page 4837, entry [8491]Open original source
(ابْن وهبون المرسي) عبد الْجَلِيل بن وهبون أَبُو مُحَمَّد الملقب بالدمعة المرسي قَالَ ابْن بسام فِي تَرْجَمته شمس الزَّمَان وبدره وسر الْإِحْسَان وجهره ومستودع الْبَيَان ومستقره أحد من أفرغ فِي وقتنا فنون الْمقَال فِي قوالب السحر الْحَلَال وَقيد شوارد الْأَلْبَاب بأرق من ملح العتاب وأروق من غفلات الشَّبَاب وكورة تدمير أفقه الَّذِي مِنْهُ طلع وعارضه الَّذِي مِنْهُ لمع اجتاز بالمرية فِي بعض رَحْله الشرقية وملكها يَوْمئِذٍ أَبُو يحيى ابْن صمادح فاهتز لعبد الْجَلِيل واستدعاه وَعرض لَهُ بجملة وافرة من عرض دُنْيَاهُ فَلم يعرج على ذَلِك وارتحل عَن بَلَده وَقَالَ فِي ارتجال الطَّوِيل (دنا الْعِيد لَو تَدْنُو بِهِ كعبة المنى ... وركن الْمَعَالِي من ذؤابة يعرب) (فيا أسفا للشعر ترمى جماره ... وَيَا بعد مَا بَين المنى والمحصب) وَمن عَجِيب مَا اتّفق أَن عبد الْجَلِيل وَأَبا إِسْحَاق بن خفاجة تصاحبا فِي طَرِيق مخوف فمرا بعلمين وَعَلَيْهِمَا رأسان كَأَنَّهُمَا بسر متناجيان فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الطَّوِيل(أَلا رب رَأس لَا تزاور بَينه ... وَبَين أَخِيه والمزار قريب) (أناف بِهِ صلد الصَّفَا فَهُوَ مِنْبَر ... وَقَامَ على أَعْلَاهُ فَهُوَ خطيب) فَقَالَ عبد الْجَلِيل الطَّوِيل(يَقُول حذاراً لَا اغترار فطالما ... أَنَاخَ قَتِيل بِي وَمر سليب) فَمَا أتم قَوْله حَتَّى لَاحَ لَهما قتام سَاطِع كَأَن السيوف فِيهِ برق لامع فَمَا تجلى إِلَّا وَعبد الْجَلِيل قَتِيل وَابْن خفاجة سليب فَكَأَنَّمَا كشف لَهُ فِيمَا قَالَ ستر الْغَيْب وَمن شعره يمدح الْمُعْتَمد الْبَسِيط) (بيني وَبَين اللَّيَالِي همة جلل ... لَو نالها الْبَدْر لاستخزى لَهُ زحل) (سراب كل يباب عِنْدهَا شنب ... وهول كل ظلام عِنْدهَا كحل) (من أَيْن أبخس لَا فِي ساعدي قصر ... عَن المساعي وَلَا فِي مقولي خطل) (ذَنبي إِلَى الدَّهْر إِن أبدي تعنته ... ذَنْب الحسام إِذا مَا أحجم البطل) (يَا طَالب الوفر إِنِّي قُمْت أطلبها ... علياء تعيا بهَا الأسماع والمقل) (لَا كَانَ للعيش فضل لَا أَجود بِهِ ... يَكْفِي المهند من أسلابه الْخلَل) (لَكِن بخلت بِأَنْفَاسِ مهذبة ... تروي الْعُقُول وَهن الْجَمْر والشعل) (وَإِن وصفت فكاليوم الَّذِي عرفت ... مِنْك الفرنجة فِيهِ كنه مَا جهلوا) (وَقد دلفت إِلَيْهِم تَحت خافقة ... قلب الضَّلَالَة مِنْهَا خَائِف وَجل) (فراعهم مِنْك وضاح الجبين وَعَن ... بشر الحسام يكون الْخَوْف والوهل) (وَحين أسمعت مَا أسمعت من كلم ... تمثلت