page 227, entry [156]Open original source
(١٣٩ - الحسن بن منصور الأسنائىّ (¬*)) الحسن بن منصور بن محمد بن المبارك، الجلال المعروف بابن شوّاق الأسنائىّ، رأيته وصحبته مدّة، وكان رئيس الذّات، حسن الأخلاق والصّفات، كريما فى نهاية الكرم، جوادا يخجل جوده الدّيم، حليما له فى الحلم علم، أوضح للسّارين من علم، شاعرا أديبا، فاضلا لبيبا، ينتمى إليه أهل الأدب، وتنسل إليه/ الفضلاء من كلّ حدب، واسع الصدر رحب الذّراع، كبير (¬٢) القدر كثير الاتّضاع، وكان بنو السّديد بأسنا تحسده وتعمل عليه، حتّى أوصلوا شرّا إليه، وعلّموا عليه بعض العوام، فرماه بالتشيّع (¬٣) بين الأنام. ولمّا حضر بعض الكشّاف (¬٤) إلى أسنا، حضر إليه شخص يقال له عيسىابن إسحاق وأظهر التّوبة من الرّفض (¬١) وأتى بالشهادتين، وقال إنّ شيخهم ومدرّسهم فيه القاضى جلال الدّين المذكور، فصودر وأخذ ماله. ولمّا وصل إلى القاهرة اجتمع بالصّاحب تاج الدّين محمد، ابن الصّاحب فخر الدّين، ابن الصّاحب بهاء الدّين، فأعجبه وطلب منه أن يفطر عنده شهر رمضان، فامتنع وقال: فى مثل هذا الشهر يفطر عندى جماعة. وأخبرنى الفقيه العدل جلال الدّين محمد بن الحكيم عمر، أنّه فى تلك السّفرة، عرض عليه أن يكون فى ديوان الإنشاء فلم يفعل، وقال لا تركت أولادى يقال لهم: والدكم خدم، وعرض عليه أن يكون شاهد ديوان السّلطان حسام الدّين لاجين، قبل أن يكون ملكا، فلم يفعل. أخبرنى صاحبنا الشّيخ جمال الدّين (¬٢) بن المكين الأسنائىّ أنّه كان عنده بالقاهرة، وهو مضرور يقترض وينفق، وعنده طاسة نحاس ينتفع بها، وإذا شمس الدّين بن المجير (¬٣) بن اللمطىّ، طلع إليه وقال: أبى يريد أن يروح الحمّام وطلب طاسة، فقال: خذ هذه فلمّا نزل قال لى: أبوه ما طلب شيئا، قلت: فماذا؟ قال: خطر له أن يأخذها يبيعها، فقلت: أنا أقوم آخذها منه، فلم يمكّنى من ذلك وأخذ شمس [الدّين] الطّاسة، باعها أو رهنها. ورأيته بأسنا وقد افتقر، وهو لا يأكل وحده، وإذا لم يكن عنده أحد طلب من يأكل معه، والنّاس ينتابونه ويقصدونه. وكان صاحبنا الفقيه حسن (¬٤) الأدفوىّ يأوى إليه ويتركه ويمشى، فلا يأكلوينتظره، ويرسل يطلبه ويقول: يا رجل إذا كنت تخرج على ألّا تعود، أعلمنى فما أنتظرك. وكان ريّض الأخلاق، حكى لى بعض أصحابنا أنّه فى زمن الصّيف، أغلق بابه وطلع إلى السّطح- وهو مكان مرتفع جدا- وإذا بشخص من الفلّاحين طرق الباب فكلّمه، فقال: انزل، فظنّ أنّ ثمّ أمرا مهمّا فنزل وفتح الباب، فقال: علم الدّين ابنك جاء إلى الساقية وسيّب المهر على الوجمة- يعنى جرن الغلّة- فقال: ماذا إلّا ذنب عظيم، اربط المهر وأغلق الباب، وطلع ولم ينزعج. وله نظم فائق،/ ونثر (¬١) رائق، ومن مشهور شعره ما أنشدنى ابنه وغيره