Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

عبد الغنى بن عبد الواحد

ابن رجب الحنبلي - ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي · page 444, entry [223]

ذيل طبقات الحنابلة - لابن رجب - ت الفقي — ابن رجب الحنبلي

Open narrator profile: عبد الغنى بن عبد الواحد
page 444, entry [223]Open original source
٢١٤ - عبد الغنى بن عبد الواحد بن على بن سرور بن رافع بن حسن ابن جعفر الجماعيلي المقدسى، الحافظ الزاهد أبو محمد. ويلقب تقى الدين، حافظ الوقت ومحدثه ولد بجماعيل - من أرض نابلس من الأرض المقدسة - سنة إحدى وأربعين وخمسمائة قال الحافظ الضياء: أظنه فى ربيع الآخر من السنة؛ لما حدثتنى والدتى قالت: الحافظ أكبر من أخى الموفق بأربعة أشهر، ومولد الموفق فى شعبان من السنة المذكورة. وقال المنذرى: ذكر عنه أصحابه ما يدل على أن مولده سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وكذا ذكر ابن النجار في تاريخه: أنه سأل الحافظ عبد الغنى عن مولده؟ فقال: إما فى سنة ثلاث أو فى سنة أربع وأربعين وخمسمائة. قال الحافظ: والأظهر أنه فى سنة أربع. وقدم دمشق صغيرا بعد الخمسين، فسمع بها من أبى المكارم بن هلال، وأبى المعالى بن صابر، وأبى عبد الله محمد بن حمزة بن أبى جميل القرشى وغيرهم. ثم رحل إلى بغداد سنة إحدى وستين، هو والشيخ الموفق، فأقاما ببغداد أربع سنين. وكان الموفق ميله إلى الفقه، والحافظ عبد الغنى ميله إلى الحديث. فنزلا على الشيخ عبد القادر. وكان يراعيهما ويحسن إليهما، وقرآ عليه شيئا من الحديث والفقه.وحكى الشيخ الموفق: أنهما أقاما عنده نحوا من أربعين يوما، ثم مات، وأنهما كانا يقرءان عليه كل يوم درسين من الفقه، فيقرأ هو من «الخرقى» من حفظه، والحافظ من كتاب «الهداية». قال الضياء: وبعد ذلك اشتغلا بالفقه والخلاف على ابن المنّى، وصارا يتكلمان فى المسألة ويناظران. وسمعا من أبى الفتح بن البطى، وأحمد بن المقرى الكرخى، وأبى بكر بن النقور، وهبة الله بن الحسن بن هلال الدقاق، وأبى زرعة، وغيرهم. ثم عادا إلى دمشق. ثم رحل الحافظ سنة ست وستين إلى مصر والإسكندرية، وأقام هناك مدة، ثم عاد، ثم رجع إلى الإسكندرية سنة سبعين. وسمع بها من الحافظ السلفى وأكثر عنه، حتى قيل: لعله كتب عنه ألف جزء، وسمع من غيره أيضا. وسمع بمصر من أبى محمد بن برّى النحوى وجماعة، ثم عاد إلى دمشق، ثم سافر بعد السبعين إلى أصبهان. وكان قد خرج إليها، وليس معه إلا قليل فلوس فسهّل الله له من حمله وأنفق عليه حتى دخل أصبهان، وأقام بها مدة، وسمع بها الكثير، وحصل الكتب الجيدة، ثم رجع. وسمع بهمدان من عبد الرزاق بن إسماعيل القرمانى، والحافظ أبى العلاء، وغيرهما. وبأصبهان من الحافظين: أبى موسى المدينى، وأبى سعد الصائغ وطبقتهما. وسمع بالموصل من خطيبها أبى الفضل الطوسى. وكتب بخطه المتقن ما لا يوصف كثرة. وعاد إلى دمشق. ولم يزل ينسخ ويصنف، ويحدث ويفيد المسلمين، ويعبد الله، حتى توفاه الله على ذلك. وقد جمع فضائل الحافظ وسيرته الحافظ ضياء الدين فى جزءين. وذكر فيها: أن الفقيه مكى بن عمر بن نعمه المصرى جمع فضائله أيضا. قال الحافظ الضياء: كان شيخنا الحافظ لا يكاد