page 387, entry [206]Open original source
١٩٩ - عبد الله بن يونس بن أحمد بن عبيد الله بن هبة الله البغدادى الأزجى، الفقيه الفرضى الأصولى المتكلم الوزير، وزير الخليفة الناصر جلال الدين أبو المظفر بن أبى منصور بن أبى المعالى. كان والده وكيلا لأم الخليفة الناصر. وكان ذا صدقات وإفضال على العلماء سمع من ابن الحصين، وأبى منصور القزاز، وحدث. وحج فى آخر عمره، فتمتع عملا بالمذهب. وعاد ولزم بيته. ونابه ولده هذا. وتوفى فى محرم سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وشيعه الأعيان. ودفن بالمدائن إلى جانب قبر حذيفة بن اليمان رضى الله عنه. وأما ولده هذا أبو المظفر: فإنه اشتغل بالعلم، ورحل فى طلبه إلى همدان، وقرأ بها ببعض الروايات على الحافظ أبى العلاء. وسمع الحديث من المتأخرين، مثل أبى الوقت، وأبى بكر بن الزاغونى ونصر العكبرى، وابن البطى، وغيرهم. وتفقه فى المذهب على أبى حكيم النهروانى، ثم على صدقة بن الحسين. وقرأ عليهما القرآن، وعلى صدقة الأصول والكلام. واختلف إلى جماعة من العلماء فى طلب فنون جمة من العلوم، وبرع فى علم الفرائض والحساب والأصلين والهندسة. وصنف كتابا فى أوهام أبى الخطاب الكلوذانى فى الفرائض والوصايا، وكتابا فى أصول الدين والمقالات. وحدث به فى ولايته الأخيرة. وسمعه منه الفضلاء. ولم يتم سماعه. وسمع منه الحديث عبد العزيز بن دلف، وأبو الحسن بن القطيعى، وبالغ فى مدحه والثناء عليه. وقال جمع: فيه خصال، الخصلة منهن تكون فى الرجل، فيكون من الكاملين؛ إذ كان الله رزقه حفظ القرآن، والعلم بالحلال والحرام، والفرائض والكتاب والحساب، والعلم بالنحو، والسنّة والأخبار، وأعطاه من شرفالأخلاق، وكرم الأعراق، والمجد المؤثل، والرأى المحصل، والفضل والنجابة، والفهم والإصابة، والقريحة الصافية، والمعرفة بكل فضل وفضيلة، والسمو إلى كل درجة رفيعة نبيلة من محمود الخصال، والفضل والكمال ما يطول شرحه. ثم ذكر تنقله فى الولايات حتى ولاه الخليفة الوزارة فى شوال سنة ثلاث وثمانين وجلس الخليفة له وخواص الدولة لخلعته. ثم ركب إلى الديوان وبين يديه جميع أرباب الدولة: قاضى القضاة أبو الحسن بن الدامغانى، والنقيبان، وجميع الأمراء وذكر غيره: أنه كان يوما وعثا ذا وجل، وهم مشاة بين يديه. وكان قاضى القضاة قد توقف فى قبول شهادة ابن يونس، فلم يقبلها إلا بكره. حتى صار من شهوده. فكان يمشى فى ذلك اليوم ويعثر، ويقول: لعن الله طول العمر. ومات القاضى ﵀ فى آخر تلك السنة. وفى سنة أربع وثمانين أرسل الخليفة الناصر الوزير ابن يونس مع عسكر عظيم لمحاربة السلطان طغرل بن أرسلان، فلقيهم طغرل بقرب همدان، فتفرق عسكر الوزير، وثبت وبيده سيف مشهور ومصحف، فلم يقدموا عليه، حتى أخذ بعض خواص السلطان بعنان دابته وقادها إلى خيمته، ثم أنزله وأجلسه، فجاء إليه السلطان فى خواصه ووزيره، فلزم معهم قانون الوزارة، ولم يقم لهم فعجبوا من فعله. وكلمهم