من أصحابه، القصيدة الحائيّة التى أوّلها (¬٢): كيف لا يحلو غرامى وافتضاحى … وأنا بين غبوق (¬٣) واصطباح مع رشيق القدّ معسول اللمى (¬٤) … أسمر فاق على سمر الرّماح جوهرىّ الثّغر ينحو عجبا … رفع المرضى لتعليل الصّحاح (¬٥) نصب الهجر على تمييزه … وابتدى بالصدّ جدّا فى مزاح فلهذا صار أمرى خبرا (¬٦) … شاع فى الآفاق بالقول الصّراح يا أهيل الحىّ من نجد عسى … تجبروا قلب أسير من جراح لم (¬٧) خفضتم حال صبّ جازم … ماله نحو حماكم من براحليس يصغى قول واش سمعه … فعلى ماذا سمعتم قول لاح ومحوتم اسمه من وصلكم … وهو فى رسم هواكم غير ماح فلئن أفرطتموا (¬١) فى هجره … ورأيتم بعده عين الصّلاح فهو لاج لأولى آل العبا … معدن الإحسان طرّا والسّماح قلّدوا أمرا عظيما شأنه … فهو فى أعناقهم مثل الوشاح أمناء الله فى السرّ الذى … عجزت عن حمله أهل الصّلاح هم مصابيح الدّجى عند السّرى … وهم أسد الشّرى (¬٢) عند الكفاح تشرق الأنوار فى ساحاتهم … ضوءها يربو على ضوء الصباح أهل بيت الله إذ طهّره … فجميع الرّجس عنهم فى انتزاح (¬٣) آل طه لو شرحنا فضلهم … رجعت منّا صدور فى انشراح أنتم أعلى وأغلى قيمة … من قريضى وثنائى وامتداح جدّكم أشرف من داس الثّرى … فى مقام وغدوّ ورواح وأبوكم بعده خير الورى … فارس الفرسان فى يوم الكفاح وارث الهادى النّبىّ المصطفى … ما على من قال حقّا من جناح لو يقاس النّاس جمعا بكم … لرجحتم جمعهم كلّ رجاح يا بنى الزّهراء يرجو حسن … بكم الخلد مع الحور الصّباح قد أتاكم بمديح نظمه … كجمان الدرّ فى جيد الرّداح (¬٤) / فاسمحوا يا خير آل ذكركم … ينعش الأرواح مع مرّ الرّياحوعليكم صلوات الله ما … غشيت شمس الضّحا كلّ الضّواح وسرى ركب وغنّى طائر … ألف النّوح بتكرار النّواح وأنشدنى القاضى العدل جلال الدّين محمد بن عمر الأسنائىّ، أنشدنا الجلال لنفسه: رأيت كرما ذاويا (¬١) ذابلا … وربعه من بعد خصب محيل فقلت إذ عاينته ميّتا … لا غرو إن شقّت عليك (¬٢) النّخيل وله من قصيدة، مدح بها سيّدنا رسول الله ﷺ، أوّلها: هوا طيبة أهواه من حيث أرّجا … فعوجا بنا نحو العقيق (¬٣) وعرّجا وسيرا بنا سيرا حثيثا ملازما … ولا تنيا فالعيس (¬٤) لم تعرف الوجى (¬٥) وهى طويلة، سمعها [عليه] القاضى نجم الدّين ابن (¬٦) الثّقة الأسنائىّ.وأخبرنى الفقيه العدل حاتم بن النّفيس الأسنائىّ أنّه تحدّث معه فى شئ من مذاهب الشّيعة (¬١)، فحلف له أنّه يحبّ الصّحابة ويعظّمهم ويعترف بفضلهم، قال: إلّا أنّى أقدّم عليّا عليهم. وهذه مقالة سبقه إليها جماعة من أهل العلم، ونقلت عن بعض الصّحابة، والأمر فيها أخفّ من غيره. وكانت وفاته سادس جمادى الآخرة سنة ستّ وسبعمائة، [ومولده فى رمضان سنة اثنين وثلاثين وستّمائة].