أحد يسأله عن حديث إلا ذكره له وبيّنه، وذكر صحته أو سقمه. ولا يسأل عن رجل إلا قال: هوفلان ابن فلانى الفلانى، ويذكر نسبه. وأنا أقول: كان الحافظ عبد الغنى المقدسى أمير المؤمنين فى الحديث. قال: وسمعت شيخنا الحافظ عبد الغنى يقول: كنت يوما بأصبهان عند الحافظ أبى موسى. فجرى بينى وبين بعض الحاضرين منازعة فى حديث. فقال: هو فى صحيح البخارى، فقلت: ليس هو فيه. قال: فكتب الحديث فى رقعة ورفعها إلى الحافظ أبى موسى يسأله عنه. قال: فناولنى الحافظ أبو موسى الرقعة وقال: ما تقول، هل هذا الحديث فى البخارى، أم لا؟ قلت: لا. قال: فخجل الرجل وسكت. قال: وقد رأيت فيما يرى النائم - وأنا بمدينة مرو - كأن الحافظ عبد الغنى جالس والإمام محمد بن إسماعيل البخارى بين يديه، يقرأ عليه من جزء، أو كتاب وكان الحافظ يرد عليه شيئا، أو ما هذا معناه. قال: وسمعت أبا طاهر بن إسماعيل بن ظفر النابلسى يقول: جاء رجل إلى الحافظ - يعنى: عبد الغنى - فقال: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مائة ألف حديث، فقال: لو قال أكثر لصدق. قال الضياء: وشاهدت الحافظ غير مرة بجامع دمشق يسأله بعض الحاضرين وهو على المنبر، اقرأ لنا أحاديث من غير أجزاء، فيقرأ الأحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه. وسمعت أبا سليمان بن الحافظ يقول: سمعت بعض أهلنا يقول: إن الحافظ سئل: لم لا تقرأ الأحاديث من غير كتاب؟ فقال: إننى أخاف العجب. وسمعت أبا العباس أحمد بن محمد بن الحافظ، قال: سمعت على بن فارس الزجاج العلثى الشيخ الصالح، قال: لما جاء الحافظ من بلاد العجم، قلت: يا حافظ، ما حفظت بعد مائة ألف حديث؟ فقال: بلى، أو ما هذا معناه. قال: وسمعت أبا محمد عبد العزيز بن عبد الملك الشيبانى - بمرو - يقول: سمعتالتاج الكندى - يعنى: أبا اليمن - يقول: لم يكن بعد الدار قطنى مثل الحافظ عبد الغنى. وسمعت أبا الثناء محمود بن همام الأنصارى يقول: سمعت التاج الكندى يقول: لم ير الحافظ - يعنى: عبد الغنى - مثل نفسه. قلت: وذكر ابن النجار عن يوسف بن خليل، قال: قال تاج الدين الكندى: رأيت ابن ناصر والحافظ أبا العلاء الهمدانى وغيرهما من الحفاظ. ما رأيت أحفظ من عبد الغنى المقدسى. ثم قال الضياء: سمعت أبا العز مفضل بن على الخطيب الشافعى، قال: سمعت بعض الأصحاب يقول: إن أبا نزار - وهو الإمام ربيعة بن الحسن اليمنى الشافعى - قال: قد رأيت الحافظ السلفى، والحافظ أبا موسى - وكان الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد أحفظ منهما - قال: وشاهدت فى فضائل الحافظ الإمام الفقيه مكى بن عمر المصرى، سمعت أبا نزار ربيعة بن الحسن الصنعائى يقول: قد حضرت الحافظ أبا موسى، وهذا الحافظ عبد الغنى بن عبد الواحد، فرأيت عبد الغنى أحفظ منه. قال الضياء: وأنشدنا إسماعيل بن ظفر، قال: أنشدنا أبو نزار ربيعة ابن الحسن فى الحافظ عبد الغنى: يا أصدق الناس فى بدو وفى حضر … وأحفظ الناس فيما قالت الرّسل إن يحسدوك فلا تعبا بقائلهم … هم الغثاء وأنت السيد البطل قال: وأنشدنا: إن قيس علمك فى الورى بعلومهم … وجدوك سحبانا وغيرك باقل قال: وشاهدت بخط الحافظ أبى موسى المدينى على كتاب «تبيين الإصابة لأوهام حصلت فى معرفة الصحابة» الذى إملاء الحافظ عبد الغنى، وقد سمعه عليه أبو موسى، وأبو سعد الصائغ، وأبو العباس بن نبال برك، وخلق كثير، يقولأبو موسى عفا الله عنه: قلّ من قدم علينا من الأصحاب يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبى محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسى، زاده الله توفيقا. وقد وفق لتبيين هذه الغلطات، ولو كان الدار قطنى وأمثاله فى الإحياء لصوّبوا فعله، وقلّ من يفهم فى زماننا لما فهم، زاده الله علما وتوفيقا. قال الضياء: وكل من رأينا فى زماننا من المحدثين ممن رأى الحافظ عبد الغنى، وجرى ذكر حفظه ومذكراته، قال: ما رأينا مثله، أو نحو هذا. قال: وسمعت الحافظ - أو من يحكى عنه - قال: لما قدمت على السلفى سألنى عن أشياء، وقال: من هو محمد بن عبد الرحمن الذهبى؟ فقلت: المخلص. وسمعت الحافظ يقول: كنت عند ابن الجوزى يوما، فقال وزيره: أين محمد الغسانى؟ فقلت: إنما هو وزيره، فقال: أنتم أعرف بأهل بلدكم، وحكى حكاية عن بعض من سلف فى هذا المعنى. وذكره ابن النجار فى تاريخه. فقال: حدث بالكثير، وصنف تصانيف حسنة فى الحديث. وكان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيّما بجميع فنون الحديث، عارفا بقوانينه، وأصوله، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، وناسخه ومنسوخه، وغريبه، وشكله، وفقهه، ومعانيه، وضبط أسماء رواته، ومعرفة أحوالهم. وكان كثير العبادة، ورعا، متمسكا بالسنة على قانون السلف، ولم يزل بدمشق يحدث وينتفع به الناس، إلى أن تكلم فى الصفات والقرآن بشئ أنكره عليه أهل التأويل من الفقهاء، وشنعوا به عليه، وعقد له مجلس بدار السلطان حضره القضاة والفقهاء، فأصر على قوله، وأبا حوا إراقة دمه، فشفع فيه جماعة إلى السلطان من الأمراء والأكراد، وتوسطوا أمره على أن يخرج من دمشق إلى ديار مصر، فأخرج إلى مصر، وأقام بها خاملا إلى حين وفاته. وسمعت يوسف بن خليل بحلب يقول عن عبد الغنى: كان ثقة، ثبتا،دينا، مأمونا، حسن التصنيف، دائم الصيام، كثير الإيثار. كان يصلى كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، دعى إلى أن يقول: لفظى بالقرآن مخلوق، فأبى، فمنع من التحديث بدمشق، فسافر إلى مصر، فأقام بها إلى أن مات. وقرأت بخط السيف بن المجد: قال أبو الربيع سليمان بن إبراهيم الأسعردى: سمعت عبد القادر الرهاوى الحافظ يقول للحافظ عبد الغنى: سمعت وسمعنا، وحفظت، ونسينا. وقال أبو الثناء محمود بن همام: سمعت أبا عبد الله محمد بن أميرك الجوينى المحدث، يقول: ما سمعت السلفى يقول لأحد: الحافظ، إلا لعبد الغنى المقدسى. وقال الحافظ الضياء: كان ﵀ مجتهدا على طلب الحديث، وسماعه للناس من قريب وغريب، فكان كل غريب يأتى يسمع عليه، أو يعرف أنه يطلب الحديث يكرمه ويبره، ويحسن إليه إحسانا كثيرا، وإذا صار عنده طالب يفهم شيئا، أمره بالسفر إلى المشايخ بالبلاد، وأحيا الله به حديث رسول الله ﷺ، فمن سمع حديثا من أصحابنا كان يسبّه، ومن كان من غير أصحابنا كان طلبهم حسدا له؛ لما يرون من حرصه وكثرة طلبه. قال: وسمعت الإمام الحافظ أبا إسحاق إبراهيم بن محمد العراقى، يقول: ما رأيت الحديث فى الشام كله، إلا ببركة الحافظ عبد الغنى؛ فإننى كل من سألته يقول: أول ما سمعت عليه، وهو الذى حرضنى، وذكر جماعة من المحدثين ثم ذكر عنه أنه كان يفضل الرحلة للسماع على الغزو، وعلى سائر النوافل. قال: وكان ﵀، يقرأ الحديث يوم الجمعة بعد الصلاة بجامع دمشق، وليلة الخميس بالجامع أيضا، ويجتمع خلق كثير. وكان يقرأ ويبكى، ويبكى الناس بكاء كثيرا، حتى إن من حضر مجلسه مرة، لا يكاد يتركه، لكثرة ما يطيب قلبه، وينشرح صدره فيه. وكان يدعو بعد فراغه دعاء كثيرا.وسمعت شيخنا أبا الحسن على بن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ، وهو يريد أن يقرأ الحديث، فاشتهى أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات، وبعدها أنتم تعرفونه، ويحصل لكم الرغبة، فجلس أول يوم وكنت حاضرا بجامع القرافة، فقرأ أحاديث بأسانيدها عن ظهر قلبه، وقرأ جزءا، ففرح الناس بمجلسه فرحا كثيرا، فقال ابن نجا: قد حصل الذى كنت أريده فى أول مجلس. وسمعت بعض من حضر مجلسه بمصر بمسجد المصنع، يقول: إن الناس بكوا حتى غشى على بعضهم، قال: وقال بعض المصريين: ما كنا إلا مثل الأموات حتى جاء الحافظ، فأخرجنا من القبور. وسمعت الإمام أبا الثناء محمود بن همام الأنصارى يقول: سمعت الفقيه نجما - هو الإمام العالم نجم بن الإمام عبد الوهاب بن الإمام أبى الفرج الحنبلى يقول، وقد حضر مجلس الحافظ -: يا تقى الدين، والله لقد جملت الإسلام، وأقسم والله، لو أمكننى ما فارقت مجلسا من مجالسك. قال الضياء: سألت خالى الإمام موفق الدّين عن الحافظ، فكتب بخطه، وقرأته عليه: كان جامعا للعلم والعمل. وكان رفيقى فى الصبا، وفى طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خير إلا سبقنى إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة، وعداوتهم إياه، وقيامهم عليه، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتى يبلغ غرضه فى روايتها، ونشرها، رحمه الله تعالى. قال الضياء: وسمعت الإمام الزاهد إبراهيم بن محمود بن جوهر البعلى يقول: سمعت العماد - يعنى: أخا الحافظ - يقول: ما رأيت أحدا أشد محافظة على وقته من الحافظ عبد الغنى. قال الضياء: كان شيخنا الحافظ ﵀، لا يكاد يضيع شيئا من زمانه بلا فائدة؛ فإنه كان يصلى الفجر، ويلقن الناس القرآن، وربما أقرأ شيئا منالحديث، فقد حفظنا منه أحاديث جمة تلقينا، ثم يقوم يتوضأ، فيصلى ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل وقت الظهر، ثم ينام نومة يسيرة إلى وقت الظهر، ويشتغل إما للتسميع بالحديث، أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائما أفطر بعد المغرب، وإن كان مفطرا صلّى من المغرب إلى عشاء الآخرة، فإذا صلّى العشاء الآخرة، نام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانا يوقظه، فيتوضأ، ويصلى لحظة كذلك، ثم توضأ وصلّى كذلك، ثم توضأ وصلّى إلى قرب الفجر، وربما توضأ فى الليل سبع مرات أو ثمانية، أو أكثر، فقيل له فى ذلك، فقال: ما تطيب لى الصلاة إلا ما دامت أعضائى رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، وهذا دأبه، وكان لا يكاد يصلى صلاتين مفروضتين بوضوء واحد. قال: وسمعت الحافظ أبا عبد الله محمد بن محمد بن غانم