بكلام خشن، وقال لهم: أمير المؤمنين لما بلغه عبثكم فى البلاد، وخروجكم عن الأوامر الشرعية أمر بمجاهدتكم، فاحترموه وأكرموه، وبقى عندهم مدة. وكان فى تلك المدة يسرد الصيام، ويديم التهجد والتلاوة، ويحافظ على الجماعات فى الفرائض. ثم نقلوه معهم إلى بعض بلاد أذربيجان فتلطف فى التخلص منهم، حتى خلص. وسار إلى الموصل. وكان الخليفة قد استوزر فى هذه المدة غيره. وكان هذا الوزير الجديد قد بعث إلى أقطار البلاد فى إهلاك ابن يونس. فلما وصل إلى الموصل، خرج أميرها وسأله المقام ليقبض عليه، فانفلت منه، ونزل فى سفينة وبعض حواشيه، وانحدروا ليلا إلى تكريت،ففعل به من فى قلعتها كما فعل صاحب الموصل، فتفلت منهم أيضا، ووصل إلى بغداد، فانتقل إلى بعض سفنها، وتنكر، ووصل إلى بيته بباب الأزج. ثم شاع خبره، فطلبه الخليفة إلى داره. ولم يزل فى هذه المدة يدرس القرآن، ويدارس الفقه ويتحفظ ما كان نسيه من أنواع العلوم. ثم ولاه الخليفة سنة خمس وثمانين أمر المخزن والديوان، ثم جعله أستاذ الدار سنة سبع وثمانين. وفى ولايته هذه عقد المجلس لقاضى القضاة العباسى، وأحضر القضاة والعلماء، أفتوا وأثبتوا فسقه لقضية كان قد حكم فيها، وعزله، وبقى على ولايته إلى رجب سنة تسعين، فعزل وقبض عليه. وذلك فى ولاية ابن القصاب الوزارة. وكان ابن القصاب رافضيا خبيثا. وكان الناصر يميل إلى الشيعة، فسعى فى القبض على ابن يونس، ونفى الشيخ أبا الفرج إلى واسط، وبقى ابن يونس معتقلا إلى سنة ثلاث وتسعين، فأخرج فى سابع عشر صفر ميتا. ودفن بالسرداب ﵀ وسامحه. وقد ذكر ابن النجار: أنه لم يكن فى ولايته محمودا. وقد علمت أن الناس لا يجتمعون على حمد شخص ولا ذمه. وأما أبو شامة فبالغ فى ذمه والحط عليه بأمور لم يقم عليها حجة. وإنما قال: ويقال: إنه فعل كذا. ومثل هذا القدح لا يكفى فى مستنده. ويقال كذا. وكذلك ابن القادسى فى تاريخه يذمه كثيرا. وقد ذكر: أنه إذا آباه فصار ذا غرض معه. وأما ابن الدبيثى فقال: كان فيه فضل، وحسن سمت ووقار. وذكر: أنه لما عزل فى المرة الأخيرة أقام بمنزله. وذكر ابن القادسى: أنه لما قبض عليه استفتى عليه أنه كان تسبب إلى كسر عسكر الخليفة، وقتلهم ونهبهم، وأظهر موت الخليفة وهو حى. فكتب ابن فضلان كلاما مضمونه: إباحة دم من فعل هذا. وكتب ابن الجوزى: أنه يلزمه غرامةما خان فيه، وتقام عليه السياسة الرادعة. وذكر: أنه بعد القبض عليه فى داره نقل إلى محبس ضنك وعر بالتاج. وقيل: إنه ضيق عليه وقيد. قال: وكان فقيها أصوليا جدليا، عالما بالحساب والفرائض، والهندسة والجبر والمقابلة. وصنف كتابا فى الأصول. وكان يقرأ عليه كل أسبوع، ويحضره جماعة من العلماء، إلا أنه شان أفعاله بسوء أعماله بأغراضه الفاسدة، والحسد الذى كان معه، والطرائق التى كانت غير مرضية، فأبغضه الناس وسبّوه. وكان فيه سودنة وجنون. قال: وتوفى فى يوم الثلاثاء سابع عشر صفر سنة ثلاث وتسعين. ودفن بالسرداب بدار الخلافة.