page 2738, entry [4422]Open original source
(شعر الزنج) أَبُو الْجَعْد الْمَعْرُوف بِشعر الزنج كَانَ وقاداً بِبَغْدَاد قصَّته طَوِيلَة وَأمره عَجِيب اقْتَضَت بِهِ الْحَال فِي تَصَرُّفَاته إِلَى أَن صَار وقاداً فِي أتون حمام عشق علاماً فَأخذ فِي قَول الشّعْر فِيهِ فجوده وَاشْتَدَّ حبه فِي الْغُلَام وَكَانَ الْغُلَام ظريفاً مغرماً بالتفاح لَا يُفَارِقهُ فِي أَوَانه فجَاء يَوْمًا شعر الزنج فَقعدَ بِإِزَاءِ الْغُلَام وبيد الْغُلَام تفاحة أهديت لَهُ فَجعل يقبلهَا تَارَة ويشمها أُخْرَى ويدنيها من خَدّه تَارَة وَمن فِيهِ تَارَة فَقَالَ شعر الزنج من السَّرِيع (تفاحة أكرمها رَبهَا ... يَا لَيْتَني لَو كنت تفاحة) ) (تقبل الْحبّ وَلَا تَسْتَحي ... من مسكه بالكف نفّاحه) (تجْرِي على خديه جوالة ... نَفسِي إِلَى شمك مرتاحه) فَلَمَّا سمع الْغُلَام ذَلِك رمى بهَا فِي الطَّرِيق فَأَخذهَا شعر الزنج وَاشْتَدَّ كلفه بالغلام وَاشْتَدَّ إِعْرَاض الْغُلَام عَنهُ فَعمد شعر الزنج إِلَى تفاحة حَمْرَاء عَجِيبَة فَكتب عَلَيْهَا بِالذَّهَب من الْبَسِيط (إِنِّي لأعذركم فِي طول صدكم ... من راقب الله أبدى بعض مَا كتما) (لَكِن صدودكم يودي بِمن علقت ... بِهِ الصبابة حَتَّى ترجعوا الكلما) وَرمى بالتفاحة إِلَى الْغُلَام فَقَرَأَ مَا فِيهَا وَقَامَ فَأَبْطَأَ وَعَاد بهَا فَرمى بهَا فِي حجر شعر الزنج فَأَخذهَا وَهُوَ يظنّ أَنه قد رق لَهُ فَإِذا بهَا هُوَ قد كتب بالأسود تَحت كل سطر من الْبَسِيط (نصد عَنْكُم صدودالمبغضين لكم ... فَلَا تردوا إِلَيْنَا بعْدهَا كلما) (وَمَا بِنَا النَّاس لَو أَنا نريدكم ... فاصبر فُؤَادك أَو مت هَكَذَا ألما) فاشتعلت نيران شعر الزنج وتضاعف وجده ثمَّ ظن أَن الْغُلَام يستوضع حرفته بالوقادة فَتَركهَا وَصَارَ ناطوراً يحفظ الْبَسَاتِين بِبَاب الْحَدِيد وَقصد بساتين التفاح الَّتِي لَا يُوجد فِي بَغْدَاد أكبر مِنْهَا تفاحاً فَأتى إِلَى صَاحب لَهُ وَمَعَهُ تفاح كثير وَقَالَ أحب أَن تهدي بعض هَذَا التفاح إِلَى الْغُلَام وتعمدالْمَكْتُوب مِنْهُ فَنظر ذَلِك وَإِذا بِهِ قد كتب على تفاحة حَمْرَاء ببياض من نفس التفاحة لما كَانَت على شجرتها من مجزوء الرجز (جودوا لمن هيمه ... حبكم فهاما) (وَصَارَ ضوء يَوْمه ... من حزنه ظلاما) وَكتب على أُخْرَى من الْمَنْسُوخ (مهجة نفس أتتك مرتاحه ... تَشْكُو هَواهَا بِلَفْظ تفاحة) فأهدى ذَلِك التفاح إِلَيْهِ فَلَمَّا قَرَأَ مَا عَلَيْهِ قَامَ وَقد خجل وَصَارَ شعر الزنج يخْتَار التفاح وَيكْتب عَلَيْهِ الشّعْر ويحتال بصنوف الْحِيَل فِي إيصاله إِلَى الْغُلَام قَالَ الحاكي لهَذِهِ الْحَال فَإِنِّي يَوْمًا لجالسن أَنا والغلام إِذْ اجتاز بِنَا بَائِع فَاكِهَة جلّ مَا مَعَه التفاح فأجلسه الْغُلَام وابتاع مِنْهُ التفاح بِمَا أَرَادَ دون مماكسة وسر الْغُلَام برخص مَا ابتاعه وَجعل يقلب التفاح ويعجب من حسنه فَإِذا هُوَ فِي التفاح بتفاحة صفراء مَكْتُوب فِيهَا) بالأحمر من السَّرِيع (تفاحة تخبر عَن مهجة ... أذابها الهجر وأضناها) (يَا بؤسها مَاذَا بهَا وَيْلَهَا ... أبعدها الْحبّ وأقصاها) فَفطن حِينَئِذٍ وغالطني وَقَالَ مَا ترى مَا يكتبونه النَّاس على التفاح طلبا للمعاش فتغافلت عَنهُ وَإِذا بِشعر الزنج قد دفع ذَلِك التفاح إِلَى البَائِع