page 1172, entry [694]Open original source
٥٨١ - أَحْمَدُ بنُ سَلْمَان (¬١) بنُ الحَسَنِ بنِ إِسْرَائِيْلَ بنِ يُوْنُسَ، أَبُو بَكْرٍالنَّجَّادُ، العَالِمُ، النَّاسِكَ، الوَرعُ، كَانَ لَه في جَامِعَ المَنْصُوْرِ حَلْقَتَانِ؛ قَبْلَ الصَّلَاةِ للفَتْوَى على مَذْهَبِ إِمَامِنَا أَحْمَدَ، وبَعْدَ الصَّلَاةِ لإمْلَاءِ الحَدِيْثِ، اتَّسَعَتْ رَوَايَاتُهُ، وانْتَشَرَتْ أَحَادِيْثُهُ ومُصَنَّفَاتُهُ، سَمِعَ الحَسَنَ بنَ مُكرَمٍ، ويَحْيَى بنُ أَبِي طَالِبٍ، وأَحْمَدَ بنَ مُلَاعِبٍ، وأَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ، وإِبْرَاهِيمَ الحَرْبِيَّ، وعبدَ الله بنَ إِمَامِنَا أَحمدَ، وهَارُونَ الهَاشِمِيَّ، ومُعَاذَ بنَ المُثَنَّى، ومُحَمَّدَ بنَ إِسْمَاعِيْلَ السُّلَمِيَّ، وأَبَا يَحْيَى النَّاقِدَ، ويَعْقُوْبَ المُطَوّعِيَّ، وبِشْرَ بنَ مُوْسَى، وغَيْرِهِمْ.رَوَى عَنْهُ ابنُ مَالِكٍ، وعُمَرُ بنُ شَاهِيْنَ، وابنُ بَطَّةَ، وصَاحِبُهُ أَبُو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ، وأَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ حَامِدٍ، وأَبُو الفَضلِ التَّمِيْمِيُّ. قَالَ أَبُو عَلِيِّ بنُ الصَّوَّافِ: كَانَ أَحْمَدُ بنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ يَجِيْءُ مَعَنَا إِلَى المُحَدِّثِيْنَ؛ إلَى بِشْرِ بنِ مُوْسَى وغَيْرِهِ ونَعْلُهُ في يَدِهِ، فَقِيْلَ لَهُ: لِمَ لَا تَلْبَسُ نَعْلَكَ؟ قَالَ: أُحِبُّ أَنْ أَمْشِيَ في طَلَبِ حَدِيْثِ رَسُوْلُ الله ﷺ. وأَنَا حَافٍ، فَلَعَلَّهُ ذَهَبَ إِلَى قَوْلهِ ﷺ: "ألَا أَنبئُكُمْ بِأَخَفِّ النَّاسِ - يَعْنِي حِسَابًا - يَوْمَ القِيَامَةِ بينَ يَدَي المَلِكِ الجَبَّارِ المُسَارعُ إلَى الخَيْرَاتِ، مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا، أخْبَرَنِي جِبريْلُ أنَّ الله ﷿ نَاظِرٌ إلى عَبْدٍ يَمْثسِي حَافِيًا في طَلَبِ الخَيْرِ" (¬١) وَقَالَ أَبُو إسْحاَقَ الطَّبَرِيُّ: كانَ النَّجَّادُ يَصُوْمُ الدَّهْرَ، ويُفْطِرُ كلَّ لَيْلَةٍ على رَغِيْفٍ، ويَتْرُكُ مِنْه لُقْمَةً، فَإِذَا كَانَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ تَصَدَّقَ بِذلِكَ الرَّغِيْفِ، وأَكَلَ تِلْكَ اللُّقَمِ، الَّتِي استَفْضَلَهَا. قُلْتُ أَنَا: وكانَ إِذَا أَمْلَى الحَدِيْثَ في جَامِعَ المَنْصُوْرِ يَكْثُرُ النَّاسُ في حَلْقَتِهِ حَتَّى يُغْلَقَ بَابَانَ (¬٢) من أَبْوَابِ الجَامِع مِمَّا يَلِيَانِ حَلْقَتَهُ، وكانَ يُمْلِي في حَلْقَةِ عَبْدِ الله بنِ إِمَامِنَا، وفِيْهَا كَانَ يُمْلِي ابنُ مَالِكٍ. وقَالَ أبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ: ضِقْتُ وَقْتًا مِنَ الزَّمَانِ، فَمَضَيْتُ إِلَى إِبْرَاهِيْمَ الحَرْبِيِّ فَذَكَرْتُ لَه قِصَّتِي فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّنِي ضِقْتُ يَوْمَّا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعِي إلَّاقِيْرَاطٌ، فَقَالَتْ الزَّوْجَةُ: فَتِّشْ كُتُبَكَ، وانْظُرْ مَا لا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَبِعْهُ، فَلَمَّا صَلَّيْتُ العِشَاءَ الآخِرَةَ جَلَسْتُ في الدِّهْلِيْز أَكْتُبُ، إِذْ طَرَقَ البَابُ طارقٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: كَلِّمْنِي، فَفَتَحْتُ البَّابَ، فَقَالَ لِي: أَطْفِئِ السِّرَاجَ، فَطَفَيْتُهَا، فَدَخَلَ الدِّهْلِيْزَ، فَوَضَعَ فِيْه كَارةً (¬١) وقَالَ لِي: اعْلَمْ أَنَّنَا أَصْلَحْنَا للصِّبْيَانِ طَعَامًا فَأَحْبَبْنَا أَنْ يَكُوْنَ لَكَ وللصِّبْيَانِ فيه نَصِيْبٌ، وهَذَا أَيْضًا شَيْءٌ آخرُ، فَوَضَعَهُ إلى جَانِبِ الكَارَةِ، وقَالَ: تَصْرِفْهُ في حَاجَتِكَ، وأَنَا لَا أَعْرِفُ الرَّجُلَ، وتَرَكَنِي وانْصَرَفَ، فَدَعَوْتُ الزَّوْجَةَ، وقُلْتُ لَهِا: أَسْرِجِيْ، فَأَسْرَجَتْ، وجَاءَتْ، وإِذَا الكَارَةُ مِنْديلٌ له قِيْمَةٌ، وفيه خَمْسُوْنَ وَسَطًا، في كُلِّ وَسَطٍ لَوْنٌ مِنَ الطَّعَامِ، وإِلَى جَانِبِ الكَارَةِ كِيْسٌ فيه ألْفُ دِيْنَارٍ، قَالَ النَّجَّادُ: فَقُمْتُ من عِنْدِهِ، ومَضَيْتُ إِلَى قَبْرِ أَحْمَدَ فَزُرْتُهُ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي على جَانِبِ الخَنْدَقِ، إِذْ لَقِيَتْنِي عَجُوْزٌ من جِيْرَانِنَا فَقَالَتْ لِي: يا أَحْمَدُ؟ فَأَجَبْتُهَا، فَقَالَتْ: مَا لَكَ مَغْمُوْمٌ؟ فَأَخْبَرْتُهَا، فَقَالَتْ لِي: اعْلَمْ أَنَّ أُمَّكَ أَعْطَتْنِي قَبْلَ مَوْتهَا ثَلَاثَمَائِةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَتْ لي: أَخبِئِي هَذِهِ عِنْدَكَ، فَإِذَا رَأيْتِ ابْنِي مَضِيْقًا مَغْمُومًا، فَأَعْطِيْهِ إِيَّاهَا، فَتَعَالَ مَعِي حَتَّى أُعْطِيَكَ إِيَّاهَا، فَمَضَيْتُ مَعَهَا، فَدَفَعَتْهَا إِلَيَّ. حَدَّثَنَا جَدِّي لأُمِّي جَابِرٌ - رَحِمَنَا اللهُ وإِيَّاهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِي الحَسَنُ بنُ عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ سَلْمَان النَّجَّادُ، وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهابنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ وإِسْحَاقَ بنُ إِسْمَاعِيْلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيْرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عُثْمَانَ بن أَبِي حُمَيْدٍ، عن أَنَسِ بن مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ يقُوْلُ (¬١): "أَتَانِي جِبريْلُ، وفي كَفِّهِ كالمِرْآةِ البَيْضَاءِ، فِيْهَا كالنُّكْتَةُ السَّوْدَاءِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا في يَدِكَ؟ قَالَ: هَذِه الجُمُعَةُ، قُلْتُ: وَمَا الجُمُعَةُ؟ قَالَ: لَكُمْ فِيْهَا خَيْرٌ، قُلْتُ: وَمَا لَنَا فِيْهَا؟ فَقَالَ: تَكُوْنُ عِيْدًا لَكَ ولأمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ، وتَكُوْنُ اليَهُوْدُ والنَّصَارَى تَبعًا لَكَ، قَالَ: ولَكُمْ فِيْهَا سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا - هُوَ لَهُ قَسْمٌ - إلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ. ويَتَعَوَّذُ باللهِ من شَرِّ ما هُو عَلَيْه مَكْتُوبٌ إلَّا فُكَّ عَنْهُ من البلَاءِ ما هو أعظمُ منه، قَالَ: وهو عِنْدَنَا سَيِّدُ الأيَّامِ، ونَحْنُ نُسَمِّيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَوْمَ المَزِيْدِ" وذَكَرَ الخَبَرَ. وأنْبأنَا عَلِيٌّ، عن ابنِ بَطَّةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، حدَّثَنِي هَارُوْنُ بنُ العَبَّاسِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحْمَن بنُ شَرِيْكٍ، حدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى القَتَّاتُ، عَنْ مُجَاهِدٍ. قَالَ النَّجَّادُ: وحَدَّثَنَا مُعَاذُ ابنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بنُ أَسْلَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا محمَّدُ بن فُضَيْلٍ (¬٢)، عَنْ لَيْثٍ، عن مُجَاهِدٍ - كُلُّهم - قَالَ فِي قَوْلِ الله ﷿ (¬٣): ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ قال: "يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى العَرْشِ" (¬٤). قَالَ النَّجَّادُ:وَسَألتُ أَبَا يَحْيَى النَّاقِدَ ويَعْقُوْبَ المُطَوّعِيَّ وعبدَ اللهِ بنَ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وجَمَاعَةً من شُيُوْخِنَا؟ فَحَدَّثُوْنِي بحَدِيْثِ مُحَمَّدِ بنِ فُضَيْلٍ، عَن لَيْثٍ، عن مُجَاهِدٍ، وسَألتُ أَبَا الحَسَنِ العَطًّارِ عن ذلِكَ؟ فَحَدَّثَنِي بحديثِ مُجَاهِدٍ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ مُصْعَبٍ العَابِدَ يَقُوْلُ هَذَا، حَتَّى تَرَى الخَلَائِقَ مَنْزِلَتَهُ ﷺ عندَ رَبِّهِ ﵎، وكَرَامَتَهُ لَدِيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ مُحمَّدٌ ﷺ إلى غُرَفِهِ وَجَنَّاتِهِ وأَزْوَاجِهِ، ثُمَّ يَنْفَرِدُ ﷿ برُبُوبِيَّتِهِ. قَالَ النَّجَّادُ: ثمَّ نَظَرْتُ في كِتَابِ أَحْمَدَ بنِ الحَجَّاجِ المَرُّوذِيِّ (¬١)، - وَهو إِمَامُنَا وقُدْوَتُنَا والحُجَّةُ لَنَا في ذلِكَ - فَوَجَدْتُ فيه مَا قَدْ ذَكَرَهُ من رَدِّ حَدِيْثِ عَبْدِ الله بنِ سَلَامٍ ومُجَاهِدٍ، وذَكَرَ أَسْمَاءَ الشُّيُوخِ الَّذِيْنَ أَنكَرُوا عَلَى مَنْ رَدَّ ذلِكَ، أوْ عَارَضَهُ. قَالَ النَّجَّادُ: فالَّذِي نَدِيْنُ اللهَ تَعَالَى بِهِ، ونَعْتَقِدُهُ، مَا قَدْ رَسَمْنَاهُ وبَيَّنَّاهُ مِنْ مَعَانِي الأحَادِيْثِ المُسْنَدَةِ عَنْ رَسُوْلِ الله ﷺ، ومَا قَالَهُ عَبدُ الله بنُ العبَّاسِ ومَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وأَخُذُوا بِهِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وجِيْلًا عَنْ جِيْلٍ، إِلَى وَقْتِ شُيُوْخِنَا، في تَفْسِيْر قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أَنَّ المَقَامَ المَحْمُودَ هو قُعُوْدُهُ ﷺ مَعَ رَبِّه عَلَى العَرْشِ،وكانَ مَنْ (¬١) جَحَدَ ذلِكَ وتَكَلَّمَ فِيْهِ بالمُعَارَضَةِ إِنَّمَا يُرِيْدُ بِكَلَامِهِ في ذلِكَ كَلَامَ الجَهْمِيَّةِ، يُجَانَبُ ويُبَايَنُ، ويُحَذَّرُ عَنْهُ، وكذلِكَ أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الكاتبُ عن أَبي دَاوُدَ السِّجِسْتانِيُّ أَنّه قَالَ: مَنْ رَدَّ حَدِيْثَ مُجَاهِدٍ فهو جَهْمِيٌّ. وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ صُهَيْبٍ وجَمَاعَةٌ من شُيُوخِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ الدَّقِيْقِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيْثَ مُنْذُ خَمْسِيْن سَنَةً، مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يُنْكِرُهُ، إِنَّمَا يُكَاذِبُهُ الزَّنَادِقَةُ والجَهْمِيَّةُ. قَالَ النَّجَّادُ: وَذَكَرَ لنَا أَبُو إسْمَاعِيْلَ السُّلَمِيُّ أَمرَ التِّرْمِذِيِّ الَّذي رَدَّ فَضِيْلَةَ النَّبِيِّ ﷺ وصَغَّرَ أَمْرَهُ، وَقَالَ: لَا يُومِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ. قَالَ النَّجَّادُ: وعَلَى ذلِكَ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ شُيُوْخِنَا أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ الله أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّد بنِ حَنْبَلٍ، فإِنَّهُمْ مُنْكِرُوْنَ عَلَى مَنْ رَدَّ هَذِهِ الفَضِيْلَةَ، وَلَقَدْ بَيَّن اللهُ ذلِكَ على أَلْسِنَةِ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى تَقَادُمِ الأيَّامِ، فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ بالقَبُوْلِ، فَلَا أَحَدَ يُنْكِرُ ذلِكَ ولَا يُنَارخُ فِيْهِ. قَالَ النَّجَّادُ: فَبِذلِكَ أَقُوْلُ: ولوْ أَنَّ حَالِفًا حَلَفَ بالطَّلَاقِ ثَلَاثًا أَنَّ اللهَ يُقْعِدُ مُحَمَّدًا ﷺ مَعَهُ على العَرْشِ، واستَفْتَانِي في يَمِيْنِهِ، لَقُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ في قَوْلِكَ، وبَرَرَتَ في يَمِيْنِكَ، وامْرَأَتُكَ عَلَى حَالِهَا، فَهَذَا مَذْهَبُنَا، ودِيْنُنَا، واعتِقَادُنَا، وعَلَيْهِ نَشَأْنَا، ونحنُ عَليه إِلَى أَنْ نَمُوْتَ إنْ شَاءَ اللهُ، فَلَزِمَنَا الإنكارُ عَلَى مَنْ رَدَّ هَذِهِ الفَضِيْلَةَ الَّتِي قَالَهَا العُلَمَاءُ، وتَلَقَّوْهَا بالقَبُوْلِ، فَمَنْ رَدَّهَا فهو مِنَ الفِرَقِ الهالِكَةِ.قَرَأْتُ بِخَطِّ الوَالِدِ السَّعِيْدِ قَالَ: حَكَى القَاضِي أَبُو عَلِيِّ بنِ أَبي مُوْسَى عَنْ أَبي بَكْرٍ النَّجَّادِ، أَنّه قَالَ: رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ ﷿ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةَّ، مِنْهَا بالسُّنَّةِ تِسْعَ مَرَّاتٍ، في لَيْلَةِ المِعْرَاجِ، حَيْنَ كَانَ يتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى ﵇ وبَيْنَ رَبِّه ﷿ يَسْأَلُهُ أَنْ يُخَفِّفَ عن أُمَّتِهِ الصَّلَاةَ، فَنَقَّصَ خَمْسًا وأَرْبَعِيْنَ صَلَاةً، في تِسْعِ مَقَامَاتٍ، ومَرَّتَيْنِ بالكِتَابِ. وقَالَ أَبُو عَلِيِّ بنُ الصَّوَّافِ: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حُبِيْشٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ القُرْآنِ رَأى في المَنَامِ في مَسْجِد نَهْرِ طَابِقٍ (¬١) كَأَنَّهُ بأَبِي مُحَمَّدٍ الجُنَيْدِ، وبأَبِي الحَسَنِ بنِ بَشَّارٍ، وهُمَا في المَسْجِدِ، إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِمَا رَجُلٌ شَابٌّ، كانَ يُصَلِّي مَعَهُمَا في المَسْجِدِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا واحتَضَنَهُمَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، وهو مُكْتَئِبٌ حَزِيْن، يَبْكِي ويَتَضَرَّعُ في سُجُوْدِهِ إِلَى الله ﷿، قُلْتُ للخُلْدِيِّ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لِي: النَّبِيُّ ﷺ، يَبْكِي ويَتَضَرَّعُ، فَأَقْبَلْتُ عَلَى الخُلْدِيِّ، فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ لِي مَا هُمْ فيه، حَتَّى أُخْبِرَهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لجَعْفَرٍ الخُلْدِيِّ: قُلْ لِلرَّجُلِ يَقُوْلُ لأمَّتِي: يَمْضْونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ سَلْمَانَ الفَقِيْهُ النَّجَّادُ لِيَخْرُجَ بِهِمْ، وقُلْ: أَيُّهَا الرَّجُلُ للإمَامِ - يَعْنِي الخَلَيْفَةَ - يَجِيْءُ إِلَيْهِ، فيَسْتَنْهِضُهُ مِنْ مَنْزِلهِ، ويَخْرُجُ مَعَهُ لِيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِيْنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ الأمْرُ الَّذِي هُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ، لَابُدَّ لَهُمْ مِنْهُ، أَو يُقْلِعُوا عَن الزِّنَى، واللِّوَاطِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، ونَقْضِ العُهُوْدِ، وَعَنِ الرِّبَا، وسَبِّ أَصْحَابِي، فإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ذلِكَ ويُقْلِعُوا، ويَتُوْبُوا، حَلَّ بِهِمْ الأمْرُ،قَالَ الرَّجُلُ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِيْن، هِيَ أَمَانَةٌ للهِ ﷿ لَازِمَةٌ لِي، وقَدْ أَخْرَجْتُهَا مِنْ عُنُقِي إِلَى أَعْنَاقِكُمْ، وأَنْتُمْ المُقَلَّدُوْنَ لَهَا، قَدْ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ، فاعْمَلُواْ عَلَيْهِ بحِسْبَةٍ. والرُّؤْيَا في لَيْلَةِ أَحَدِ، لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ ثَمانٍ وأَرْبَعِيْنَ وثَلَاثِمَائَةَ، والقَصْدُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ النَّجَّادِ في ذلِكَ. وتُوُفِّي وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرٍ بَقِيْنَ مِنْ ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَاني وأَرْبَعِيْنَ وثَلَاثَمَائَةَ، ودُفِنَ صَبِيْحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، عَنْدَ قَبْرِ بِشْرِ بنِ الحَارِثِ، وعَاشَ (¬١) خَمْسًا وتسْعِيْنَ سَنَةً. قال (¬٢) ابنُ أَبِي الفَوَارِسِ: يُقَالُ إِنَّ مَوْلدَ أَبِي بَكْرِ النَجَّادِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وخَمْسِيْنَ ومَائَتَيْنِ.