page 847, entry [1062]Open original source
فَصْلٌ: في ذِكر بَعْض وَصَايَاهُ وَأَحْوَالِه قال أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بن القَاسِم الطُّوْسِيُّ: "دَخَلْتُ عَلَى مُحَمَّد بن أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِنيسَابُور، فقال: يَا أَبَا عَبْدِ الله، تَعَالَ أُبَشِّرْكَ بِمَا صَنَعَ اللهُ بِأَخِيكَ مِنَ الخَيْرِ، قَدْ نَزَلَ بِيَ المَوْتُ، وَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيَّ أنَّهُ مَا لِي دِرْهَمٌ يُحَاسِبُنِي اللهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: أَغْلِقِ البَابَ، وَلا تَأْذنْ لأَحَدٍ حَتَّى أَمُوتَ، وَتَدفِنُونَ كُتُبِي، وَاعْلَمْ أَنِّي أَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيَا وَلَيْسَ أَدَعُ مِيْرَاثًا غَيْرَ كِسَائِي وَلبْدِي وَإِنَائِي الَّذِي أَتَوَضَّأُ فِيهِ وَكُتُبِي هَذِهِ، فَلا تُكَلِّفُوا النَّاسَ مُؤْنَةً. وَكَانَ مَعَهُ صرَّةٌ فِيْهَا نَحْوُ ثَلاثِيْنَ دِرْهَمًا، فَقَالَ: هَذَا لابْنِي، أَهدَاهُ قَرِيْبٌ لَهُ، وَلا أَعْلَمُ شَيْئًا أَحَلَّ لِي مِنْهُ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيْكَ" (١). وَقَالَ: "أَطْيَبُ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ" (٢). فَكَفِّنُونِي مِنْهَا، فَإِنْ أَصَبْتُمْ لِي بِعَشَرَةٍ مَا يَسْتُرُ عَورَتِي، فَلا تَشتَرُوا بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَابْسُطُوا عَلَى جِنَازَتِي لِبْدِي، وَغَطُّوا عَلَيْهَا كِسَائِي، وَأَعْطُوا إِنَائِي مِسْكِيْنًا. ثُمَّ مَاتَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ. فَعَجِبْتُ أَنْ قَالَ لِي ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَلَمَّا أُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ جَعَلَ النِّسَاءُ يَقُلْنَ مِنْ فَوْقِ السُّطُوحِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَهَذَا مِيرَاثُهُ الَّذِي عَلَى جِنَازَتهِ لَيْسَ مِثْلُ عُلَمَائِنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ عَبِيدُ بُطُونِهِمْ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْلِلْعِلْمِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَيَشْتَرِي الضِّيَاعَ وَيَسْتَفِيدُ الْمَالَ! وَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ الله، أَنَا مَعَكُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعِي فِي قَمِيصِي مَنْ يَشْهَدُ عَلَيَّ، فَكَيْفَ يَنْبَغِي لِي أَنْ آتِيَ الذُّنُوبَ؟ ! إِنَّمَا يَعْمَلُ الذُّنُوبَ جَاهِلٌ يَنْظر فَلَا يَرَى أَحَدًا فَيَقُولُ: لَيْسَ يَرَانِي أَحَدٌ، أَذْهَبُ فَأُذْنِبُ! فَأَمَّا أَنَا كَيْفَ يُمْكِنُنِي ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ دَاخِلَ قَمِيصِي مَنْ يَشْهَدُ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، مَا لِي وَلِهَذَا الْخَلْقِ، كُنْتُ فِي صُلْبِ أَبِي وَحْدِي، ثُمَّ صِرْتُ فِي بَطْنِ أُمِّي وَحْدِي، ثُمَّ دَخَلْتُ الدُّنْيَا وَحْدِي، ثُمَّ تُقْبَضُ رُوحِي وَحْدِي، وَأَدْخُلُ فِي قَبْرِي وَحْدِي، ويَأْتِينِي مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ فَيَسْأَلَانِي فِي قَبْرِي وَحْدِي، فَإِنْ صِرْتُ إِلَى خَيْرٍ صِرْتُ وَحْدِي؛ وَإِنْ صِرْتُ إِلَى شَرٍّ كُنْتُ وَحْدِي، ثُمَّ أُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه وَحْدِي، ثُمَّ يُوضَعُ عَمَلي وَذُنُوبِي فِي المِيزَانِ وَحْدِي، وَإِنْ بُعِثْتُ إِلَى الْجَنَّةِ بُعِثْتُ وَحْدِي، وَإِنْ بُعِثْتُ إِلَى النَّارِ بُعِثْتُ وَحْدِي، فَمَا لِي وَللنَّاسِ، ثُمَّ تَفَكَّرَ سَاعَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ الرِّعْدَةُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يَسْقُطَ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ. ثُمَّ قال لي: يَا أَبَا عَبْدِ الله، إِنَّ هَؤُلاءِ قَدْ كَتَبُوا رَأْيَ أبي حَنِيفَة، وَكَتَبْتُ أَنَا الأَثَرَ، فَأَنَا عِنْدَهُم عَلَى غَيْرِ الطَّرَيْقِ، وَهُم عِنْدِي عَلَى غَيْرِ الطَّرِيْقِ، أَصْلُ الفَرَائِضِ فِي حَرْفَيْنِ: مَا قَالَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ: افْعَلْ، فَهُوَ فَرِيْضَةٌ، يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ، وَمَا قَالَ اللهُ وَرَسُولهُ: لا تَفْعَلْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْتَهَى عَنْهُ، وَتَرْكُهُ فَرِيْضَةٌ، وَهَذَا فِي القُرْآنِ، وَفِي فَرِيْضَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُمْ يَقْرَؤُونَهُ، وَلَكِنْ لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِم حُبُّ الدُّنْيَا. صَحِبتُ مُحَمَّدَ بن أَسْلَمَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِيْنَ سَنَةً، لَمْ أَرَهُ يُصَلِّي حَيْثُ أَرَاهُ رَكْعَتَيْنِ مِنَ التَّطَوُّعِ إِلَاّ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَسَمِعتُهُ كَذَا وَكَذَا مَرَّةً يَحْلِفُ: لَوْ قَدِرت أَنْأَتَطَوَّعَ حَيْثُ لا يَرَانِي مَلَكَايَ، لَفَعَلْتُ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْيَسِيرُ مِنَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ" (١)، ثُمَّ أَخَذَ حَجَرًا صَغِيرًا فَوَضَعَهُ عَلَى كَفِّهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا حَجَرًا؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: أَوَ لَيْسَ هَذَا الْجَبَلُ حَجَرًا؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَالاسْمُ يَقَعُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ أنَّهُ حَجَرٌ؛ فَكَذَلِكَ الرِّيَاءُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ شِرْكٌ. وَكَانَ يَدخُلُ بَيتًا لَهُ، وَيُغْلِقُ بَابَهُ، وَلَمْ أَدرِ مَا يَصْنَعُ، حَتَّى سَمِعْتُ ابْنًا لَهُ صَغِيْرًا يَحكِي بُكَاءهُ، فَنَهَتْهُ أُمُّهُ، فَقُلْتُ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا الحسَنِ يَدخُلُ هَذَا البَيْتَ، فَيَقْرأُ، وَيَبْكِي، فَيَسْمَعُهُ الصَّبِيُّ، فَيَحْكِيهِ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، غَسَلَ وَجْهَهُ، وَاكتَحَلَ، فَلا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ البُكَاءِ. وَكَانَ يَصِلُ قَوْمًا، وَيَكسُوهُمْ، وَيَقُولُ لِلرَّسُوْلِ: انظُرْ أَنْ لَا يَعلَمُوا مَنْ بَعَثَهُ، فَيَأْتِيْهِمْ هُوَ بِاللَّيْلِ؛ فَيَذْهَبُ بِهِ إِلَيْهِمْ، وَيُخْفِي نَفْسَهُ، فَرُبَّمَا يَلي ثَيَابُهُمْ، وَنَفِدَ مَا عِنْدَهُمْ، ولا يَدْرُوْن مَنِ الَّذي أَعْطَاهُمْ، وَلا أَعلَمُ - مُنْذُ صَحِبْتُهُ - وَصَلَ أَحَدًا بِأَقَلَّ مِنْ مائَةِ دِرْهَمٍ، إِلَاّ أَنْ لا يُمْكِنَهُ ذَلِكَ. وَأَكَلْتُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ذَاتَ يَوْمٍ ثَرِيدًا فِي بَرَدٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الحسَنِ، مَا لَكَ تَأْتِينِي بِثَرِيدٍ بَارِدٍ؟ ! هَكَذَا تَأْكُلُهُ؟ ! قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الله، إِنِّي إِنَّمَا طَلَبْتُ الْعِلْمَ لِأَعْمَلَ بِهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "لَيْسَ فِي الْحَارِّ بَرَكَةٌ" (٢).