page 3104, entry [5236]Open original source
٤٢٤٨ - [محمد بن سعيد كبّن] (٢) القاضي جمال الدين محمد بن سعيد بن علي بن محمد كبّن-بفتح الكاف، وكسر الموحدة المشددة، ثم نون ساكنة-الطبري الإمام العالم العلامة، القاضي الفقيه، المحدث الأصولي، المتكلم، الجامع لأشتات العلوم. ولد ليلة الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة ست وسبعين وسبع مائة بالموحدة فيهما، وكان في ابتداء أمره يعاني التجارة، فعزم من عدن إلى الهند، ودخل به المركب إلى الشحر، واجتمع بالشيخ فضل نفع الله به، فقال له ما معناه: ارجع يا قاضي عدن، فوقع ذلك منه موقعا، فاشتغل بالطلب، فقرأ في الشحر على الفقيه عبد الله بن علي أبي حاتم«التنبيه» جميعه، ومن أول «المهذب» إلى المساقاة، ثم رجع إلى عدن، ولازم القاضي رضي الدين الحبيشي، وتفقه به، وقرأ عليه كثيرا من الكتب الفقهية والحديثية وغيرها، ثم ارتحل إلى زبيد، فأخذ عن علمائها كالقاضي مجد الدين الشيرازي، والشيخ أحمد الرداد وغيرهما، واجتمع بشمس الدين الجزري، واستجاز منه، واستجاز من خلق عظيم بالمكاتبة وغيرها. وعنه أخذ القاضي أبو شكيل، وعليه تفقه، وبه انتفع، وأخذ عنه أيضا الفقيه ابن عطيف، والمقرئ يوسف وغيرهم. وأخذ عن محمد بن علي العقيلي النويري، وخالد بن الشيبي وغيرهما، وبالمدينة عن ابن المراغي، وأظنه اجتمع بسراج الدين بن النحوي فاستجاز منه، واستجاز من عدة شيوخ بالمكاتبة من دمشق ومصر والقاهرة، وأخذ عن الشيخ الأبناسي، والشيخ شهاب الدين أحمد بن عمر الأنصاري السهروردي النائب، وأخذ عن الشيخ أصيل الدين عبد الرحمن الدهعلي، وعن الشيخ نور الدين علي بن محمد الحنفي الطحنشهاوي وغيرهم. وولي قضاء عدن، وباشره بعفة وصيانة وديانة، وحسن سيرة، ومهابة، ونفوذ كلمة. وحدثني من لا أتهمه عن الشيخ خليل المؤذن صاحب القاضي المذكور قال: استفسح القاضي ابن كبن من الأشرف أو ابنه الناصر-الشك مني-في الحج، ونيّب في القضاء شخصا عينه، وذكر للسلطان أنه أصلح منه للقضاء، فأذن له في ذلك، فحج وزار ثم رجع إلى عدن وقد استقل نائبه بالقضاء من جهة السلطان، فراجع في رجوع ذلك إليه، فكتب إليه السلطان: لا يمكن عزل من قد شهدت له بأنه أصلح منك بك، فتعب من ذلك، فلم يكن غير أيام يسيرة حتى وصله منشور الولاية وفيه: أن توليته كانت بالإشارة النبوية، فيقال: إن السلطان رأى النبي ﷺ في المنام يأمره بتوليته. انتهى وعزل مرة أو مرتين بالقاضي تقي الدين عمر بن محمد اليافعي. وكان راتبه كل ليلة ألف مرة من الصلاة على النبي ﷺ كما أخبرني بذلك بعض من أدركه، وسبب ذلك ما وجدته بخطه قال: (حصلت عليّ شدة من مكيدة، الله يعلم بأنها مكذوبة، فضقت في بعض أيامها بعد صلاة الظهر، فأردت إنشاء قصيدة، فبدأت بهذه الأبيات: [من الكامل] ما لي سوى جاه النبي محمد ... جاه به أحمى وأبلغ مقصديفلكم به زال العنا عني وقد ... أعدمت في ظن العدو المعتدي ولكم به نلت المنى من كل ما ... أبغيه من قبل العلا والسؤدد يا عين كفي الدمع لا تذرينه ... من ذا الأوان واحبسي ثم اجمدي يا نفس لا تعيي أسا وتأسّفا ... فلنعم وصف الصابر المتجلد يا قلب لا تيأس وكن قلب امرئ ... أمسى يرجي غارة من أحمد فعسى يوافيك اليسار معسيا ... ولعل تأتيك الإغارة في غد قال: فلما وصلت إلى البيت الأخير منها .. ألقي علي نوم غالب، فرأيت النبي ﷺ دخل بيتي، فقبلت قدمه اليمنى، فرفع رأسي من تحت ذقني بيده اليمنى المكرمة، فرفعت رأسي، وأطرقت، ثم قال لي وهو قائم: قد جئناك مغيرين، والزم الصلاة علي في كل ليلة ألف مرة، فانتبهت ولم أجد لذلك الضيق أثرا، فسكن حالي، وبعد ثلاثة أيام زالت تلك الشدة وآثار تلك المكذبة، ولم أدر بأي شيء كان سبب زوالها، وذلك في آخر الدولة المنصورية) انتهى ما وجدته. وكان فيه حدة مزاج، وحرارة مفرطة، ويعرف لغات شتى، تحاكم إليه مرة شخصان، وأحدهما يدعي أن الآخر رقيقه، والمدعى عليه يزعم أنه حر الأصل، وهو أعجمي اللسان، ومعه جماعة شهود يزعمون أنهم يعرفونه من بلده ويعرفون أبويه مؤمنين على الإسلام، فرطن القاضي ساعة مع العبد (١)، ثم قال لسيده: خذ بيد عبدك، وزجر الشهود وتهددهم، فسأله بعض الحاضرين عن ذلك فقال: إني سألت العبد عن أصله، وكيف سبب خروجه من بلده، ووقوعه تحت يد هذا، فزعم أنه كان بالحبشة على دين الكفر، فسرقه الكفار وباعوه على شخص، فباعه ذلك الشخص على المدعي. ومن تصانيفه: «المفتاح» نكت على «الحاوي» وشرح «الجعبرية» في الفرائض سماه: «رقم الجمال في شرح منظومة اللآل» و «الدر النظيم في الكلام على بسم الله الرحمن الرحيم» وله أيضا غير ذلك من الفوائد. ولما ارتفع الطاعون الواقع في زمنه بعدن .. عقبه وباء عظيم، فأمر الناس بالتوبة وفعل الخير، وحثهم على التضرع والابتهال إلى الله تعالى في رفع ذلك، واستسقى بهم في رفعه، وصنف في ذلك كتابا سماه: «وصف الطلب في كشف الكرب» وله منسك لطيفجامع، وله شعر حسن وقصائد في مدح النبي ﷺ. وبالجملة: فتصانيفه قليلة بالنسبة إلى ما عنده من العلم، وإنما بسطت الكلام فيه؛ لأني لم أقف له على ترجمة فيما وقفت عليه من الطبقات والتواريخ، وهو جدير بالترجمة المعظمة. وتوفي يوم الأحد سابع أو ثامن شهر رمضان من سنة اثنتين وأربعين وثمان مائة، ودفن في تربة الشيخ جوهر. وكان ﵀ يعتقد ابن عربي ويلقبه بمحيي الدين، وما أظن ذلك منه إلا تقليدا لمشايخه كالقاضي مجد الدين الشيرازي، وشهاب الدين أحمد الرداد، من غير وقوف منه على ما نسب إليه.