page 1038, entry [635]Open original source
فَصْلٌ فِي سِيرَتِهِ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَزُرُّ ثِيَابَهُ عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْتُ عِمَامَتَهُ قَطُّ إِلَّا تَحْتَ ذَقْنِهِ، وَرَأَيْتُهُ يَكْرَهُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَقَالَ الْمَرْوَذِيُّ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَنَحْنُ بِالْمُعَسْكَرِ فِي يَوْمٍ: ثَمَانٍ مُذْ لَمْ آكُلْ شَيْئًا، وَلَمْ أَشْرَبْ إِلَّا أقَلَّ مِنْ رُبْعِ سَوِيقٍ، وَكَانَ يَمْكُثُ ثَلَاثًا لَا يَطْعَمُ وَأَنَا مَعَهُ، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةَ الرَّابِعَةِ أَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَدْرَ نِصْفِ رُبْعِ سَوِيقٍ فَرُبَّمَا شَرِبَهُ وَرُبَّمَا تَرَكَ بَعْضَهُ، وَكَانَ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَغُمُّهُ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يُفْطِرْ إِلَّا عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَوَاصَلَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، هُوَ الْبُوشَنْجِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حَضَرَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ إِخْوَانِهِ فَاشْتَرَى لَهُمْ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ وَأَطْعَمَهُمْ، وَإِنَّهُ صَبَرَ عَلَى مِقْدَارِ رُبْعِ سَوِيقٍ وَهُوَ الْكَيْلَجَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَهُوَ بِمُعَسْكَرِ الْمُتَوَكِّلِ يَعْتَصِمُ بِذَلِكَ حَتَّى أَتَتْهُ النَّفَقَةُ مِنْ بَغْدَادَ وَلَا يَذُوقُ مِنْ مَائِدَةِ الْمُتَوَكِّلِ. وَقَالَ إِدْرِيسُ الْحَدَّادُ: مَا رَأَيْتُ أَحْمَدَ قَطُّ إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ أَوْ يَقْرَأُ فِي كِتَابٍ، مَا رَأَيْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَقِيلَ: رُبَّمَا اشْتَدَّ بِهِ فَبَقِيَ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ لَا يَأْكُلُ فَإِذَا رَأَى أَهْلَهُ شَرِبَ الْمَاءَ يُوهِمُهُمْ أَنَّهُ شَبْعَانُ.قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَذِيُّ: لَمَّا حَبَسُوا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي السِّجْنِ جَاءَهُ السَّجَّانُ , فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ فِي الظَّلَمَةِ وَأَعْوَانِهِمْ صَحِيحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ السَّجَّانُ: فَأَنَا مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ؟ قَالَ لَهُ: أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ يَأْخُذُ شَعْرَكَ وَيَغْسِلُ ثَوْبَكَ وَيُصْلِحُ طَعَامَكَ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي مِنْكَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَمِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ إِدْرِيسُ الْحَدَّادُ: لَمَّا كَانَ الْمِحْنَةَ وَصُرِفَ أَحْمَدُ إِلَى بَيْتِهِ حُمِلَ إِلَيْهِ مَالٌ جَلِيلٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى رَغِيفٍ يَأْكُلُهُ، فَرَدَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، قَالَ: فَجَعَلَ عَمَّهُ إِسْحَاقَ يَحْسِبُ مَا رَدَّ فَإِذَا هُوَ خَمْسُ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمِّ أَرَاكَ مَشْغُولًا بِحِسَابٍ، فَقَالَ: قَدْ رَدَدْتَ الْيَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَى حَبَّةٍ، فَقَالَ: يَا عَمُّ لَوْ طَلَبْنَا لَمْ يَأْتِنَا وَإِنَّمَا أَتَانَا لَمَّا تَرَكْنَا. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، صَحِبْنَاهُ خَمْسِينَ سَنَةً فَمَا افْتَخَرَ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ.وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الرَّازِيُّ: صِرْنَا مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إِلَى بَابِ الْمُتَوَكِّلِ فَلَمَّا أَدْخَلُوهُ مِنْ بَابِ الْخَاصَّةِ قَالَ لَنَا أَحْمَدُ: انْصَرِفُوا عَافَاكُمُ اللَّهُ، فَمَا مَرِضَ مِنَّا أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَقَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ: أَرْبَعَةٌ لَهُمْ مِنَّةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ حَيْثُ ثَبَتَ فِي الْمِحْنَةِ، فَلَمْ يَقُلْ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ , حَيْثُ بَنَى الْفِقْهَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ ابْنِ سَلَّامٍ , حَيْثُ فَسَّرَ غَرَائِبَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , حَيْثُ بَيَّنَ الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: حُمِلَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِيرَاثُهُ مِنْ مِصْرَ فَحَمَلَ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَلَاثَةَ أَكْيَاسٍ فِي كُلِّ كِيسٍ أَلْفُ دِينَارٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَذِهِ مِنْ مِيرَاثٍ حَلَالٍ فَخُذْهَا فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى عَيْلَتِكَ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَا. أَنَا فِي كِفَايَةٍ فَرَدَّهَا وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهَا شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّسْتُرِيِّ: كَانَ غُلَامٌ مِنَ الصَّيَارِفَةِ يَخْتَلِفُ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَنَاوَلَهُ يَوْمًا دِرْهَمَيْنِ، فَقَالَ: اشْتَرِي بِهِمَا كَاغِدًا، فَخَرَجَ الْغُلَامُ وَاشْتَرَى لَهُ، وَجَعَلَ فِي جَوْفِ الْكَاغِدِ خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ وَشَدَّهُ وَأَوْصَلَهُ إِلَى بَيْتِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَسَأَلَ وَقَالَ أَحْمَدُ: شَيْءٌ مِنَ الْبَيَاضِ، فَقَالُوا: بَلَى، فَوَضَعَ يَدَهُ فَلَمَّا أَنْ فَتَحَهُ تَنَاثَرَ الدَّنَانِيرُفَرَدَّهَا فِي مَكَانِهَا وَسَأَلَ عَنِ الْغُلَامِ حَتَّى دَلَّ عَلَيْهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَبِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: الْكَاغِدُ اشْتَرَيْتُهُ بِدَرَاهِمِكَ خُذْهُ فَإِنِّي لَنْ آخُذَ الْكَاغِدَ أَيْضًا. وَقَالَ الْأَنْمَاطِيُّ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ , وَأَبُو خَيْثَمَةَ , وَجَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَيَذْكُرُونَ فَضَائِلَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَا تُكْثِرُوا، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: وَكَثْرَةُ الثَّنَاءِ عَلَى أَحْمَدَ تُسْتَنْكَرُ! لَوْ جَلَسْنَا مَجَالِسَنَا بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَا فَضَائِلَهُ بِكَمَالِهَا.