page 1516, entry [2319]Open original source
١٨٠٢ - [الحاكم بأمر الله العبيدي] (١) الحاكم بأمر الله أبو علي منصور بن العزيز نزار بن المعز معد العبيدي، صاحب مصر والشام والحجاز والمغرب. كان شيطانا مهيبا، خبيث النفس، متلون الاعتقاد، سفاكا للدماء، قتل عددا كثيرا من كبراء دولته صبرا، وأمر بشتم الصحابة، وكتبه على أبواب المساجد، وأمر بقتل الكلاب حتى لم يبق بمملكته منها إلا قليل، وأبطل الفقاع والملوخية والسمك الذي لا فلوس له، وأتى من باع ذلك سرا فقتلهم، ونهى عن بيع الرطب، ثم جمع منه شيئا عظيما فأحرقه، وأباد الكروم، وشدد في الخمور، وألزم أهل الذمة حمل الصلبان في أعناقهم، وأمرهم بلبس العمائم السود، وهدم الكنائس، ونهى عن تقبيل من له ديانة وأمر بالسلام فقط، وبعث إليه عامله على المغرب ينكر عليه، فأخذ في استمالته، وأمر الفقهاء ببث مذهب مالك، ونفى المنجمين من بلده، وحرم على النساء الخروج، فما زلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر حتى قتل، وتزهد وتأله على مقتضى مذهبه، ولبس الصوف، وبقي يركب الحمار، ويمر وحده في الأسواق، ويقيم الحسبة بنفسه. ويقال: إنه أراد أن يدعي الإلهية كفرعون، وشرع في ذلك، فخوفه خواصه من زوال دولته، فانتهى. وذكر الفاسي في «تاريخه» أنه كتب إلى عامله بالحجاز الشريف أبي الفتوح، وألزمه أنيتقدم إلى المقبرة الشريفة، ويخرج الجثة الشريفة، وينقلها إلى مصر؛ ليصرف زيارة الناس إليها، فلم يجد بدا من امتثال أمره، فعزم إلى المدينة لهذا الغرض الكاسد، واجتمع أهل المدينة بالمسجد الشريف يبكون ويتضرعون، وأبو الفتوح يعتذر بأنه لا يقدر على مخالفة الحاكم في ذلك، فاتفق أن قرأ قارئ حسن الصوت ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي﴾ ﴿دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ* أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً﴾ ﴿نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ الآية، فحصل على الجماعة خشوع عظيم، وبكى أبو الفتوح ومن حضر، وقال أبو الفتوح: والله لأقاتلنهم على ذلك، ثم اتفق أن هبت ريح شديدة عاصفة تقلب الجمل بحمله، فقال أبو الفتوح: حصل الفرج، وأمر بكتب محضر وأنه قد هم بفعل ما أمره به الحاكم، فحصل عليهم ريح شديدة كادت تهلكهم، فلم يتمكنوا من ذلك، وأخذ عليه خطوط جماعة من أعيان أهل المدينة، وأرسل به إلى الحاكم. وبالجملة: فكان المسلمون وأهل الذمة في كرب وبلاء شديد معه، حتى إنه أوحش أخته ستّ الملك بمراسلات قبيحة وأنها تزني، فطلبت ابن دوّاس القائد وكان خائفا من الحاكم، فاتفقت معه على قتل الحاكم، وأعدمت جثته، ولم يجدوا إلا جبة الصوف قد صبغت بالدماء وقطعت بالسكاكين، وذلك في شوال سنة إحدى عشرة وأربع مائة، وأقامت أخته بعده ولده الطاهر علي بن منصور، وقتلت ابن دوّاس وسائر من اطلع على سرها، وكان عمره يوم فقد (١) ستا وثلاثين سنة.