page 1199, entry [844]Open original source
ذِكْرُ أَبِي الْعَبَّاسِ الدِّينَوَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ، مُسْتَقِيمَ الْحَالِ، دَخَلَ تِرْمِذَ، فَاسْتَقْبَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَامِدٍ الزَّاهِدُ التِّرْمِذِيُّ، فَلَمَّا رَآهُ قَبَّلَ رِكَابَهُ، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ حَسَنُ الْوَصْفِ لِآلَاءِ رَبِّي وَنِعْمَائِهِ وَأَنْشَدَ أَبُو الْعَبَّاسِ: رَأَيْتُكَ يُدْنِينِيِ إِلَيْكَ تَبَاعُدِي ... فَبَاعَدْتُ نَفْسِي لِابْتِغَاءِ التَّقَرُّبِذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ التِّيمَاسِتَانِيِّ الْفَارِسِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ حَسَنَ الْحَالِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ خَفِيفٍ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ: كَانَ أَوَّلُ بِدَايَتِي حَتَّى وَقَعَتْ لِي هَذِهِ الْقِصَّةُ، أَنِّي جَلَسْتُ تَحْتَ شَجَرَةٍ فِي عَرَاءٍ أَرْبَعَ سِنِينَ أَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ الصَّحْرَاءِ، وَكَانَتِ امْرَأَتِي تَرْعَى الْبَقَرَةِ تَحْمِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ رَغِيفَيْنِ نَأْكُلُهُمَا بَيْنَنَا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ: خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فِي بَعْضِ نَاحِيَةِ الْبَلَدِ فَوَقَعَ عَلَى قَوْمٍ صَعَالِيكَ لَيْلًا جُلُوسًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَعِنْدَهُمْ عِبْدَانَ، وَغِنَاءٌ، وَعِنْدَهُمْ نَارٌ عَظِيمَةٌ فَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ يَسْمَعُ غِنَاءَهُمْ، فَقَالُوا: إِنْسَانٌ عَاشِقٌ، فَقَالُوا: تَقَدَّمْ إِلَيْنَا وَاجْلِسْ مَعَنَا وَاشْرَبْ. فَقَامَ وَجَلَسَ عِنْدَهُمْ، فَنَاوَلُوهُ قَدَحًا، فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ وَقَامَ قَائِمًا وَهُوَ يَبْكِي، وَيَقُولُ: هَذَا شَاذِي لِمَنْ لَا يَعْصِي حَبِيبَهُ، هَذَا شَاذِي لِمَنْ نَخَافُ مَعَادَهُ، هَذَا شَاذِي لِمَنْ قَدَّمَ زَادَهُ، هَذَا شَاذٌّ لِمَنْ طَلَبَ مِنْ حَبِيبِهِ مُرَادَهُ. وَيَبْكِي حَتَّى بَكَوْا كُلُّهُمْ وَتَابُوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ رَمَى بِالْقِدْحِ مِنْ يَدِهِ وَذَهَبَ.ذِكْرُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ ﵀ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي تَبَعِ الْأَتْبَاعِ فِي بَابِ الْعَيْنِ، اسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ. قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ: مَا رَأَى أَبُو زُرْعَةَ بِعَيْنِهِ مِثْلَ نَفْسِهِ أَحَدًا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ: لَا يَزَالُ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ مَا أَبْقَى اللَّهُ لَهُمْ مِثْلَ أَبِي زُرْعَةَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى: أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ إِمَامَا خُرَاسَانَ وَدَعَا لَهُمَا، وَقَالَ: بَقَاؤُهُمَا صَلَاحُ الْمِسْلِمِينَ.وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنِّي فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَأَنِّي أَمْسَحُ بِيَدِي عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَوْضَعِ الْمِقْعَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ أَمْسَكْتُهُ، فَاقْتَصَصْتُهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ سِجِسْتَانَ كَانَ بِعَبَّادَانَ، فَقَالَ: هَذَا أَنْتَ تُعْنَى بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُ أَبَا زُرْعَةَ ﵀، فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: قرَّبَنِي وَأَدْنَانِي، وَقَرَّبَنِي وَأَدْنَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُبَيْدَ اللَّهِ تَزَرَّعْتَ فِي الْكَلَامِ، قُلْتُ: لِأَنَّهُمْ جَادَلُوا دِينَكَ، قَالَ: أَلْحِقُوهُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي فِي النَّوْمِ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَأَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قِيلَ: مَاتَ أَبُو زُرْعَةَ مَبْطُونًا يَعْرِقُ جَبِينَهُ فِي النَّزْعِ. قَالَ ابْنُ عَمِّ أَبِي زُرْعَةَ: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي اشْتَقْتُ إِلَى رُؤْيَتِكَ، فَإِنْ قَالَ: بِأَيِّ عَمَلٍ اشْتَقْتُ إِلَيَّ؟ قُلْتُ: بِرَحْمَتِكَ يَا رَبُّ.وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: قَالَ لِي السَّرِيُّ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ أَحَدَ الْوُلَاةِ: لَوْ أَنِّي قَبِلْتَ لِأَعْطَيْتُ مِائَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَبْلَ اللَّيْلِ فِيكَ، وَفِي ابْنِ مُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَحْبِسَكُمْ وَلَا أَضُرُّ بِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ أَمْنَعَكُمْ مِنَ التَّحْدِيثِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كُنْتُ فِيمَا مَضَى وَأَنَا صَحِيحٌ رُبَّمَا أَخَذَتْنِي الْحُمَّى، فَأَضْعُفُ وَأَجِدُ لِذَلِكَ أَلَمًا، وَأَنَا الْيَوْمَ رُبَّمَا حُمِمْتُ فَلَا أَجِدُ لَهُ أَلَمًا أَظُنُّ فِي نَفْسِي كَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ. وَقَالَ: إِنِّي لَأَلْبَسُ الثِّيَابَ لِكَيْ إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيَّ لَا يَقُولُونَ تَرَكَ أَبُو زُرْعَةَ الدُّنْيَا وَلَبِسَ الثِّيَابَ الدُّونَ، وَإِنِّي لَآكُلُ مَا يُقَدَّمُ إِلَيَّ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَالْحَلْوَى لِكَيْ لَا يَقُولُ النَّاسُ: إِنَّ أَبَا زُرْعَةَ لَا يَأْكُلُ الطَّيِّبَاتِ لِزُهْدِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ لِبْسِ الثِّيَابِ يَلْبَسُهُ لِسَتْرِ عَوْرَتِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا نَوَى هَذَا وَلَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ سَلِمَ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ اللَّيْثُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: بِالرَّيِّ شَابٌّ يُقَالُ لَهُ: أَبُو زُرْعَةَ، فَغَضِبَ أَحْمَدُ، وَقَالَ: تَقُولُ شَابٌّ كَالْمُنْكَرِ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ لِأَبِي زُرْعَةَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ انْصُرْهُ عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنْهُ الْبَلَاءَ اللَّهُمَّ، اللَّهُمَّ فِي دُعَاءٍ كَثِيرٍ، قَالَ الْحَسَنُ: فَلَمَّا قدِمْتُ حَكَيْتُ ذَلِكَ لِأَبِي زُرْعَةَ وَحَمَلْتُ إِلَيِهِ دُعَاءَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَكُنْتُ كَتَبْتُهُ فَكَتَبَهُ أَبُو زُرْعَةَ، وَقَالَ لِي أَبُو زُرْعَةَ: مَا وَقَعْتُ فِي بَلِيَّةِ فَذَكَرْتُ دُعَاءَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِلَا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ يُفَرَّجُ عَلَيَّ بِدُعَائِهِ.وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: ذَهَبَ أَبِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِدٍ الدِّشْتَكِيِّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ هِبْتُهُ فَجَعَلْتُ أَدْنُو مِنْهُ، فَقَالَ لِأَبِي: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنِي، قَالَ: ادْعُهُ. فَدَعَانِي، فَجِئْتُ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْ أَبِي، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: ادْنُ مِنِّي، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ: ادْنُ مِنِّي وَقَالَ لِي: أَخْرِجْ يَدَكَ، فَأَخْرَجْتُ يَدِي فَنَظَرَ إِلَى شُقُوقٍ فِي بَاطِنِ أَصَابِعِي فَتَفَرَّسَ فِيَّ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا سَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ، وَيَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَالْعِلْمَ، وَذَكَرَ أَشْيَاءً. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ خَرَجْتُ مِنَ الرَّيِّ، الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَرَجَعْتُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَإِنِّي حَجَجْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى مِصْرَ، فَأَقَمْتُ بِهَا خَمْسَةَ عَشْرَ شَهْرًا، وَكُنْتُ عَزَمْتُ فِي بَدْءِ قُدُومِي مِصْرَ، أَنْ أَقِلَّ الْمَقَامَ بِهَا، وَلَمَّا رَأَيْتَ كَثْرَةَ الْعَلِمِ رُمْتُ عَلَى الْمَقَامِ، وَلَمْ أَكُنْ عَزَمْتُ عَلَى سَمَاعِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ، فَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى الْمَقَامِ، وَجَّهْتُ إِلَى أَعْرَفِ رَجُلٍ بِمِصْرَ يَكْتُبُ لِلشَّافِعِيِّ، وَسَلَّمْتُ إِلَيْهِ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَنْ يَكْتُبَهَا لِي، وَأَعْطَيْتُهُ الْكَاغِدَ وَكُنْتُ حَمَلْتُ مَعِي ثَوْبَيْنِ دَقِيقَيْنِ لِأَقْطَعْهُمَا لِنَفْسِي، فَلَمَّا عَزَمْتُ عَلَى كِتَابَتِهَا أَمَرْتُ بِبَيْعِهَا، فَبِيعَا بِسِتِّينَ دِرْهَمًا وَاشْتَرَيْتُ مِائَةَ وَرَقَةِ كَاغِدِ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمٍ، فَكَتَبْتُ فِيهَا كُتُبِ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الشَّامِ، فَأَقَمْتُ بِهَا مَا أَقَمْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَأَقَمْتُ مَا أَقَمْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُإِلَى بَغْدَادَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ فِي آخِرِهَا، وَرَجَعْتُ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَقَمْتُ بِهَا مَا أَقَمْتُ، وَقَدِمْتُ الْبَصْرَةِ فَكَتَبْتُ فِيهَا عَنْ شَيْبَانَ وَعَبْدِ الْأَعْلَى. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَتَبَ إِلَيَّ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: لَا يُهَوِّلَنَّكَ الْبَاطِلُ فَإِنَّ لِلْبَاطِلِ جَوْلَةً ثُمَّ يَتَلَاشَى. ذِكْرُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَحْصَيْتُ مَا مَشَيْتُ عَلَى قَدَمِي فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ زِيَادَةً عَلَى أَلْفِ فَرْسَخٍ، سِرْتُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَرَّاتٍ، وَمِنَ الْبَحْرَيْنِ إِلَى مِصْرَ، وَمِنْ مِصْرَ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَمِنَ الرَّمْلَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَطَبَرِيَّةَ، وَمِنْ طَبَرِيَّةَ إِلَى دِمَشْقٍ، وَمِنْ دِمَشْقٍ إِلَى حِمْصٍ، وَمِنْ حِمْصَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَمِنْ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى طَرَسُوسَ، ثُمَّ رَجَعْتُ مِنْ طَرَسُوسَ إِلَى حِمْصٍ، فَكَانَ بَقِيَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَمَانِ، فَسَمِعْتُ ثُمَّخَرَجْتُ مِنْ حِمْصٍ إِلَى بيِسَانَ، وَمِنْ بِيسَانَ إِلَى الرَّقَّةِ، وَمِنَ الرَّقَّةِ رَكِبْتُ الْفُرَاتِ إِلَى بَغْدَادَ، وَخَرَجْتُ قَبْلَ خُرُوجِي إِلَى الشَّامِ مِنْ وَاسِطٍ، وَمِنْ وَاسِطٍ إِلَى الْكُوفَةَ، كُلُّ ذَلِكَ أَمْشِي، هَذَا فِي السَّفَرِ الْأَوَّلِ، وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً أَجُولُ سَبْعَ سِنيِنَ، خَرَجْتُ مِنَ الرَّيِّ سَنَةَ ثَلَاثِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَخَرَجْتُ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَرَجَعْتُ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَحَجَجْتُ الْحَجَّةَ الْأُولَى سَنَةَ خَمْسِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَالْحَجَّةُ الثَّانِيَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَالثَّالِثَةُ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَالرَّابِعَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَفِيهَا حَجَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنِي، وَقَالَ: بَقِيتُ بِالْبَصْرَةَ سَنَةَ أَرْبَعِ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ فِي نَفْسِي أَنْ أُقِيمَ سَنَةً، فَانْقَطَعَتْ نَفَقَتِي، فَجَعَلْتُ أَبِيعُ ثِيَابَ بَدَنِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، حَتَّى بَقِيتُ بِلَا نَفَقَةٍ، وَمَضَيْتُ أَطُوفُ مَعَ صَدِيقٍ لِي عَلَى الْمَشْيَخَةِ، وَأَسْمَعُ مِنْهُمْ إِلَى الْمَسَاءِ، فَانْصَرَفَ رَفِيقِي، وَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتٍ خَالٍ، فَجَعَلْتُ أَشْرَبُ الْمَاءَ مِنَ الْجُوعِ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ مِنَ الْغَدِ وَغَدَا عَلَيَّ رَفِيقِي، فَجَعَلْتُ أَطُوفُ مَعَهُ فِي سَمَاعِ الْحَدِيثِ عَلَى جُوعٍ شَدِيدٍ فَانْصَرَفَ عَنِّي وَانْصَرَفْتُ جَائِعًا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا عَلَيَّ. فَقَالَ: سِرْ بِنَا إِلَى الْمَشَايخِ، فَقُلْتُ: أَنَا ضَعِيفٌ لَا يُمْكِنُنِي، قَالَ: مَا ضَعْفُكَ؟ قُلْتُ: لَا أَكْتُمُكَ أَمْرِي، قَدْ مَضَى كَذَا وَكَذَا مَا طَعُمْتُ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: قَدْ بَقِيَدِينَارٌ فَأَنَا أُقَاسِمُكَ بِنِصْفِهِ وَتَحْفَظُ النِّصْفَ الْآخَرَ فِي الْكَرَى، فَخَرَجْنَا مِنَ الْبَصْرَةِ وَكُنَّا فِي الْبَحْرِ فَاحْتَلَمْتُ فَأَخْبَرْتُ أَصْحَابِي بِهِ فَقَالُوا: اغْمُرْ نَفْسَكَ فِي الْبَحْرِ قُلْتُ: إِنِّي لَا أُحْسِنُ أَسْبَحُ، فَقَالُوا: إِنَّا نَشُدُّ فِيكَ حَبْلًا وَنُعَلِّقُكَ فِي الْمَاءِ، فَشَدُّوا فِيَّ حَبْلًا وَأَرْسَلُونِي، فِي الْمَاءِ وَأَنَا فِي الْهَوَاءِ هُوَ ذَا أَسْرَعُ الْوُضُوءِ، فَلَمَّا تَوَضَّأْتُ قُلْتُ: أَرْسِلُونِي قَلِيلًا، فَأَرْسَلُونِي، فَغَمَسْتُ نَفْسِي فِي الْمَاءِ، قُلْتُ: ارْفَعُونِي، فَرَفَعُونِي، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ صِرْنَا إِلَى الْجَارِ، وَرَكِبْنَا الْبَحْرَ وَكُنَّا ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ وَكَانَتِ الرِّيحُ فِي وُجُوهِنَا، فَبَقِينَا فِي الْبَحْرِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَضَاقَتْ صُدُورُنَا وَفَنِيَ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الزَّادِ، فَخَرَجْنَا إِلَى الْبَرِّ، فَجَعَلْنَا نَمْشِي أَيَّامًا عَلَى الْبَرِّ فَفَنِيَ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ، فَمَشَيْنَا يَوْمًا لَمْ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنَّا شَيْئًا وَلَا شَرِبْنَا، وَيَوْمَ الثَّانِي كَمِثْلِهِ وَيَوْمَ الثَّالِثِ، كُلُّ يَوْمٍ نَمْشِي إِلَى اللَّيْلِ فَإِذَا جَاءَ الْمَسْيُ صَلَّيْنَا وَأَبْقَيْنَا بِأَنْفُسِنَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا يَوْمَ الرَّابِعِ، جَعَلْنَا نَمْشِي عَلَى قَدْرِ طَاقَتِنَا، فَسَقَطَ الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ مَعَنَا، مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَتَرَكْنَاهُ، فَمَشَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي قَدْرَ فَرْسَخٍ أَوْ فَرْسَخَيْنِ، فَضَعُفْتُ وَسَقَطْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ وَمَضَى صَاحِبِي وَتَرَكَنِي فَلَمْ يَزَلْ يَمْشِي إِذْ أَبْصَرَ مِنْ بَعِيدٍ قَوْمًا قَدْ قَرَّبُوا سَفِينَتَهُمْ إِلَى الْبَرِّ، وَنَزَلُوا عَلَى بِئْرِ مُوسَى ﵇، فَلَمَّا عَايَنَهُمْ لَوَّحَ بِثَوْبِهِ إِلَيْهِمْ، فَجَاءُوا وَمَعَهُمُ الْمَاءَ فِي إِدَاوَةٍ فَسَقَوْهُ وَأَخَذُوا بِيَدِهِ فَقَالَ: الْحَقُوا رَفِيقَيْنِلِي قَدْ أَلْقَيَا بِأَنْفُسِهِمَا مَغْشِيًّا عَلَيْهِمَا، فَمَا شَعَرْتُ إِلَّا بِرَجُلٍ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى وَجْهِي فَفَتَحْتُ عَيْنِي، فَقُلْتُ: اسْقِنِي فَصَبَّ الْمَاءَ مِنْ رَكْوَتِهِ شَيْئًا يَسِيرًا فَشَرِبْتُ وَرَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَقُلْتُ: اسْقِنِي فَسَقَانِي شَيْئًا يَسِيرًا، وَأَخَذَ بِيَدِي فَقُلْتُ: وَرَائِي شَيْخٌ مُلْقَى، قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا أَمْشِي أَجُرُّ رِجْلِي يَسْقِينِي شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ إِلَى سَفِينَتِهِمْ وَأَتُوا بِرَفِيقِي الشَّيْخِ وَأَحْسَنُوا إِلَيْنَا فَبَقِينَا أَيَّامًا حَتَّى رَجَعَتْ إِلَيْنَا أَنْفُسُنَا، ثُمَّ كَتَبُوا لَنَا كِتَابًا إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا رَايَةُ، إِلَى وَالِيهِمْ وَزَوَّدُوَنَا مِنَ الْكَعْكِ وَالسَّوِيقِ وَالْمَاءِ، فَلَمْ نَزَلْ نَمْشِي حَتَّى نَفَدَ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الْمَاءِ وَالسَّوِيقِ وَالْكَعْكِ، فَجَعَلْنَا نَمْشِي جِيَاعًا عِطَاشًا عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ فَدُفِعْنَا إِلَى سُلْحِفَاةٍ قَدْ رَمَى بِهَا الْبَحْرِ مِثْلَ التِّرْسِ، فَعَمَدْنَا إِلَى حَجَرٍ كَبِيرٍ، فَضَرَبْنَا عَلَى ظَهْرِ السُّلْحِفَاةِ، فَانْفَلَقَ ظَهْرُهَا وَإِذَا فِيهَا مِثْلَ صُفْرَةِ الْبَيْضِ، فَأَخَذْنَا مِنْ بَعْضِ الْأَصْدَافِ الْمُلْقَاةِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، فَجَعَلْنَا نَغْتَرِفُ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْفَرُ فَنَتَحَسَّاهُ حَتَّى سَكَنَ عَنَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ حَتَّى دَخَلْنَا مَدِينَةِ الرَّايَةِ، وَأَوْصَلْنَا الْكِتَابَ إِلَى عَامِلِهِمْ، فَأَنْزَلَنَا فِي دَارِهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا، وَكَانَ يُقَدِّمُ إِلَيْنَا كُلَّ يَوْمٍ الْقَرْعَ، وَيَقُولُ لِخَادِمِهِ: هَاتِي لَهُمْ بِالْيَقْطِينَ الْمَارِكِ، فَقَالَ وَاحِدٌمِنَّا بِالْفَارِسِيَّةِ: أَلَا نَدْعُو بِاللَّحْمِ: فَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ: أَنَا أُحْسِنُ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَإِنَّ جِدَّتِي كَانَتْ هَرَوِيَّةَ، فَأَتَانَا بَعْدَ ذَلِكَ بِاللَّحْمِ ثُمَّ خَرَجْنَا مِنْ هُنَاكَ فَزَوَّدَنَا إِلَى أَنْ بَلَغْنَا مِصْرَ. ذِكْرُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُ فِي بَابِ الْعَيْنِ. أَخْبَرَنَا أَبُو ثَابِتٍ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَاتِمٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ الرَّازِيُّ الْمُجَاوِرُ بِمَكَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ، بِالرَّيِّ، فِي جَنَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَكَانَ رَحَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْعِرَاقِ وَسَمِعَ مِنْهُ يَقُولُ: قُلُنْسُوَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنَ السَّمَاءِ، وَمَا هُوَ بِعَجَبٍ، رَجُلٌ مُنْذُ ثَمَانِينَ سَنَةً عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ مَا انْحَرَفَ عَنِ الطَّرِيقِ سَاعَةً وَاحِدَةً.قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَطِيبُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ أَحْمَدَ الْفَرَضِيَّ، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِمَّنْ عَرِفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ذَكَرَ عَنْهُ جَهَالَةً قَطُّ، وَكُنْتُ مُلَازِمًا لَهُ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَمَا رَأَيْتَهُ إِلَّا عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مَا أَنْكَرْتُهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، بَلْ رَأَيْتُهُ صَائِنًا لِنَفْسِهِ وَدِينِهِ وَمُرُوءَتِهِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ بْنَ أَحْمَدَ الْكَيْلِينِيَّ، يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا حَاتِمٍ، قَالَ: وَمَنْ يَقْوَى عَلَى عِبَادَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ ! لَا أَعْرِفُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ذَنْبًا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ: لَمْ يَدَعْنِي أَبِي أَشْتَغِلُ بِالْحَدِيثِ حَتَّى قَرَأْتَ الْقُرْآنَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ، ثُمَّ كَتَبْتَ الْحَدِيثِ. وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَيُصَلِّي التَّرَاوِيحَ بِنَفْسِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ الدِّينَوَرِيَّ، يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ مَشَايخَ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ شَيْبَةً مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مُقْبِلًا عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ صِغَرِهِ، وَالسَّهَرِ بِاللَّيْلِ، وَالذِّكْرِ وَلُزُومِ الطَّهَارَةِ، فَكَسَاهُ اللَّهُ بَهَاءً وَنُورًا، فَكَانَ يُسَرُّ بِهِ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِالْبَغْدَادِيَّ، بِمَكَّةَ يَقُولُ: كَانَ مِنْ مِنَةِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ وُلِدَ بَيْنَ قَمَاطِرِ الْعِلْمِ وَالرِّوَايَاتِ، وَتَرَبَّى بِالْمُذَكِّرَاتِ بَيْنَ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ، فَكَانَا يَزُقَّانَهُ كَمَا يُزَقُّ الْفَرْخُ الصَّغِيرُ، وَيعْنَيَانَ بِهِ فَاجْتَمَعَ لَهُ مَعَ جَوْهَرِ نَفْسِهِ كَثْرَةُ عِنَايَتِهِمَا، ثُمَّ تَمَّتِ النِّعْمَةُ بِرِحْلَتِهِ مَعَ أَبِيهِ، فَأَدْرَكَ الْإِسْنَادَ وَثِقَاتَ الشُّيُوخِ بِالْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَالشَّامِ، وَالثُّغُورِ، وَسَمَعَ بِأَنْبِجَانَةَ، حَتَّى عَرِفَ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ وَتَرَعْرَعَ فِي ذَلِكَ ثُمَّ كَانَتْ رِحْلَتُهُ الثَّانِيَةُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ تَمَكُّنِ مَعْرِفَتِهِ، يُعْرَفُ لَهُ ذَلِكَ وَيُقَدَّمُ لِحُسْنِ فِهْمِهِ وَدِيَانَتِهِ وَقَدِيمِ سَلَفِهِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَحْمَدَ الدَّرَسْتِينِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَقُولُ: سَاعَدَنِي الدَّوْلَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى أَخْرَجَنِي أَبِي سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَمَا احْتَلَمْتُ بَعْدُ، فَلَمَّا أَنْ بَلَغْنَا اللَّيْلَةَ الَّتِي خَرَجْنَا فِيهَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ ذَا الْحَلِيفَةِ، احْتَلَمْتُ فَحَكَيْتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَسُرَّ بِذَلِكَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَيْثُ أَدْرَكْتُ حُجَّةَ الْإِسْلَامِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنِ ابْنِ الْمُقْرِئِ حَدِيثَهُ عَنْ سُفْيَانَ، وَمِنْ مَشَايخِ مَكَّةَ وَالْوَارِدِينَ إِلَيْهَا، وَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمَاتَ ابْنُ الْمُقْرِئِ مِنْ قَابِلِ سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي انْصِرَافِهِ مِنَ الْحَجِّ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ مِنِ ابْنِ سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَمَشَايخِ الْكُوفِيِّينَ مَعَ أَبِيهِ، وَمَشَايِخِ الْوَاسِطِيِّينَ، أَحْمَدَ بْنَسِنَانَ، وَعُدَّةٍ مِنْ مَشَايخِ أَهْلِ وَاسِطٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ بِبَغْدَادَ وَسَامُرَّاءَ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَرَفَةَ، يَقُولُ: أَنَا ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ أَبُوهُ خَالُ أَبِي حَاتِمٍ وَكَانَا كَالْأَخَوَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَلَا شَحْنَاءَ وَلَا بَغْضَاءَ، كَمَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو حَاتِمٍ أَسَنَّ مِنْ أَبِي زُرْعَةَ عَلَى مَا بَلَغَنِي بِخَمْسِ سِنِينَ، وَأَبُو زُرْعَةَ مَاتَ قَبْلَ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَتَيْنِ، وَكَانَ مَسْكَنُهُمَا وَمَسْجِدُهُمَا فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي سِكَّةِ حَنْظَلَةَ. سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْخُوَارَزْمِيَّ، يَقُولُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ إِمَامٌ ابْنُ إِمَامٍ، قَدْ وَلِيَ بَيْنَ إِمَامَيْنِ، أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي زُرْعَةَ إِمَامَيْ هُدَى.