بأصبهان يقول: كان الحافظ عبد الغنى عندنا، وكان يقول لى: تعالى حتى نحافظ على الوضوء لكل صلاة. قال الضياء: وكان يستعمل السواك كثيرا، حتى كأن أسنانه البرد. وسمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى التاجر بأصبهان غير مرة يقول: كان الحافظ عبد الغنى نازلا عندى بأصبهان، وما كان ينام من الليل إلا القليل، بل يصلى ويقرأ ويبكى، حتى ربما منعنا النوم إلى السحر. وسمعت الحافظ يقول: أضافنى رجل بأصبهان، فلما قمنا إلى الصلاة، كان هناك رجل لم يصل، فقيل: هو شمسى - يعنى: يعبد الشمس - فضاق صدرى، ثم قمت بالليل أصلى والشمسى يستمع، فلما كان بعد أيام جاء إلى الذى أضافني. وقال: إن الشمسى يريد أن يسلم، فمضيت إليه فأسلم، وقال من تلك الليلة: لما سمعتك تقرأ القرآن، وقع الإسلام فى قلبى. قال: وكان الحافظ لا يرى منكرا إلا غيره بيده أو لسانه، وكان لا تأخذه فى الله لومة لائم، ولقد رأيته مرة يهريق خمرا، فجبذ صاحبه السيف، فلم يخف من ذلك وأخذه من يده، وكان ﵀ قويا فى بدنه، وفى أمر الله،وكثيرا ما كان بدمشق ينكر المنكر، ويكسر الطنابير والشبابات. وسمعت أبا بكر بن أحمد بن محمد الطحان، قال: كان بعض أولاد صلاح الدّين قد عملت لهم طنابير، وحملت إليهم، وكانوا فى بعض البساتين يشربون، فلقى الحافظ الطنابير تحمل إليهم، فكسرها ودخل المدينة، فلما خرج منها لحقه قوم كثير بعصىّ، ومعه رجل، فلحقوا صاحبه، وأسرع الحافظ فقال لهم الرجل: أنا ما كسرت شيئا، هذا الذى كسر، قال: فإذا رجل يركض فرسا، فترجل عن الفرس، وجاء إلىّ وقبل يدى، وقال: يا شيخ، الصبيان ما عرفوك. وسمعت بعض أصحابنا يحدث عن الأمير درباس المهرانى، أنه كان دخل مع الحافظ إلى الملك العادل، فلما قضى الملك كلامه مع الحافظ، جعل يتحدث مع بعض الحاضرين فى أمر ماردين وحصارها، وكان حاصرها قبل ذلك، فسمع الحافظ كلامه، فقال: إيش هذا، وأنت بعد تريد قتال المسلمين، ما تشكر الله فيما أعطاك إماما؟، قال: وسكت الملك العادل، فما أعاد ولا بدى، ثم قام الحافظ وقمت معه، فلما خرجنا، قلت له: إيش هذا؟ نحن كنا نخاف عليك من هذا الرجل: ثم تعمل هذا العمل؟ فقال: أنا إذا رأيت شيئا لا أقدر أصبر. وسمعت أبا بكر بن أحمد الطحان قال: كان فى دولة الأفضل بن صلاح الدين قد جعلوا الملاهى عند درج جيرون، فجاء الحافظ فكسر شيئا كثيرا منها، ثم جاء فصعد المنبر يقرأ الحديث، فجاء إليه رسول من القاضى يأمره بالمشى إليه، يقول حتى يناظره فى الدفّ والشبابة، فقال الحافظ: ذلك عندى حرام، وقال: أنا لا أمشى إليه، إن كان له حاجة، فيجئ هو، ثم قرأ الحديث، فعاد الرسول فقال: قد قال: لا بد من المشى إليه، أنت قد بطلت هذه الأشياء على السلطان، فقال الحافظ: ضرب الله رقبته، ورقبة السلطان. قال: فمضى الرسول، وخفنا أن تجرى فتنة. قال: فما جاء أحد بعد ذلك. قال الضياء: وكان قد وضع الله له الهيبة فى قلوب الخلق.سمعت أبا محمد فضائل بن محمد بن على بن سرور المقدسى، قال: سمعتهم يتحدثون بمصر: أن الحافظ كان قد دخل على الملك العادل، فلما رآه قام له، فلما كان فى اليوم الثانى من دخوله عليه، إذ الأمراء قد جاءوا إلى الحافظ إلى مصر، فقالوا: آمنا بكرامتك يا حافظ، وذكروا أن العادل قال: ما خفت من أحد، ما خفت من هذا، فقلنا: أيها الملك، هذا رجل فقيه، إيش خفت من هذا؟ قال: لما دخل ما خيل إلىّ إلا أنه سبع يريد أن يأكلني، فقلنا: هذه كرامة الحافظ. قال: وشاهدت بخط الحافظ، يذكر أنه بلغه عن العادل ذلك. قال: وما أعرف أحدا من أهل السنة رأى الحافظ إلا أحبه حبا شديدا، ومدحه مدحا كثيرا. سمعت أبا الثناء محمود بن سلامة الحرانى بأصبهان، قال: كان الحافظ بأصبهان، يصطف الناس فى السوق، فينظرون إليه. وسمعته يقول: لو أقام الحافظ بأصبهان مدة، وأراد أن يملكها، لملكها - يعنى من حبهم له - ورغبتهم فيه، ولما وصل إلى مصر أخيرا كنا بها، فكان إذا خرج يوم الجمعة إلى الجامع، لا نقدر نمشى معه من كثرة الخلق، يتبركون به، ويجتمعون حوله. قال: وكان ﵀، ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسن الشعر، كثّ اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، فكان قد ضعف بصره من كثرة البكاء، والنسخ والمطالعة. وكان حسن الخلق، رأيته وقد ضاق صدر بعض أصحابه فى مجلسه، وغضب، فجاء إلى بيته وترضاه، وطيب قلبه. وكنا يوما عنده نكتب الحديث ونحن جماعة أحداث، فضحكنا من شئ وطال الضحك، فرأيته يتبسم معنا ولا يحرد علينا. وكان سخيا جوادا كريما لا يدّخر دينارا ولا درهما. ومهما حصل له أخرجه. ولقد سمعت عنه أنه كانيخرج فى بعض الليالى بقفاف الدقيق إلى بيوت المحتاجين، فيدق عليهم، فإذا علم أنهم يفتحون الباب ترك ما معه ومضى؛ لئلا يعرفه أحد. وقد كان يفتح له بشئ من الثياب والبرد فيعطى الناس، وربما كان عليه ثوب مرقع. وقد أوفى غير مرة سرا ما يكون على بعض أصحابه من الدّين ولا يعلمهم بالوفاء. قال الشيخ الموفق عنه: كان جوادا يؤثر بما تصل إليه يده سرا وعلانية. وسمعت أبا الثناء محمود بن همام يحكى عن رجل كان بمسجد الوزير، فجرى بينه وبين أصحاب الموفق شئ، فلم يعطوه جامكية. قال: فبقينا ثلاثة أيام ليس لنا شئ، فدخلت يوم الجمعة أصلى، وسلمت بعد العصر على الحافظ، فقال لى: اقعد، فقعدت. فلما قام مشيت معه إلى خارج الجامع، فناولنى نفقة وقال: اشتر لبيتك شيئا، ومضى، فاشتريت نصف خروف مشوى وخبزا كثيرا، وحلواء واكتريت حمالا، ومضيت إلى أهلى، فعددت ما بقى، فإذا هو خمسة وأربعون درهما. وذكر غير واحد: أنه وقع بمصر غلاء وهو بها، فكان يؤثر بعشائه عدة ليالى، ويطوى. قال: وقال لى أبو الفتح ولده: والدى يعطى الناس الكثير، ونحن لا يبعث إلينا شيئا. وسمعته يقول: أبلغ ما سأل العبد ربه ثلاثة أشياء: رضوان الله ﷿، والنظر إلى وجهه الكريم، والفردوس الأعلى. وسمعت خالى أبا عمر قال: قال الحافظ: يقال: من العصمة أن لا تجد، ثم قال: هى أعظم العصمة، فإنها عصمة النبى ﷺ. وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن إبراهيم المقدسى قال: سألت الحافظ، فقلت: هؤلاء المشايخ يحكى عنهم من الكرامات ما لا يحكى عن العلماء، إيشالسبب فى هذا؟ فقال: اشتغال العلماء بالعلم كرامات كثيرة - أو قال: يريد للعلماء كرامة أفضل من اشتغالهم بالعلم - وقد كان للحافظ كرامات كثيرة. قال الضياء: سمعت أحمد بن عبد الله بن على العراقى، حدثنى أبو محمد ابن أبى عبد الله الدمياطى قال: اكتريت فى مركب فرأيته عائبا، فضاق صدرى فذكرت قصته للحافظ، فكتب لى كتابا، وقال: اتركه فيه: فإذا قضيت سفرك وخرجت منه، فخذ الكتاب ولا نتركه فيه، فمضيت وعلقته فى المركب، فمضينا فى سفرنا. فلما نزلنا منه وأخذنا قماشنا ولم يبق فيه شئ ذكرت الكتاب فأخذته منه، فمن ساعته دخل الماء فيه، وغرق. وقال: حدثنى أبو محمد فضائل بن محمد المقدسى، حدثنى ابن عمى بدران بن أبى بكر بن على بن سرور: أن الحافظ قام ليلة ليتوضأ على البركة، وماؤها مقطوع فقال: ما كنت أشتهى الوضوء إلا من البركة، ثم صبر قليلا، فإذا الماء قد خرج من الأنبوب، فانتظر حتى فاضت البركة، ثم انقطع الماء فتوضأ، فقلت: هذه والله كرامة لك، فقال لى: قل: أستغفر الله، هذا الماء لعله كان محتبسا، لا تقل هذا. وحدثنى رجل جندى بالقدس: أن الحافظ نزل عندهم بالقدس. وكان فى دارهم صهريج قد نقص ماؤه. قال: فقال لى الحافظ ليلة: قد ضيقنا عليكم فى الماء، فقلت: بل يجعل الله فيه البركة، فقال: نعم جعل الله فيه البركة. فلما كان الفجر إذا بالماء قد زاد نحو أربعة أذرع. وسمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار المقرى قال: كان لأهل بيتى ثوب من ثياب الحافظ يدخرونه للموت، وملحفة من أثر أمه. قال: فسرق ما فى بيتنا من الثياب، ففتشوا على الثوب والملحفة فلم يجدوهما، فحزنوا عليهما. فلما كان بعد مدة وجدوهما فى الصندوق، وقد كانوا فتشوا قبل ذلك ولم يجدوهما. قال الضياء: وكنت أنا وجماعة نسمع على الحافظ بالمصلى الذى بحبلنا فىشدة الحر، فقال: لو كنا نقوم من هذا الحر إلى المسجد، فهممنا بالقيام ولعل بعضنا قام، فإذا سحابة قد غطت الشمس، فقال: اقعدوا، فرأيت بعض أصحابنا ينظر إلى بعض، ويسردن الكلام بينهم: إن هذه كرامة، ويقولون: ما كان يرى فى السماء سحابة. وذكر الضياء أشياء كثيرة من هذا الجنس. قال: وسمعت الحافظ يقول: رأيت النبى ﷺ فى النوم يمشى وأنا أمشى خلفه، إلا أن بينى وبينه رجلا. قال: وسمعت أبا العباس أحمد بن عبد الله المحولى عن رجل فقيه - وكان ضريرا، ويبغض الحافظ - فرأى النبى ﷺ فى النوم، ومعه الحافظ ويده فى يده فى جامع عمرو بن العاص، وهما يمشيان، وهو يقول: يا رسول الله، حدثت عنك بالحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول: صحيح، ويقول: حدثت عنك بالحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول: صحيح، حتى عددت مائة حديث. قال: فأصبح فتاب من بغضه. وسمعت الحافظ أبا موسى بن الحافظ عبد الغنى قال: حدثنى رجل من أصحابنا قال: رأيت الحافظ فى النوم يمشى مستعجلا، فقلت: إلى أين؟ فقال: أزور النبى ﷺ، فقلت: وأين هو؟ قال: فى المسجد الأقصى، فإذا النبى ﷺ، وعنده أصحابه، فلما رأى الحافظ قام له النبى ﷺ، وأجلسه إلى جانبه. قال: فبقى الحافظ يشكو إليه ما لقى، ويبكى ويقول: يا رسول الله، كذبت فى الحديث الفلانى، والحديث الفلانى؟ والنبى ﷺ يقول: صدقت يا عبد الغنى، صدقت يا عبد الغنى.
Parsing and provenance details
Local passage ID
783675
Book record
shamela-1053
Source record
dedupe:223:119813
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
عبد الغنى بن عبد الواحد — shamela-1053 · Hadith Research Library