لَهُم الْأَعْرَاب وَالْحلَل) (وَكلما نفحت ريح الْهدى خمدت ... دِمَاؤُهُمْ وسيوف الْهِنْد تشتعل) (أشباه مَا اعتقلوه من ذوائبهم ... فالحرب جاهلة من مِنْهُم الأسل) (لَوْلَا اعتراضك سرا بَين أَعينهم ... لَكَانَ يفرق مِنْهَا السهل والجبل) (أنسيتها النّظر الشزر الَّذِي عهِدت ... فَكل عين بهَا من دهشة قبل) (تنزلوا آل عباد فربتما ... لم يدْرك الْوَصْف مَا تأتون والمثل) (إِذا أسرتم فَمَا فِي أسركم قنط ... وَإِن عفوتم فَمَا فِي عفوكم خلل) (يقبل الغل مرتاحاً أسيركم ... فَهُوَ البشير لَهُ أَن تسحب الْحلَل) (جَيش فوارسه بيض كأنصلة ... وخيله كالقنا عسالة ذبل) وَمن شعر عبد الْجَلِيل الْكَامِل (ناهضتهم والبارقات كَأَنَّهَا ... شعل على أَيْديهم تتلهب) (ووقفت مشكور الْمَكَان كريمه ... وَالْبيض تطفو فِي الْغُبَار وترسب) (مَا إِن ترى إِلَّا توقد كَوْكَب ... من قونس قد غَابَ فِيهِ كَوْكَب) (فمجدل ومزمل وموسد ... ومضرج ومضمخ ومخضب) (سلبوا وأشرقت الدِّمَاء عَلَيْهِم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا) ) (وَلَو أَنهم ركبُوا الْكَوَاكِب لم يكن ... لمجدهم من حد بأسك مهرب) وَمِنْه الطَّوِيل (قتلت بني الْأَيَّام خَبرا فباطني ... مشيب وَمَا يَبْدُو عَليّ شباب) (وَلما رَأَيْت الزُّور فِي النَّاس فاشياً ... تحيل لي أَن الشَّبَاب خضاب) وَمِنْه الْكَامِل (للدهر عِنْدِي فِي جنابك لَيْلَة ... وضاحة الأقطار والجنبات) (لَو أَنَّهَا يَوْم الْحساب صحيفَة ... فِي راحتي لضقت بِالْحَسَنَاتِ) وَمِنْه المتقارب (بِنَفس وَإِن كنت لَا نفس لي ... فقد سلبتها لحاظ الْمقل) (عذار وخد كَمَا يحتوي ... سَواد الْقُلُوب بَيَاض الأمل) وَمِنْه قَوْله أَيْضا فِي مغنية لابسة حليا الْبَسِيط (إِنِّي لأسْمع شدوا لَا أحققه ... وَرُبمَا كذبت فِي سَمعهَا الْأذن) (مَتى رأى أحد قبلي مطوقة ... إِذا تغنت بلحن جاوب الفنن) وَمِنْه الطَّوِيل (يعز على العلياء أَنِّي خامل ... وَأَن أَبْصرت مني خمود شهَاب) (وَحَيْثُ ترى زند النجابة وارباً ... فثم ترى زند السَّعَادَة كابي) وَمِنْه الْكَامِل (زَعَمُوا الغزال حَكَاهُ قلت لَهُم نعم ... فِي صده عَن عاشقيه وهجره) (قَالُوا الْهلَال شبيهه فأجبتهم ... إِن كَانَ قيس إِلَى قلامة ظفره) (وَكَذَا يَقُولُونَ المدام كريقه ... يَا رب لَا علمُوا مذاقة ثغره) وَمِنْه السَّرِيع(وبركة تزهى بنيلوفر ... نسيمه يشبه ريح الحبيب) (حَتَّى إِذا اللَّيْل دنا وقته ... ومالت الشَّمْس لحين الْغُرُوب) (أطبق جفنيه على إلفه ... وغاص فِي المَاء حذار الرَّقِيب) وَأنْشد الْمُعْتَمد يَوْمًا