيْت رجلا على بغلةٍ حَسن الْمدْخل يُؤذن لَهُ إِذا جَاءَ فَانْصَرف إِلَى منزله واتبعته أماشي بغلتُه فَقَالَ مَا شَأْنك فَقلت أَنا رجل شَاعِر من أهل الْحجاز وَقد مدحت الْأَمِير وخرجتُ إِلَيْهِ راجياً معروفه وَقد ازدريتُ بِالْبَابِ ونحيت قَالَ فأنشِدني فأنشدتُه فأعجبتُه فَقَالَ وَيحك هَذَا شعرك إياك أَن تنتحل فَإِن الْأَمِير راويةٌ عالمٌ بالشعر وَعِنْده رُوَاة فَلَا تفضَحني وتفضح نَفسكفَقلت واللهِ مَا هُوَ شعري فَقَالَ وَيحك قل أبياتاً تذكر فِيهَا حَوف مِصرَ وفضلَها على غَيرهَا والقَني بهَا غَدا فغدوتُ عَلَيْهِ فَأَنْشَدته (سَرَي الهَمُّ حَتَّى بيتتني طلائعه ... بمصرَ وبالحَوف اعترتني روائِععُه) (وَبَات وِسادي ساعدٌ قَلَّ لحمهُ ... عَن العَظمِ حَتَّى كَاد تبدو أَشاجِعُه) وَذكر الْغَيْث فَقَالَ (وَكم دون ذَاك الْعَارِض البارق الَّذِي ... لَهُ اشتقتُ من وجهٍ أسيلٍ مدامُعه) (تمسَّى بِهِ أَبنَاء بَكرٍ ومَذحِج ... وأفناء عَمرو فَهُوَ خصبٌ مرَاتعُه) (بِكُل مَسيلٍ من تهامةَ طيبٍ ... دَميثِ الرُّبى تَسْقِي البحارَ دوافعُه) (أَعنِي على بَرقٍ أريك وميضَه ... تُضيء دُجناتِ الظَّلامِ لوامعُه) (إِذا اكتحلَت عينَا محبٍّ بضَوئه ... تجافت بِهِ حَتَّى الصَّباح مَضاجِعُه) قَالَ أَنْت وَالله شَاعِر احضُر الْبَاب فَإِنِّي أَذكرك قَالَ فَجَلَست على الْبَاب وَدخل فدُعيَ ليَ فَدخلت فَسلمت على عبد الْعَزِيز فَصَعدَ فيَّ بصرَه وصوّب وَقَالَ أشاعر وَيلَك أَنْت قلت نعم أَيهَا الْأَمِير قَالَ فأنشدني فَأَنْشَدته) (لِعبدِ الْعَزِيز على قومه ... وغيرِهم نِعَمٌ غامرَه) (فبابُك أليَنُ أبوابِهم ... ودارُك مأهولةٌ عامِرَه) (وكيلُك آنسُ بالمعتَفِينَ ... من الأُمِّ بالإبنة الزائرَه) (وكفُّك حِين تَرَى السَّائلين ... أندّى من اللَّيْلَة الماطرَه) (فمنك العطاءُ وَمنا الثناءُ ... بكلّ مُحبَّرةٍ سائرَه) فَقَالَ أَعْطوهُ أَعْطوهُ فَقلت إِنِّي مَمْلُوك فَدَعَا الْحَاجِب وَقَالَ اخْرُج فأبلغ فِي قِيمَته فَدَعَا المقوَّمين فَقَالَ قوِّموا غُلَاما أسود لَيْسَ فِيهِ عيب فَقَالُوا مائةَ دينارٍ قَالَ إِنَّه راعي إبل يُحسِن القيامَ عَلَيْهَا قَالُوا مِائَتَا دينارٍ قَالَ إِنَّه يَبري القِسيَّ والنَّبل ويَريشها قَالُوا أَرْبَعمِائَة دِينَار قَالَ إِنَّه رِوَايَة للشعر قَالُوا سِتّمائَة دِينَار قَالَ إِنَّه شَاعِر لَا يلحَن قَالُوا ألف دِينَار قَالَ عبد الْعَزِيز ادفعها إِلَيْهِ فَقلت لَهُ أصلح الله الْأَمِير ثمن بَعِيري الَّذِي ضلّ قَالَ كم ثمنه قلت خَمْسَة وَعِشْرُونَ دِينَارا قَالَ ادفعوها إِلَيْهِ قلت فجائزتي لنَفْسي عَن مديحي إياك قَالَ اشْتَرِ نَفسك ثمَّ عُد إِلَيْنَا ووفد النَّصِيب على الحكم بن الْمطلب وَهُوَ ساعٍ على بعض صدقَات الْمَدِينَة فأنشده (أيا مروانَ لستَ بخارجي ... وَلَيْسَ قديمُ مجدك بانتحال)(أغّرُّ إِذا الرِواقُ انجابَ عَنهُ ... بدا مِثل الهلالِ على المِثال) (تراآه الْعُيُون كَمَا تَرَاءى ... عَشِية فِطرِها وَضَحَ الْهلَال) فَأعْطَاهُ أَرْبَعمِائَة ضانية وَمِائَة لقحة ومائتي دِينَار وَقَالَ نصيب عُلِّقتُ جَارِيَة حَمْرَاء فمكثتُ زَمَانا تُمَنِّيني الأباطيل فَلَمَّا ألححت عَلَيْهَا قَالَت إِلَيْك عني فو الله لَكَأَنَّك من طوارق اللَّيْل فَقلت وَالله وأنتِ لكأنكِ من طوارق النَّهَار فَقَالَت وَمَا أظرفك يَا أسود فغاظني قَوْلهَا فَقلت لَهَا تدرين مَا الظّرْف إِنَّمَا الظرفُ العقلُ ثمَّ قَالَت لي إنصرف حَتَّى أنظر فِي أَمرك فَأرْسلت إِلَيْهَا بِهَذِهِ الأبيات (فغن أَكُ أسوداً فالمسكُ أحوى ... وَمَا بِسواد جِلدي من دواءِ) (ومِثلي فِي رحالكُمْ قَليلٌ ... ومثلكِ لَيْسَ يُعدمُ فِي النِّسَاء) (فَإِن ترضي فرُدي قولَ راضٍ ... وَإِن تأبي فَنحْن على السَّواد) قَالَ فَلَمَّا قَرَأت الشّعْر تزَوجنِي وَدخل نصيب على سُلَيْمَان بن عبد الْملك وَعِنْده الفرزدق) فأنشده شعرًا لم يرضه وكّلَّحَ فِي وَجهه وَقَالَ لنصيب قُم فأنشِد مَوْلَاك فَقَامَ فأنشده (أَقُول لِرَكبٍ صادرين لَقيتُهم ... قِفا ذَات أوشالٍ ومولاك قاربُ) (قِفوا خبِّروني عَن سُلَيْمَان إِنَّنِي ... لِمعروفهِ من آل وَدَان طَالب) (فعاجوا فأثنَوا بِالَّذِي أَنْت أهلُه ... وَلَو سكتوا أثنَت عَلَيْك الحقائب) (وَقَالُوا عَهِدناه وكلَّ عَشِيةٍ ... على بَابه من طالبي العُرف راكبُ) (هُوَ البَدر وَالنَّاس الْكَوَاكِب حوله ... وَلَا يُشبِهُ الْبَدْر المضيء الكواكبُ) فَقَالَ أَحْسَنت يَا نصيب وَأمر لَهُ بجائزة وَلم يصنع ذَلِك بالفرزدق فَقَالَ الفرزدق (خيرُ الشعرِ أكْرمه رجَالًا ... وَشر الشعرِ مَا قَالَ العَبيدُ) كَانَ الْأَصْمَعِي ينشد لنصيب يستجيده (فَإِن يكَ من لوني السوَاد فَإِنِّي ... لكالمسك لَا يَروَى من الْمسك ناشقُه) (وَمَا ضرّ أثوابي سوَادِي وتحتها ... لِبَاس من العلياء بيضٌ بنايقه) ٣ -