page 1306, entry [981]Open original source
ذِكْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيُّ ﵀ أَصْبَهَانِيٌّ، زَاهِدٌ عَالِمٌ وَرِعٌ، أُسْتَاذُ عَلِيٍّ الْأَسْوَارِيِّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الصَّحَّافُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مَعْمَرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ: كَانَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيِّ أَخٌ مِنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ وَكَانَتْ وَالِدَةُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي دَارِ أَخِيهِ، وَكَانَ أَخُوهُ يُخْتَلَفُ بِالْأَمَانَةِ إِلَى قَرْيَةٍ لِحَمْزَةَ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بِاللَّيْلِ يَدّخُلُ إِلَى زِيَارَةِ أُمِّهِ، فَيَغُضُّ طَرْفَهُ عَنْ سِرَاجِ أَخِيهِ، فَوَقَعَ عَلَى شَيْءٍ فِي الْبَيْتِ فَقَالَتْ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ مَالَكَ؟ أَفِي عَيْنَيْكَ ظُلْمَةٌ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا أُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ بِسِرَاجِ أَخِي وَضَوْئِهِ إِلَى شَيْءٍ لِأَنَّهُ أَمِينُ قَرْيَةٍ، وَكَانَتِ الْقَرْيَةُ مِلْكًا لِحَمْزَةَ بْنِ أَبِي عُمَارَةَ، وَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتَوَرَّعُ إِلَى هَذَا. قَالَ: وَحَدَّثَنِي جَدِّي، قَالَ: كَانَ لِوَالِدِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ قَرْيَةٌ فَكَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيُّ أَكْثَرَ طَعَامَهُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ كَانَ يَطِيبُ بِذَلِكَ قَلْبُهُ وَكَانَتْ وَالِدَةُ أَبِي إِسْحَاقَ امْرَأَةَ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً تَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَتَشْكُرُهُ عَلَى انْبِسَاطِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَيْهَا فِي طَعَامِهَا. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْوَارِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا الْأَسْوَارِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا لَيْلَةً مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي دَعْوَةٍ وَكَانَ وَقْتَ الْوَرْدِ،فَلَمَّا دَخَلْنَا الْبَيْتَ كَانَ الْوَرْدُ فِيهِ مَفْرُوشًا، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ: تَأْذَنُ لِي أَنْ أَصْنَعَ بِهَذَا الْوَرْدِ مَا شِئْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَ مِلْءَ كَفَّيْهِ وَرْدًا فَشَمَّهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلَى سَقْفِ ذَلِكَ الْبَيْتِ وَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَفَاحَ الْبَيْتُ مِنْ رَائِحَةِ الطِّيبِ، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجْنَا، فَقَالَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْبَيْتِ: مَا زِلْنَا نَشَمُّ رَائِحَةَ الطِّيبِ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ سَنَةً. قَالَ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْأَسْوَارِيَّ، يَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيُّ وَأَنَا فِي بُسْتَانِي أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ شَجَرَةَ مِشْمِشَ لَمْ تَكُنْ تُثْمِرْ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخُشُوعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مَالَكَ تَقْطَعُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ؟ قُلْتُ: لَيْسَتْ تُثْمِرُ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا تَقْطَعْهَا، فَإِنِّي ضَامِنٌ لَكَ أَنَّهَا تُثْمِرُ فَتَرَكْتُهَا فَأَثْمَرَتْ تِلْكَ السَّنَةِ ثَمَرًا كَثِيرًا، وَمَا زَالَتْ مُثْمِرَةً كُلَّ سَنَةٍ بِضَمَانِهِ؟ ﵀. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ، يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلْنَا الْبَادِيَّةَ اعْتَلَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ إِسْهَالُ الْبَطْنِ فَقَامَ سَبْعِينَ مَرَّةً فِي لَيْلَةٍ، كُلُّ مَرَّةٍ يُجَدِّدُ الطَّهَارَةَ، وَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ تَسِيرُ الْقَافِلَةُ، فَلَمَّا غَلَبَ الْإِسْهَالُ عَلَيْهِ وَقَعَ فِي الْقَافِلَةِ أَمْرٌ، فَحَطُّوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَامَتِ الْقَافِلَةُ وَكُنْتُ أَخْدِمُهُ وَآخُذُ الْأَذَى مِنْ تَحْتِهِ عَلَى الطِّيبَةِ فَأَغْسِلُهُ، فَأَرَدْتَ أَنْ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَجِدُ رِيحَ الْأَذَى مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَا تَسْتَعِلَّ فَإِنِّي لَا أَجِدُ مِنْكَ الرَّائِحَةَ الْمُنْتِنَةَ، قَالَ: فَبَرَأَ، وَقَالَ: تَعَالَ فَضَمَّنِي إِلَيْهِ وَأَخَذَ رَأْسِي وَوَضَعَهُ عَلَى مَا يَخْرُجُ مِنْ بَطْنِهِ فَمَا شَمَمْتُ قَطُّ رَائِحَةً وَلَا طِيبًا أَطْيَبُ مِنْهُ فَمَاتَ ﵀ مِنْ ذَلِكَ فَدَفَنْتُهُفِي الْبَادِيَةِ، فَبَلَغَنِي أَنَّ الْأَعْرَابَ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَى قَبْرِهِ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ فِي حَاجَاتِهِمْ فَتُقْضَى لَهُمْ وَيَرَوْنَ الْإِجَابَةَ وَكَانَ يُسَمَّى قَبْرَ الْجَبَلِيِّ حَتَّى انْدَرَسَ.