page 220, entry [120]Open original source
١١٣ - محمد بن ناصر بن محمد بن على بن عمر السلامى، الفارسى الأصل، ثم البغدادى، الأديب اللغوى، الحافظ أبو الفضل بن أبى منصور. ولد ليلة السبت نصف شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. كذا ذكره ابن الجوزى وابن السمعاني عنه. وفى تاريخ ابن النجار: ليلة الخميس، وكان والده شابا تركيا، محدثا فاضلا من أصحاب أبى بكر الخطيب الحافظ توفى فى شبيبته. ومحمد جده اسمه «آي دغدي» وأبو جده على اسمه «تكين المضافرى» التركى الحر. وتوفى ناصر وأبو الفضل هذا صغير، فكفله جده لأمه أبو حكيم الحيرى الفرضى، فأسمعه فى صغره شيئا من الحديث يسيرا، وشغله بحفظ القرآن، والفقه على مذهب الشافعى. ثم إنه صحب أبا زكريا التبريزى اللغوى، وقرأ عليه الأدب واللغة، حتى مهر فى ذلك. ثم جد فى سماع الحديث، وصاحب فى قراءة الأدب على التبريزى، وسماع الحديث أبا منصور بن الجواليقى. وكان فى أول الأمر أبو الفضل أميل إلى الأدب، وابن الجواليقى أميل إلى الحديث. وكان الناس يقولون: يخرج ابن ناصر لغوى بغداد، وابن الجواليقى محدثها. فانعكس الأمر، فصار ابن ناصر محدث بغداد، وابن الجواليقى لغويها. ولازم ابن ناصر أبا الحسن بن الطيورى. وسمع منه الكثير. وسمع من أبى القاسم بن البسرى، وأبى طاهر بن أبى الصقر - وهو أول شيخ سمع عليه. وذلك سنة ثلاث وسبعين - وأبى الحسن العاصمى، ومالك البانياسى، وأبى الغنائم بن أبى عثمان، وأبى محمد التميمى، وطراد، والنعال، وابن البطر. وأكثر عن المتأخرين بعدهم، وعنى بهذا الفن. وبالغ فى الطلب والسماعات. وكانت له إجازات قديمة من أبى الحسين بن النقور، والصريفينى، وأبى القاسم بن عليك، وأبى صالح المؤذن، وابن ماكولا الحافظ وغيرهم، وخالطأصحابنا الحنابلة ومال إليهم، وانتقل إلى مذهبهم؛ لمنام رأى فيه النبى ﷺ وهو يقول له: عليك بمذهب الشيخ أبى منصور الخياط. وقد سقناه بكماله فى ترجمة الشيخ أبى منصور. وساقه ابن النجار مختصرا، وفى آخره قال ابن ناصر: ثم أخذت فى سماع كتب أحمد ومسائله، والتفقه على مذهبه، وذلك فى رمضان سنة ثلاث وتسعين قال السلفى: سمع ابن ناصر معنا كثيرا، وهو شافعى أشعرى، ثم انتقل إلى مذهب أحمد فى الأصول والفروع، ومات عليه، وله جودة حفظ وإتقان، وحسن معرفة. وهو ثبت إمام. قال أبو موسى المدينى: هو مقدم أصحاب الحديث فى وقته ببغداد. وقال ابن الجوزى: كان حافظا ضابطا، متقنا، ثقة من أهل السنة، لا مغمز فيه. وكان كثير الذكر، سريع الدمعة. وهو الذى تولى تسمعي الحديث، وعنه أخذت ما أخذت من علم الحديث. وقال أيضا: قرأت عليه ثلاثين سنة، ولم أستفد من أحد كاستفادتى منه. وقال ابن النجار: كان جيد النقل، صحيح الضبط، كثير المحفوظ، له يد باسطة فى معرفة النحو واللغة. وكانت أصوله فى غاية من الصحة والإتقان. وكان ثقة نبيلا، حجة، حسن الطريقة، متدينا فقيرا، متعففا نظيفا نزها، وقف كتبه على أصحاب الحديث. رأيت بخطه وصية له أوصى بها، ذكر فيها صفة ما يخلفه من التركة، وهو ثياب بدنه، وكلها خلق مغسولة، وأثاث منزله - وكان مختصرا جدا - وثلاثة دنانير من العين، لم يذكر سوى ذلك، ومات ولم يعقب. قال: وسمعت ابن سكينة، وابن الأخضر وغيرهما يكثرون الثناء عليه، ويصفونه بالحفظ والإتقان والديانة، والمحافظة على السنن والنوافل. وذكره ابن السمعانى فى كتابه، فقال: حافظ ثقة، دين خير، متقن متثبتوله حظ كامل من اللغة، ومعرفة تامة فى المتون والأسانيد، كثير الصلاة، دائم التلاوة للقرآن الكريم، مواظب على صلاة الضحى، غير أنه يحب أن يقع فى الناس، ويتكلم فى حقهم. وقد رد هذا عليه الحافظ أبو الفرج بن الجوزى ردّا بليغا. وقال صاحب الحديث: ما يزال يجرح ويعدل. وقد احتج بكلام ابن ناصر فى أكثر التراجم، فكيف عول عليه فى الجرح والتعديل، ثم طعن فيه؟ ولكن هذا من تعصب ابن السمعانى على أصحاب أحمد. وذكر كلاما كثيرا. ونقل ابن السمعانى فى ترجمة أحمد بن على الطريثيثى عن ابن ناصر: أن الطريثيثى، كان كذابا ضعيفا فى الرواية، لا يحتج به، ولا يعتمد على روايته. ثم قال أبو الفضل: لا يحسن الكلام؛ فإنه إذ قال: كذاب، لا يحتاج أن يقول: لا يعتمد على روايته، وإذا رماه بالكذب فلا يقال: إنه ضعيف فى الرواية؛ فإن الضعف دون الكذب. قال الحافظ أبو محمد بن الأخضر ما معناه: قول شيخنا «كذاب» لأنه روى ما ليس من سماعه، ونهى عن ذلك فلم ينته. وقوله «ضعيف فى الرواية» حيث لم يميز صحيح حديثه من سقيمه. و «لا يحتج به» لأنه ليس من شرط الصحيح بهذا الوصف. و «لا يعتمد على روايته» لوجوب هذا التخليط فى معرفته وحديثه، فلو وصفه بمجرد الكذب لما كان من أهله؛ لأنه ليس من قبيل من يضع متنا ولا يهيئ على متن إسناد، فصاحب الترجمة لم ينفرد بوصف من هذه الأوصاف، بل اشتمل عليها جميعها، فكان الجرح على حسبها. قال: وقول ابن السمعانى: إن ابن ناصر لا يحسن الكلام، عىّ من القول وقصور عن إدراك الفهم، أتراه من أدرك فى رحلته من اشتمل بصفة شيخنا فى طبقته من حفظ وإتقان، ودوام صلاة وصيام، وأوراد كثيرة، لا يقطعها فى أوقاتها، وحسن خط لم يماثله عالم فى تحقيقه وضبطه، حتى إنه لا يفتقر من قرأ كتابهإلى إسناد، ولا من يعرفه طريق الإسناد، ويفيد من حفظه علوما جمة. له فى كل وصف شريف سيرة حسنة، يعلو شخصه المهابة، كأنه أحد الصحابة، فكيف يستجيز من تعقل وتفهم أن يطلق من لفظه، وقد شاء هذه أنه لا يحسن أن يتكلم؟ قلت: حدث ابن ناصر بالكثير، وأملى الحديث، واستملى للأشياخ الكثير وخرج لهم التخاريج الكثيرة، وتكلم فيها على الأسانيد، ومعانى الأحاديث وفقهها، وله مصنف فى مأخذ فى اللغة على الغريبين للهروى، ومصنف فى مناقب الإمام أحمد فى مجلد، وجزء فى الرد على من يقول: إن صوت العبد بالقرآن غير مخلوق. وروى عنه خلق كثير من الحفاظ وغيرهم، كالسلفى، وابن عساكر، وأبى موسى، وابن السمعانى، وابن الجوزى، وابن الأخضر، وابن سكينة، وعبد الرزاق بن عبد القادر، ويحيى بن الربيع مدرس النظامية، وأبى بكر محمد ابن غنيمة بن الحلاوى الفقيه الحنبلي، وأبى اليمن الكندى، وخلق كثير. وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الحسن بن المقير. وتوفى ليلة الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة خمسين وخمسمائة، وصلّى عليه قريبا من جامع السلطان، ظاهر السور بالجانب الشرقى، ثم بجامع المنصور، ثم بالحربية ودفن بمقبرة باب حرب، إلى جانب أبى منصور بن الأنبارى تحت السدرة. وذكر ذلك ابن الجوزى، وقال: حدثنى أبو بكر بن الخضرى الفقيه، قال: رأيته فى المنام، فقلت: يا سيدى، ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى، وقال لى: قد غفرت لعشرة من أصحاب الحديث فى زمانك؛ لأنك رئيسهم وسيدهم. رحمه الله تعالى. وذكر غيره: أنه صلّى عليه أولا على باب جامع السلطان أبو الفضل بن شافع بوصية منه، ثم صلّى عليه الشيخ عبد القادر، ثم ابن الفواريرى بجامع المنصور، ثم عمر الحربى بالحربية، ودفن وقت الظهر، وكانت جنازته عظيمة، وحضره عالم كثير. رحمه الله تعالى.أخبرنا أبو الفتح الميدومى - بمصر - أخبرنا أبو الفرج الحرانى، أخبرنا أبو الفرج الحافظ، حدثنا محمد بن ناصر الحافظ من لفظه، أخبرنا أبو طاهر محمد ابن أحمد بن أبى الصقر، أخبرنا أبو الحسن بن ميمون بن محمد الحضرمى، أخبرنا محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيوة. حدثنا أبو عبد الرحمن النسائى، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت: «سأل الحارث بن هشام رسول الله ﷺ: كيف يأتيك الوحى؟ قال: فى مثل صلصلة الجرس، فيفصم عنى وقد وعيت عنه، وهو أشد علي، وأحيانا يأتينى فى مثل صورة الفتى، فيفيده إلى». ومن غرائب ما حكى عن ابن ناصر: أنه كان يذهب إلى أن السلام على الموتى، يقدم فيه لفظة «عليكم» فيقال: عليكم السلام؛ لظاهر حديث أبى حرى الهجيمى. وذكر فى بعض تصانيفه: أن الإحداد على الميت بترك الطيب والزينة لا يجوز للرجال بحال، ويجوز للنساء على أقاربهن ثلاثة أيام، دون زيادة عليها ويجب على المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا.