page 2811, entry [4559]Open original source
(العذريّ المتيم) جميل بن عبد الله بن معمر بن صباح بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة ظبْيَان العذري الشَّاعِر الْمَشْهُور) صَاحب بثينة أحد متيمي الْعَرَب أحبّها وَهُوَ صَغِير فَلَمَّا كبر خطبهَا فردّ عَنْهَا فَقَالَ الشّعْر فِيهَا وَكَانَ يَأْتِيهَا سرّاً ومنزلهما وَادي الْقرى قيل لَهُ لَو قَرَأت الْقُرْآن لَكَانَ أَعُود عَلَيْك من الشّعْر فَقَالَ هَذَا أنس بن مَالك أَخْبرنِي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن من الشّعْر حِكْمَة وَذكر صَاحب الأغاني أنّ كثير عزَّة كَانَ رِوَايَة جميل وَجَمِيل رِوَايَة هدبة بن خشرم وهدبة راوية الحطيئة والحطيئة رِوَايَة زُهَيْر بن أبي سلمى وَابْنه كَعْب قَالَ كثير عزَّة لَقِيَنِي مرّة جميل فَقَالَ من أَيْن أَقبلت قلت من عِنْد أبي الخبيثة يَعْنِي بثينة فَقَالَ وَإِلَى أَيْن تمضيقلت إِلَى الخبيثة يَعْنِي عزّة فَقَالَ لَا بدّ أَن ترجع عودك على بدئك فتتخذ لي موعداً من بثينة فَقلت عهدي بك السّاعة وَأَنا أستحيي أَن أرجع فَقَالَ لَا بدّ من ذَلِك فَقلت مَتى عَهْدك ببثينة فَقَالَ من أول الصَّيف وَقعت سَحَابَة بِأَسْفَل وَادي الدَّوم فَخرجت مَعهَا جَارِيَة لَهَاتغسل ثيابًا فَلَمَّا رأتني أنكرتني فَضربت يَدهَا إِلَى ثوب فِي المَاء فالتحفت بِهِ وعرفتني الْجَارِيَة فأعادت الثَّوْب إِلَى المَاء وتحدَّثنا سَاعَة حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس فسألتها الْموعد فَقَالَ أَهلِي سائرون وَمَا لقيتها بعد ذَلِك وَلَا وجدت أحدا آمنهُ فَأرْسلهُ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهُ كثير فَهَل لَك أَن آتِي الحيَّ فأتعرّض بِأَبْيَات من الشّعْر أذكر فِيهَا هَذِه الْعَلامَة إِن لم أقدر على الْخلْوَة بهَا قَالَ وَذَلِكَ الصّواب فَخرج كثير حَتَّى أَنَاخَ بهم فَقَالَ لَهُ أَبوهَا ردَّك يَا بن أخي قَالَ قلت أبياتاً فَأَحْبَبْت أَن أعرضها عَلَيْك قَالَ هَاتِهَا فأنشده وبثينة تسمع من الطَّوِيل (فَقلت لَهَا عزّ أرسل صَاحِبي ... إِلَيْك رَسُولا وَالرَّسُول مُوكل) (بِأَن تجعلي بيني وَبَيْنك موعداً ... وَأَن تَأْمُرِينِي بِالَّذِي فِيهِ أفعل) (وَآخر عهدي مِنْك يَوْم لقيتني ... بِأَسْفَل وَادي الدَّوم وَالثَّوْب يغسل) فَضربت بثينة جَانب خدرها وَقَالَت إخسأ إخسأ فَقَالَ لَهَا أَبوهَا مَهيم يَا بثينة قَالَت كلب يأتينا إِذا نوم النَّاس من وَرَاء الرّابية ثمَّ قَالَت لِلْجَارِيَةِ ابغينا من الدَّومات حطباً لنذبح لكثيِّر شَاة ونشويها لَهُ فَقَالَ كثير أَنا أعجل من ذَلِك وَرَاح إِلَى جميل فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ جميل الْموعد الدَّومات وَخرجت بثينة وصواحبها إِلَى الدَّومات وَجَاء جميل وَكثير إِلَيْهَا فَمَا برحوا حَتَّى برق الصُّبْح فَكَانَ كثير يَقُول مَا رَأَيْت مَجْلِسا قطّ أحسن من ذَلِك الْمجْلس وَلَا مثل علم) أَحدهمَا بضمير صَاحبه مَا أَدْرِي أَيهمَا كَانَ أفهم وَقدم جميل بن معمر مصر على عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان ممتدحاً فَأذن لَهُ وَسمع مديحه وأسن جائزته وَسَأَلَهُ عَن حبّ بثينة فَذكر وجدا كثيرا فوعده فِي أمرهَا وَأمره بالْمقَام وَأمر لَهُ بمنزل وَمَا يصلحه فَمَا أَقَامَ إلاّ قَلِيلا حَتَّى مَاتَ هُنَاكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ لِلْهِجْرَةِ وَقَالَ عَبَّاس بن سهل السَّاعِدِيّ بَينا أَنا بِالشَّام إِذْ لَقِيَنِي رجل من أَصْحَابِي فَقَالَ لي هَل لَك فِي جميل فَإِنَّهُ ثقيل نعوده فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَنظر إليّ ثمَّ قَالَ يَا بن سهل مَا تَقول فِي رجل لم يشرب الْخمر قطُّ وَلم يزن قطّ وَلم يقتل النَّفس وَلم يسرق يشْهد أَن لَا إِلَه إلاّ الله قلت أَظُنهُ قد نجا وَأَرْجُو لَهُ الْجنَّة فَمن هَذَا الرجل قَالَ أَنا قلت وَالله مَا أحسبك سلمت وَأَنت تشبّب عشْرين سنة ببثينة فَقَالَ لَا نالتني شَفَاعَة مُحَمَّد ﷺ وَإِنِّي لفي يَوْم من آخر أَيَّام الدُّنْيَا إِن كنت وضعت يَدي عَلَيْهَا لريبة فَمَا برحنا حَتَّى مَاتَ وَقَالَ الْأَصْمَعِي حَدثنِي رجلٌ شهد جميلاً لما حَضرته الْوَفَاة بِمصْر أنّه دَعَا بِهِ فَقَالَ لَهُ هَل لَك أَن أُعْطِيك كلَّ مَا أخلّفه على أَن تفعل شَيْئا أعهده إِلَيْك قَالَ فَقلت اللَّهُمَّ نعم قَالَ إِذا أَنا متّ فَخذ حلّتي هَذِه واعزلها جانباً وكلّ شَيْء سواهَا هُوَ لَك وارحل إِلَى رَهْط بثينة فَإِذا صرتإِلَيْهِم فارتحل نَاقَتي هَذِه واركبها ثمَّ البس حلَّتي هَذِه واشققها ثمَّ اعْل على شرفٍ وَصَحَّ بِهَذِهِ الأبيات وخلاك ذمٌّ من الْكَامِل (بكر النَّعُّي وَمَا كنى بجميل ... وثوى بِمصْر ثواء غير قفول) (وَلَقَد أجرُّ الْبرد فِي وَادي الْقرى ... نشوان بَين مزارع ونخيل) (قومِي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خَلِيلك دون كلٍّ خَلِيل) قَالَ فَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ فَمَا استتممت الأبيات حَتَّى خرجت بثينة كَأَنَّهَا بدر فِي دجنةٍ وَهِي تتثنى فِي مرْطهَا حَتَّى أَتَتْنِي فَقَالَت وَالله يَا هَذَا إِن كنت كَاذِبًا لقد فضحتني وَإِن كنت صَادِقا لقد قتلتني قلت وَالله مَا أَنا إلاّ صَادِق وأخرجت حلته فَلَمَّا رأتها صَاحب بِأَعْلَى صَوتهَا وصكّت وَجههَا وَاجْتمعَ نسَاء الْحَيّ يبْكين مَعهَا ويندبنه حَتَّى صعِقَتْ فَمَكثت مغشياً عَلَيْهَا سَاعَة ثمَّ قَامَت وَهِي تَقول من الطَّوِيل (وإنّ سلوِّي عَن جميلٍ لساعةٌ ... من الدَّهر مَا حانت وَلَا حَان حينها) (سواءٌ علينا يَا جميل بن معمر ... إِذا متَّ بأساء الْحَيَاة ولينها) ) وَمن شعر جميل رَحمَه الله تَعَالَى من الطَّوِيل (وَإِنِّي لراضٍ مِنْك يَا بثن بِالَّذِي ... لَو أيقنه الواشي لقرَّت بلابله) (بِلَا وَبِأَن لَا أَسْتَطِيع وبالمنى ... وبالوعد حَتَّى يسأم الْوَعْد ماطاله) (وبالنظرة العجلى وبالحول نَلْتَقِي ... أواخره لَا نَلْتَقِي وأوائله) وَمِنْه من الطَّوِيل (إِذا قلت مَا بِي يَا بثينة قاتلي ... من الوجد قَالَت ثابتٌ وَيزِيد) (وَإِن قلت ردّي بعض عَقْلِي أعش بِهِ ... بثينة قَالَت ذَاك مِنْك بعيد) وأخبار جميل وشعره مُسْتَوفى فِي الأغاني وتاريخ ابْن عَسَاكِر ٣ -