page 1958, entry [3134]Open original source
٢٤٥٦ - [العمراني صاحب «البيان»] (٣) يحيى بن أبي الخير العمراني الفقيه الإمام، مفيد الطالبين، وقدوة الأنام، سارتبفضائله الركبان، أبو زكريا صاحب «البيان» من بني عمران (١)، المنتسبين إلى معد بن عدنان. ولد في سنة تسع وثمانين وأربع مائة، وهو أكثر من انتشر العلم عنه من أهل الطبقة. تفقه في بدايته بخاله أبي الفتوح، أخذ عنه «التنبيه» و «كافي الصّردفي» في الفرائض، ثم قرأ «التنبيه» ثانيا على موسى الصعبي، ثم قدم إليهم الفقيه عبد الله بن أحمد الزبراني باستدعاء من بعض مشايخ قومه بني عمران، فأخذ عنه «المهذب» و «اللمع» غيبا و «المخلص» و «الإرشاد» لابن عبدويه، وأعاد عليه «كافي الصردفي»، ثم ترافق هو والشيخ عمر بن علقمة إلى إحاظة، فقرأ عليه «المهذب» و «تعليقة الشيخ أبي إسحاق» في الأصول، و «الملخص» ثم «غريب أبي عبيد» وغير ذلك من مسائل الدور والخلاف، ثم لما عادا السفال .. درسا ما قرآه، ثم أخذ عنه «كافي الصفار» و «الجمل» في النحو، وقرأ الدور مرة ثانية على عمر بن بيش اللحجي، ويقال: الأبيني. قال الجندي: (وجدت تعليقة بخط الفقيه أبي الخطاب عمر بن محمد بن مضمون، فيها أن الإمام يحيى بن أبي الخير تعلم القرآن وأكمل حفظه غيبا، وقرأ «المهذب» و «التنبيه» و «الفرائض» ولم يبلغ من العمر غير ثلاث عشرة سنة من مولده، ثم لما قدم اليفاعي من مكة إلى الجند وقد صار هذا الشيخ يدرّس .. وصل الجند بجمع من درسته، فأخذ عنه «المهذب» ثالثة، ثم «النكت»، ثم طلع قرية سهفنة بعد موت اليفاعي، فأخذ بها عن القاضي مسلم بن أبي بكر كتاب «الحروف السبعة» في علم الكلام تأليف المراغي، ثم انتقل إلى ذي أشرق، فأخذ عن الفقيه سالم الأصغر «جامع الترمذي» وتزوج في سنة سبع عشرة وخمس مائة أم ولده طاهر، وكان تسرّى قبلها بحبشية، وفيها ابتدأ مطالعة الشروح، وجمع منها ما يزيد على «المهذب» كتابا سماه: «الزوائد» فرغ منه في سنة عشرين وخمس مائة. ثم حج وزار، واجتمع في مكة بالفقيه الواعظ المعروف بالعثماني، فجرت بينهما مناظرات في شيء من الفقه والأصولين، وكان العثماني على مذهب الأشعري في المعتقد، فناظر الشيخ مرارا، فكان الشيخ يقطعه ويقيم عليه الحجة بقوله: إن المسموع المفهوم ليس بكلام الله، بل عبارة، فيحتج عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ويقول: لفظة «هذا» لا تكون إلا إشارة إلى موجود عند كافة أهل اللغة، ولا يوجد إلا المسموع المفهوم. وقد حكي أنهما كانا يتناظران في المطاف، فمن شدة إفحام الشيخ للعثماني يمسح جبينه من شدة العرق. ثم رجع إلى اليمن، وألف «البيان»، وأورد فيه عدة مسائل عن العثماني تدل على علم العثماني وفضله وعدالته وجواز الأخذ عنه) اهـ (١) قال الشيخ اليافعي: (قلت: وهذا الذي ذكره-يعني ابن سمرة-من نقله عن العثماني صحيح، وما ذكره من جواز الأخذ به غير صحيح؛ فإن للعثماني في المذهب وجوها ضعيفة، جماهير أصحابنا