وَقَالَ لَهُ تلطف فِي أَن يرَاهُ الْغُلَام وبعه إِيَّاه بِمَا قَالَ ثمَّ إِن شعر الزنج أهْدى إِلَيّ يَوْمًا تفاحاً كثيرا أَحْمَر كالشقائق وأبيض كالفضة وأصفر كالذهب مِنْهُ مَا كتب عَلَيْهِ ببياض فِي حمرَة وبحمرة فِي بَيَاض وعَلى إِحْدَاهَا من السَّرِيع (نبت فِي الأغصان مخلوقةً ... من قلب ذِي شوق وأحزان) (صفرني سقم الَّذِي سقمه ... يخبر عَن حَالي وأحزاني) وعَلى أُخْرَى بأحمر من السَّرِيع (تفاحة صيغت كَذَا بِدعَة ... صفراء فِي لون المحبينا) (زينها ذُو كمد مدنف ... بدمعه إِذْ ظلّ مَحْزُونا) (فَامْنُنْ فقد جِئْت لَهُ شافعاً ... وقيت من بلواه أَمينا) وعَلى أُخْرَى من السَّرِيع (كتبت لما سفكت مهجتي ... بِالدَّمِ كي ترحم بلوائي) رفعت هذي قصتي اشْتَكَى الهجر فَوَقع لي بإعفائي قَالَ فرحمته وأدركتني رقة لَهُ فخطفت التفاح جَمِيعه وعملت دَعْوَة ودعوت الْغُلَام وأخواته واجتمعنا على مجْلِس أنس وأحضرت التفاح فِيمَا أحضرته فَرَأَوْا مِنْهُ شَيْئا لم يرَوا مثله ثمَّ تَعَمّدت وضع التفاح الْمَكْتُوب بَين يَدي الْغُلَام فتعجب مِنْهُ وَقَرَأَ مَا عَلَيْهِ وَقَالَ لي خُفْيَة ترى من كتب هَذَاالتفاح قلت الَّذِي كتب على ذَلِك التفاح الَّذِي ابتعته ذَلِك الْيَوْم فَقَالَ وَمن كتبه قلت شعر الزنج فَخَجِلَ واستهدانيه فَقلت لَا تستهده فَإِنَّهُ لَك عمل وَمن أَجلك حضر ثمَّ أخذت فِي رياضته على الْحُضُور مَعَ شعر الزنج للْحَدِيث والفكاهة فَوَجَدته شَدِيد النفور عَنهُ والبغض لَهُ فتركته وَعدلت إِلَى أَبِيه وَقلت لَهُ هَل أَنا عنْدك بمتهم فِي ولدك فَقَالَ حاش لله وَلَا) فِي أَهلِي فحكيت لَهُ خبر شعر الزنج مَعَ وَلَده من أَوله إِلَى آخِره وَقلت لَهُ إِن هَذَا الْأَمر إِن تَمَادى ظهر حَاله واشتهر ولدك وَصَارَ أحدوثة للخاص وَالْعَام وَأَنا أرى أَن اجتماعه بِهِ فِي منزلي بِمحضر من أَهله سواك مِمَّا يكف لِسَانه وَيسْتر أمره فَقَالَ افْعَل مَا ترَاهُ مصلحَة فَأَنت مِمَّن لَا يتهم قَالَ فَعرفت شعر الزنج مَا جرى وَقلت لَهُ إِذا كَانَ لَيْلَة كَذَا فَاحْضُرْ وادخل بِغَيْر اسْتِئْذَان كأنّا لم نشعر بك واجلس إِلَى أَن نومئ إِلَيْك بِالْقيامِ ثمَّ دَعَوْت الْغُلَام وأخواته فِي اللَّيْلَة المحدودة واجتمعنا فِي مجْلِس إنس وَشرب الْغُلَام وأخواته فَلم نشعر إِلَّا وَشعر الزنج دَاخل علينا فَلَمَّا رَآهُ الْغُلَام خجل واستوحش وهم بِالْخرُوجِ فمنعناه وَكَانَ بحضرتنا تفاح كثير أَحْمَر والفتى يكثر شمه والعبث بِهِ والتنقل مِنْهُ فِي أثْنَاء شربه فَجعل شعر الزنج يتَأَمَّل الْغُلَام ثمَّ قَالَ من السَّرِيع (يَا قمراً فِي سعد أبراجه ... وَبَيت أحزاني وأتراحي) (وَيَا قضيتاً مائلاً مائلاً ... أَكثر فِي حبي لَهُ اللاحي) (أبصرته مجْلِس سَاعَة ... وَاللَّيْل فِي حلَّة إمساح) (فِي فتية كلهم سيد ... صالت عَلَيْهِم سطوة الراح) (يعَض تفاحاً بتفاحة ... وَيشْرب الراح على الراح) فَخَجِلَ الْغُلَام واحمر فَقَالَ شعر الزنج عدَّة مقاطيع والغلام يزْدَاد خجلاً وتوريداً فَقُلْنَا لشعر الزنج يَكْفِيك قد أخجلت الْفَتى فأومأنا إِلَيْهِ بِالْقيامِ على الوفق الَّذِي كَانَ بَيْننَا فَوَثَبَ قَائِما يبكي وينشد أشعاراً وَانْصَرف وَقد انهار اللَّيْل فَلم نزل فِي ذكره بَقِيَّة ليلتنا إِلَى أَن أَصْبَحْنَا وتفرقنا