وَكُنْتُ أَخْبِزُ لَهُ فَمَا نَخَلْتُ لَهُ دَقِيقًا قَطُّ إِلَّا أَغْضَبَهُ، وَكَانَ يَقُولُ لِي: اشتَرِ لِي شَعِيرًا أَسوَدَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الكَنِيفِ، وَلا تَشْتَرِ لِي إِلَّا مَا يَكفِيْنِي يَوْمًا بِيَوْمٍ. وَأَرَدْتُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى بَعْضِ الْقُرَى وَلَا أَرْجِعَ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَاشْتَرَيْتُ لَهُ عِدْلَ شَعِيرٍ أَبْيَضَ جَيِّدًا؛ فَنَقَّيْتُهُ وَطَحَنْتُهُ؛ ثمَّ أَتَيْتُهُ بِهِ فَقُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى بَعْضِ الْقُرَى فَأَغِيبَ فِيهِ، وَاشْتَرَيْتُ لَكَ هَذَا الطَّعَامَ لِتَأْكُلَ مِنْهُ حَتَّى أَرْجِعَ، فَقَالَ لِي: نَقَّيْتَهُ لِي وَجَوَّدْتَهُ لِي؟ ! قُلْتُ: نَعَمْ. فتغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تَنَوَّقْتَ فِيهِ، فَأَطْعِمْهُ نَفْسَكَ، لَعَلَّ لَكَ عِنْدَ اللهِ أَعْمَالًا تَحتَمِلُ أَنْ تُطْعِمَ نَفْسَكَ النَّقِيَّ، وَأَمَّا أَنَا، فَقَدْ سِرْتُ فِي الأَرْضِ، وَدُرْتُ فِيْهَا، فَبِالله مَا رَأَيْتُ نَفْسًا تُصلِّي أَشَرَّ عِنْدِي مِنْ نَفْسِي، فَبِمَا أَحتَجُّ عِنْدَ الله إِنْ أَطعَمتُهَا النَّقِيَّ؟ ! خُذْ هَذَا الطَّعَامَ، وَاشتَرِ لِي كُل يَوْمٍ بِقِطعَةٍ شَعِيْرًا رَدِيْئًا، إِنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى الْكَنِيفِ! ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكُمْ: أَنْتُمْ لَا تَعْرِفُونَ الْكَنِيْفَ؟ ! لَا أَعْلَمُ فِيكُمْ مَنْ يُبْصِرُ بِقَلْبِهِ، لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا كَانَ يَبِيعُ بَيْعًا فَجَاءَهُ رَجُلٌ بِدَرَاهِمَ، فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ تُعْطِيَنِي مِنْ جَيِّدِ بَيْعِكَ، فَإِنِّي أُرِيدُهُ لَلْكَنِيف، تَضْحَكُونَ مِنْهُ وَتَقُولُونَ: هَذَا مَجْنُونٌ؛ فَكَيْفَ لَا تَضْحَكُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمُ، احْفِرُوا حَفْرًا وَاجْعَلُوا فِيهَا مَاءً وَطَعَامًا وَانْظُرُوا هَلْ يَنْتِنُ فِي شَهْرٍ، وَأَنْتُمْ تَجْعَلُونَهُ فِي بُطُونِكُمْ فَيَنْتَنُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَالْكَنِيفُ هُوَ الْبَطْنُ. ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ وَاشتَرِ لِي رَحى، فَجِئْنِي بِهِ حَتَّى أَطحَنَ بِيَدِي وَآكُلَهُ، لَعَلِّي أَبلُغُ مَا كَانَ فِيهِ عَليٌّ وَفَاطِمَةُ ﵄. إِنَّهُ كَانَ يَطْحَنُ بِيَدِهِ. وَوُلدَ لَهُ ابْنٌ، فَدَفَعَ إِلَيَّ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: اشتَرِ كَبْشَيْنِ عَظِيْمَينِ، وَغَالِ بِهِمَا، وَاشتَرِ بِعَشَرَةٍ دَقِيْقًا، وَاخْبِزْهُ، فَفَعَلتُ، وَنَخَلتُهُ، فَأَعطَانِي عَشَرَةً أُخَرَ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِهِ دَقِيْقًا، وَلا تَنْخُلْهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ العَقِيقَةَ سُنَّةٌ، وَنَخْلُ الدَّقِيقِ بِدْعَةٌ، وَلا يَنْبَغِي أَنْيَكُوْنَ فِي السُّنَّةِ بِدْعَةٌ". مُصَنَّفَاتُهُ: "كتَاب الأَرْبَعِيْن": طُبعَ بِتَحْقِيق الأُسْتَاذ مِشْعَل بن بَانِي الجِبْرِيْن المُطَيْرِي، ونَشَرَتْهُ دَار ابن حَزْم بَيْرُوت. "كتَاب الإِيمَان": ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْم في "الحِلْيَة" (١). "كِتَاب الرَّد عَلَى الجَهْمِيَّة": ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْم في "الحِلْيَة" (٢)، والذَّهَبِي في "النُّبَلاء". "كِتَاب السُّنَن": ذَكَرَهُ عَبْد الغَافِر الفَارِسِي في "السِّيَاق" كَمَا في "المُنْتَخَب" (٣)، والسَّمْعَانِي في "المُنْتَخَب مِنْ مُعْجَم شُيُوخِه" (٤). "طُرُق حَدِيث قَبْض العِلْم": ذَكَرَهُ الكَتَّانِي في "الرِّسَالَة المُسْتَطْرَفَة" (٥). "المُسْنَد": ذَكَرَهُ ابن نُقْطَة في "تَكْمِلَة الإِكْمَال" (٦)، و"التَّقْيِيد" (٧)، وعَبْد الكَرِيم بن مُحَمَّد الرَّافِعِي في "التَّدْوِيْن"، والذَّهَبِي في "النُّبَلاء"، و"العِبَر" وَغَيْرِهِمَا.