على خلافها، ومن ذلك ما نقل عنه أن المكي وغيره ممن ينشئ إحرام الحج من مكة إذا طاف عند خروجه إلى عرفة، وسعى بعده .. يجزيه عن السعي المفروض عليه في الحج، وهذا غير مسلم ولا موافق عليه؛ فإنه لا بد أن يقع السعي بعد طواف الإفاضة أو طواف القدوم، ولا يصح بعد طواف لا يتعلق بمناسك الحج، هذا هو المذهب الصحيح) اهـ (٢) كان حنبلي العقيدة؛ أي: يقول بالصوت والحرف والجهة كما هو مذهب الحشوية، وكان عليه عقيدة غالب أهل اليمن، حتى أن بعضهم سئل: من أين جاء أهل اليمن هذا الاعتقاد؟ فقال: غرهم صاحب «البيان»، كذا نقله اليافعي عن الشيخ عبد الله الساكن بذي السفال (٣)، ولا شك أن أهل اليمن كانوا يعتقدون ذلك من قبل ظهور صاحب «البيان»، وقد رجع اليوم غالبهم أو كلهم عن هذا الاعتقاد، وصاروا كلهم أشعرية بحمد الله تعالى. وبلغني أنه كان رجوع غالبهم إلى الأشعرية على الشيخ الصالح سالم الأبيني نفع الله به. قال الشيخ اليافعي: (وقد بلغني أن الإمام القاضي طاهر بن الإمام يحيى بن أبي الخير المذكور لما شرح الله صدره للنور .. أنكر على والده مذهبه، وعنفه وهو في مكة بالمكاتبة) اهـ (٤) وفي «الجندي»: (أن فقهاء تهامة طلعوا إلى الشيخ يحيى هاربين من ابن مهدي،فأنسوا، وأقاموا عنده أياما طويلة ميلا إلى الجنسية، وكونه يومئذ رأس الفقهاء، فحصل بين فقهاء ذي أشرق وفقهاء تهامة منافرة سببها المذاكرة في المعتقد، ومناظرات أدت إلى تكفير بعضهم البعض، والمنافرة بينهم، وكان الشيخ ﵀ لا يعجبه ذلك، ولا يكاد يخوض بعلم الكلام، ولا يرضى لأحد من أصحابه ذلك، وظهر من طاهر ولده الميل والتظاهر بخلاف المعتقد الذي عليه والده وغالب فقهاء العصر من أهل الجند خاصة، فشق ذلك على الشيخ، وهجر ولده هجرا شاقا، وكان ذلك سنة أربع وخمسين وخمس مائة، ثم إن طاهرا لم يطق على هجر أبيه ولا هجر الفقهاء بذي أشرق، وكان سبب ذلك ما تحققوه فيه، وعلم أن لا زوال لذلك إلا إظهار التوبة والتبري مما كان أظهره، فلم يزل يتلطف على والده بذلك بإرسال من يقبل الشيخ منه، فقال للرسول: لا أقبل منه حتى يطلع المنبر بمحضر الفقهاء، ويعرض عليهم عقيدته، ويتبرأ مما سواها، فأجاب إلى ذلك، وحضر في يوم الجمعة الجامع، وصعد المنبر، وكان فصيحا مصقعا، فخطب، وذكر عقيدته التي الفقهاء متفقون عليها، وتبرأ مما سواها، فحين فرغ من ذلك .. التفت الشيخ إلى الفقهاء وهم حوله وقال: هل أنكر الإخوان من كلامه شيئا؟ قالوا: لا، وفي عقيب ذلك صنف كتاب «الانتصار»، وسبب تصنيفه ما حدث بين الفقهاء، ثم ظهور القاضي جعفر المعتزلي، ووصوله إبّ، واجتماعه بسيف السنة وقطعه له، وكان يود نزول اليمن، فقيل له: إن نزلت .. لقيت البحر الذي تغرق فيه: يحيى بن أبي الخير، فعاد القهقرى، وطلع إلى حصن شواحط، فأمر الشيخ يحيى إليه تلميذه الفقيه علي بن عبد الله الهرمي، فلحقه فيه، فناظره، وقطعه في عدة مسائل) اهـ (١) توفي الشيخ يحيى بن أبي الخير في سنة ثمان وخمسين وخمس مائة.