page 602, entry [796]Open original source
٦٠٥ - [خالد القسري] (٢) خالد بن عبد الله القسري، ولي إمرة مكة، ثم العراق مدة، وكان من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، يقال: إنه في بعض الجمع مدح الحجاج بن يوسف وأطنب في وصفه ومدحه، فوصله في الجمعة الأخرى كتاب من سليمان بن عبد الملك بأن يذم الحجاج، فصعد المنبر وقال: إن إبليس كان يظهر من طاعة الله ما ظنت الملائكة به أنه أفضلهم عند الله ولم يطلعوا على ما انطوى عليه من خبث السريرة، فلما أطلعهم على حقيقة حاله .. لعنوه، وكذلك الحجاج، كان يظهر لنا من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له الفضل علينا به، ولما ظهر لأمير المؤمنين ما انطوى عليه من قبح السيرة وسوء السريرة .. أمرنا بذمه، فالعنوه لعنة وذموه ذما شنيعا بليغا.وكان خالد جوادا أيضا، يحكى: أنه دخل عليه شاعر يوم جلوسه للشعراء، وكان قد مدحه ببيتين، فلما رأى اتساع الشعراء في قولهم .. استصغر قوله فسكت حتى انصرفوا، فقال خالد: ما حاجتك؟ قال: مدحت الأمير ببيتين، فلما سمعت قول الشعراء .. احتقرت بيتي، قال: وما هما؟ فأنشده: [من الطويل] تبرعت لي بالجود حتى نعشتني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعب فأنت الندى وابن الندى وأبو الن ... دى حليف الندى ما للندى عنك مذهب فقال له: حاجتك؟ قال: عليّ دين، فأمر له بقضائه، وأعطاه مثله. وذكر الطبري في «تاريخه»: (أن هشام بن عبد الملك كتب إلى خالد: بلغني أن رجلا قام إليك فقال: إن الله جواد وأنت جواد، وإن الله كريم وأنت كريم إلى أن عد عشر خصال، فو الله؛ لئن لم تخرج من هذا .. لأستحلن دمك، فكتب إليه خالد: نعم يا أمير المؤمنين؛ قام إلي فلان وقال: إن الله كريم يحب الكريم، فأنا أحبك بحب الله إياك، ولكن أشد من هذا قيام ابن شقي الحميري إلى أمير المؤمنين فقال: خليفتك أحب إليك أم رسولك؟ فقال: بل خليفتي، قال: أنت خليفة الله ومحمد رسول الله، والله؛ لقتل رجل من بجيلة أهون على العامة والخاصة من كفر أمير المؤمنين) (١). ثم إن هشاما عزل خالدا عن العراقين، وولى يوسف بن عمر ابن ابن عم الحجاج بن يوسف مكانه، وأمر بمحاسبة خالد وعماله، فحبس خالدا وعذبه بالحيرة منزل النعمان بن المنذر أحد ملوك العرب على فرسخ من الكوفة، يقال: إنه وضع قدميه بين خشبتين وعصرهما حتى انقصفتا، ثم إلى وركيه، ثم إلى صلبه، فلما انقصف صلبه .. مات، وهو مع ذلك لا يتأوه ولا ينطق، وكان يوسف بن عمر الثقفي قد جعل على خالد كل يوم حمل قدر معلوم من الدراهم، إن لم يقم به ذلك اليوم .. عذبه، وكان قد حصل من قسط يوم من الأيام سبعين ألف درهم، فدخل عليه أبو الأشعث العبسي إلى السجن وأنشده: [من الطويل] ألا إن خير الناس حيا وميتا ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل لعمري لقد عمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل لقد كان نهّاضا بكل ملمة ... ومعطي اللها غمرا كثير النوافل وقد كان يبني المكرمات لقومه ... ويعطي اللها في كل حق وباطلويعني باللها: العطية، يقال: فلان يعطي اللها إذا كان جوادا يعطي الشيء الكثير، فدفع إليه السبعين ألف درهم التي كان أعدها لافتداء عذاب ذلك اليوم، وقال: اعذرني فقد ترى ما أنا فيه، فقال له: لم أمدحك لمال وأنت في هذه الحالة، ولكن لمعروفك وإفضالك السابق، فأنفذها إليه ثانيا وأقسم عليه ليأخذنها، فأخذها، وبلغ ذلك يوسف بن عمر، فدعاه وقال: ما جرأك على فعلك، ألم تخش العذاب؟ قال: لأن أموت عذابا أسهل عليّ من كفّي شيئا على من مدحني. ومات خالد تحت العذاب في سنة ست وعشرين ومائة. ويقال: إن خالدا كان من ولد شقّ الكاهن، وإن شقا ابن خالة سطيح الكاهن، وإن سطيحا وشقا ولدا في يوم واحد، وهو اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة الحميرية زوجة عمرو مزيقيا بن عامر ماء السماء، وإنهما لما ولدا دعت لكل واحد منهما، وتفلت في فمه، وزعمت أنه سيخلفها في كهانتها، ثم ماتت لساعتها، وعاش كل واحد من سطيح وشقّ ست مائة سنة، وهما اللذان بشرا بالنبي ﷺ في قصة رؤيا التّبّعي كما هو مشهور في السيرة. يقال: إن سطيحا كان جسدا ملقى لا جوارح له، وكان وجهه في صدره، ولم يكن له رأس ولا عنق، وكان لا يقدر على الجلوس، فإذا غضب انتفخ فجلس، وكان يطوى مثل الأديم، وينقل من مكان إلى مكان إذا أراد الانتقال، وإن شقا كان نصف إنسان، وكانت له يد واحدة، وفتح عليهما في الكهانة ما هو مشهور عنهما.