page 595, entry [785]Open original source
٥٩٤ - [هشام بن عبد الملك] (١) هشام بن عبد الملك بن مروان القرشي الأموي الخليفة أبو الوليد. أتته الخلافة على البريد وهو مقيم بالرّصافة، فركب منها إلى دمشق لليال بقين من شعبان في سنة خمس ومائة. وتوفي في الرّصافة المعروفة بقنسرين لست خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة بالذبحة وعمره خمس-أو أربع-وخمسون سنة، ومدة ولايته عشرون سنة إلا خمسة أشهر. وكان ذا رأي وحزم وحلم وجمع للمال، حج في سنة فلقيه سعيد بن عبد الله بن الوليد بن عثمان، وراوده على إعادة لعن علي ﵁ على المنبر، فلم يوافقه هشام على ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز قد رفع ذلك وجعل عوضه ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى.﴾ خرج مرة يتصيد، فطردت الكلاب ظبيا، وتبعها هشام وحده فوجد صغيرا يرعى الغنم، فصاح به: يا صبي؛ دونك الظبي لا يفوتك، فخاطبه الصبي بكلام قبيح، ونسبه إلى سوء الأدب لبداءته بالكلام قبل السلام، فقال له: أنا هشام بن عبد الملك، قال الصبي: لا قرب الله دارك ولا حيا مزارك، فما استتم الصبي كلامه حتى أحدقت به الخيول والعساكر، فأمرهم باحتفاظ الغلام، فلما وصل إلى سرير ملكه، وأحدقت به الأمراء والوزراء، والصبي ساكت .. فقال له بعض الوزراء: يا كلب العرب؛ ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين، فقال الصبي: يا برذعة الحمار؛ منعني طول الطريق وبهر الدرجة (٢)،فقال له بعض الحاضرين: يا جحش العرب؛ بلغ من فضولك أن خاطبت أمير المؤمنين كلمة بكلمة، فقال: رمتك الجندل ولأمك الهبل، أما سمعت قول الله ﷿ في كتابه المنزل على نبيه المرسل: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ فإذا كان الله تعالى يجادل جدالا فمن هشام حتى لا يخاطب خطابا؟ ! فأمر هشام بضرب عنقه، فضحك الصبي، فقال له هشام: أنت في الممات وأنت تضحك، أتهزأ بنا أم بنفسك؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ اسمع مني كلمتين وافعل ما بدا لك، قال: قل فو الله؛ إن هذا أول أوقاتك من الآخرة، وآخر أوقاتك من الدنيا، فقال: الصبي فو الله؛ إن كان في المدة تقصير وفي الأجل تأخير .. لا يضرني من كلامك هذا لا قليل ولا كثير، ولكن يا أمير المؤمنين؛ أبيات من الشعر حضرتني فاسمعها مني، قال: قل، فقال الصبي: [من الكامل] نبئت أن الباز صادف مرة ... عصفور بر ساقه المقدور فتكلم العصفور في أظفاره ... والباز منهمك عليه يطير ما فيّ ما يغني لمثلك شبعة ... ولئن أكلت فإنني لحقير فتعجب الباز المدل بنفسه ... عجبا وأفلت ذلك العصفور فضحك هشام وقال: والله؛ لو تلفظ بهذا الكلام في أول أوقاته وطلب ما دون الخلافة .. لأعطيته، يا فلان؛ احش فاه درا وجوهرا، وأعطاه الجائزة والكسوة، وسرحه إلى أهله مسرورا. ولما قارب هشام الوفاة .. أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقما يسخن فيه الماء لغسله، فما وجدوا حتى استعاروا من الجيران، فقال الحاضرون: إن في هذا لمعتبرا لمعتبر. وقيل: إنه أغمي عليه، ثم أفاق إفاقة التمس فيها من الخزان شيئا، فحيل دونه، فقال: أرانا كنا خزانا للوليد، ثم قضى فكفنه غالب مولاه.