قَول أبي الطّيب الطَّوِيل) (إِذا ظَفرت مِنْك الْعُيُون بنظرة ... أثاب بهَا معيي الْمطِي ورازمه) فَجعل يردده اسْتِحْسَانًا لَهُ فَقَالَ عبد الْجَلِيل بديهاً الطَّوِيل (لَئِن جاد شعر ابْن الْحُسَيْن فَإِنَّمَا ... تجيد العطايا واللهى تفتح اللها) (تنبأ عجبا بالقريض وَلَو درى ... بأنك تروي شعره لتألها) فَأمر لَهُ بِمِائَتي دِينَار وَأرْسلت البزاة يَوْمًا بَين يَدَيْهِ واستحث الشُّعَرَاء فِي وصفهَا فَقَالَ عبد الْجَلِيل الْكَامِل (للصَّيْد قبلك سنة مأثورة ... لَكِنَّهَا بك أعجب الْأَشْيَاء) (تمْضِي البزاة وَكلما أمضيتها ... عارضتها بخواطر الشُّعَرَاء) وَجلسَ الْمُعْتَمد يَوْمًا وَبَين يَدَيْهِ جَارِيَة تسقيه فخطف الْبَرْق فارتاعت فَقَالَ السَّرِيع (روعها الْبَرْق وَفِي كفها ... برق من القهوة لماع) (عجبت مِنْهَا وَهِي شمس الضُّحَى ... كَيفَ من الْأَنْوَار ترتاع) ثمَّ أنْشد الأول لعبد الْجَلِيل واستجازه فَقَالَ السَّرِيع (وَلنْ ترى أعجب من آنس ... من مثل مَا يمسك يرتاع) وَمن شعر عبد الْجَلِيل الوافر (غزال يستطاب الْمَوْت فِيهِ ... ويعذب فِي محاسنه الْعَذَاب) (يقبله اللثام هوى وشوقاً ... ويجني ورد خديه النقاب) وَمِنْه الطَّوِيل (سقى فسقى الله الزَّمَان من أَجله ... بكأسين من لميائه وعقاره) (وَحيا فَحَيَّا الله دهراً أَتَى بِهِ ... بأطيب من ريحانه وعراره) وَلما ركب الْمُعْتَمد الْبَحْر قَالَ ابْن وهبون الْبَسِيط (أحَاط جودك بالدنيا فَلَيْسَ لَهُ ... إِلَّا الْمُحِيط مِثَال حِين يعْتَبر)(وَمَا حسبت بِأَن الْكل يحملهُ ... بعض وَلَا كَامِلا يحويه مُخْتَصر) (كَأَنَّمَا الْبَحْر عين أَنْت ناظرها ... وكل شط بأشخاص الورى شفر) وَكَانَ للمعتمد أستاذ يُسمى خَليفَة فَأمره أَن يَأْتِي بنبيذ فَأخذ وعَاء يُسمى القمصال فجَاء إِلَيْهِم فعثر وَوَقع القمصال فانكسر وَمَات الْأُسْتَاذ فَأخْبر الْمُعْتَمد بذلك فَقَالَ الوافر) (أنأمن والحياة لنا مخيفة ... ونفرح والمنون بِنَا مطيفه) فَقَالَ ابْن عمار (وَفِي يَوْم وَمَا أَدْرَاك يومٌ ... مضى قمصالنا وَمضى خليفه) فَقَالَ ابْن وهبون (هما فخارتا رَاح وريح ... تكسرتا فاشقاف وجيفه) واجتاز ابْن وهبون يَوْمًا على فرن وَيَده فِي يَد فَتى يُسمى ربيعاً فَقَالَ لَهُ صف هَذَا الفرن فَقَالَ الْخَفِيف (رب فرن رَأَيْته يتلظى ... وربيع مخالطي وعقيدي) (قَالَ شهه قلت صدر حسود ... خالطته مَكَارِم الْمَحْسُود) وَهُوَ الْقَائِل فِي رثاء ابْن عمار لما قَتله الْمُعْتَمد الْكَامِل (عجبا لَهُ أبكيه ملْء مدامعي ... وَأَقُول لَا شلت يَمِين الْقَاتِل)