page 382, entry [321]Open original source
(٢٩٢ - علىّ بن أحمد بن الحسين الأسفونىّ (¬**)) علىّ بن أحمد بن الحسين، المنعوت علاء الدّين الأسفونىّ، كان من الأذكياء الأدباء الشّعراء، خفيف الرّوح، حسن الأخلاق، كريما جوادا. اشتغل بالفقه على الشّيخ بهاء (¬٥) الدّين القفطىّ، وتأدّب على ابن الغضنفر (¬٦) الأسفونىّ، والجلال (¬٧) ابن شوّاق الأسنائىّ وغيرهما، وله يد فى الحساب. صحبته دهرا طويلا، فرأيت منه كرما جزيلا، وفعلا جميلا، لطيف حتّى كأنّه خلق من النّسيم، يهوى الجمال المطلق، فيأخذ بمجامع قلبه كلّ وجه وسيم، لا يرى إلّا وهو ذو ارتياح، يميل طربا ويميد، كما يفعل الغصن الرّطيب عند هبوب الرّياح،وهو فى الآداب فارس ميدانها، وفى القصائد أخو حسّانها، أقام عندنا بأدفو سنين كثيرة، لمّا كان أبوه شاهد ديوانها، وكان الاجتماع به يذهب الأتراح، ويجلب الأفراح، وكانت فيه فتوّة، ومروءة وإنسانيّة، وألجأته المكارم إلى الدّخول فى الخدم السّلطانيّة، فما غيّرته عن حاله، ولا أحالته عن جميل خلاله، ولا انحرفت به إلى الحيف، ولا أطمعته فى مطلوبها ولو أنّ الوقت سيف. أنشدنى من شعره، وذكر لى نبذا من نثره، فممّا أنشدنى رحمه الله تعالى لنفسه (¬١): يا هاجرين أما كفى هجران … ذلّ الهوى فى الحالتين هوان / نمتم قريرين الجفون من الكرى … والطّرف ساه بعدكم سهران ما أنعمت نعم عليه بنظرة … يوما ولا رقّت له نعمان بالله يا حادى إذا جئت الحمى … عرّس (¬٢) فثمّ تعرّس الأظعان واستقبل الوادى بكلّ لطيفة … فعسى تميل لنحوك الغزلان وقل المتيّم جاءكم مستغفرا … ومن الأحبّة يعرف الغفران فإذا تصالحت القلوب على الوفا (¬٣) … فخذ الفؤاد فإنّه سكران ولمّا بلغه شعر الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ، الذى أوّله: ما فى المناهل منهل مستعذب … إلّا ولى فيه الألذّ الأطيب أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها … طربا وفى العلياء باز أشهبفنظم صاحبنا علاء الدّين، وأنشدنيه لنفسه، قوله (¬١): ما فى الموارد مورد يستنكد … إلّا ولى فيه الأمرّ الأنكد أنا قنبر الأحزان أملأ طلحها … حزنا وفى السفلى غراب أسود وأنشدنى له صاحبنا بدر الدّين محمد (¬٢) بن علىّ بن عبد الوهّاب الأدفوىّ، وكان من خواصّ أصحابه وجلّة أحبابه، ممّا ذكر أنّه أنشده له قوله (¬٣): دعاها فداعى الهوى قد دعاها … وكفّا الملام ولا تعذلاها فقد شاقها منزل بالحمى … وقد ساقها للمغانى هواها [فإن سكرت من خمار الهوى … فزدها فإنّ دواها دواها] أرحها فسائقها وجدها … ومل باللّوى (¬٤) فالمصلّى (¬٥) مداهاوما راقها نزهة بالنّقا (¬١) … ولا شاهدت فى سواها سواها تهيم إذا ذكرت طيبة … وتطرب إن فاح منها شذاها ففى طيبة كلّ ما تشتهى … من العفو والأمن من آل طه بها أحمد المصطفى نازل … فيا ليت كحل جفونى ثراها ولمّا ولّى «السّفطىّ (¬٢)» قوص، فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وكان بصره ضعيفا جدّا، حتّى قيل إنّه لا يبصر به، وكان فخر الدّين محمد ناظر الجيش، قد قام فى ولايته وجماعته، فنظم علاء (¬٣) الدّين [يقول (¬٤)]: قالوا تولّى الصّعيد أعمى … فقلت لا بل بألف عين / واشترى له أبوه كساء يتغطّى به، فطلبه منه شخص فأعطاه [له]، فاشترى له أبوه كساء آخر فأخذه، فقال أبوه: لا تقول (¬٥) إلّا [إذا] جاءتك من تحبّها كيف تعمل؟ فقال أتغطّى معها بردائها، فقال: إذا لم يكن معها رداء؟ فقال: أقول لها: روحى إلى الصّيف … ولمّا طلع داود (¬٦) الذى يدّعى أنّه ابن سليمان ومن نسل العاضد، إلى الصّعيد، فى سنة سبع وتسعين وستّمائة، وتحرّكت الشّيعة (¬٧)، وبلغ علاء الدّين أنّه قال لبعض أهل أسفون إنّه يتحمّل عنه الصّلاة، نظم علاء الدّين هذه الأبيات، وأنشدنيها لنفسه: ارجع سنلقى بعدها أهوالا … لا عشت تبلغ عندنا آمالايا من تجمّع فيه كلّ نقيصة … فلأضربنّ بسيرك الأمثالا وزعمت (¬١) أنّك للتكلّف حامل … وكذا الحمار يحمّل الأثقالا وكان ﵀ واسع الصّدر، كثير الاحتمال، متواضع النّفس، جلس شاهدا بالورّاقين بقوص ثمّ بالقاهرة، وباشر شاهدا بنقّادة وقف خدّام الضّريح النّبوىّ، عليه أفضل الصّلاة والسّلام، إلى أن توفّى بها فى شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة.