page 1341, entry [917]Open original source
التعليق: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.وأخرجه البخاري في صحيحه (٥٠٦٧) من طريق هشام بن يوسف، وأحمد (١/ ٢٣١) و (١/ ٣٤٩) من طريق جعفر بن عون، ومحمد بن بكر، وعبد الرزاق في مصنفه (٦٢٥٢) وإسحاق بن راهويه (٢٠٣٣) من طريق محمد بن بكر، وابن سعد (٨/ ١٤٠) من طريق الواقدي، وأبو نعيم في مستخرجه (٣٤٣٣) من طريق محمد بن بكر وأبي عاصم وحجاج، والطبراني في الكبير (١١٤٢٦) من طريق عبد الرزاق، والبيهقي (٧/ ٧٣) من طريق جعفر بن عون، والأزرقي في أخبار مكة (٢/ ٢١٣) من طريق الزنجي ثمانيتهم (محمد بن بكر، وهشام بن يوسف، وجعفر بن عون، وعبد الرزاق، والواقدي، وأبو عاصم، وحجاج، والزنجي) عن ابن جريج به. ورواية الإمام البخاري مختصرة إلى قوله (ولا يقسم لواحدة) ولم يذكر قول عطاء أنها صفية ولا قوله كانت آخرهن موتاً .. ورواية بعضهم إلى قوله أنها صفية ولم يذكروا قول عطاء كانت آخرهن موتاً ماتت بالمدينة. وقد وهم ابن جريج في هذا المتن في موضعين: الأول: قوله أن التي لا يقسم لها النبي ﷺ صفية. خالفه عمرو بن دينار فرواه عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: توفي رسول الله ﷺ وعنده تسعة نسوة يصيبهن إلا سودة فإنها وهبت يومها وليلتها لعائشة (¬١) وهذا هو الصحيح. فقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنسودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (¬١). ورد في رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ (¬٢). فقول عائشة ﵂ في حديث الزهري (وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها) شامل كل نساء النبي ﷺ، ثم إنها استثنت فقالت (غير أن سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة) فأبانت أن التي لم يقسم لها هي سودة لأنها وهبت يومها لعائشة. وجاء تأكيد ذلك في رواية أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في أنه كان يقسم لكل امرأة منهن وبيان سبب هبة سودة لعائشة يومها وليلتها فقال: قالت عائشة: يا ابن أختي كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا … ، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنّت وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ منها، قالت: تقول: في ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها أراه قال: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا … (١٢٨)﴾ (¬٣). وروى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵁قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، ففعل فنزلت هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا … (١٢٨)﴾ … ﴾ (¬١). قال الحافظ بعد أن ذكر هذه الروايات وغيرها (فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت) (¬٢). قال الطحاوي: «قد كان أشكل عليّ المعنى الذي به لم يكن يَقسم لصفية حتى سألت عنه غير واحد ممن يُسأل عن مثله فما وجدت عندهم فيه شيئاً حتى وقفت أنا على أن ابن جُريج غلط في المرأة التي كان النبي ﷺ لا يقسم لها من نسائه فإنه ذكر أنها صفية ولم تكن صفية ولكنها سَوْدة كما حدثنا ابن أبي مريم قال: ثني سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثني عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: توفي رسول الله ﷺ وعنده تسعة نسوة يصيبهن إلا سَودة فإنها وهبت يومها وليلتها لعائشة ﵅ جميعاً، فوقفت بذلك على أن المرأة التي كان لا يقسم لها إنما كانت سودة، وأن ذلك إنما كان منه بطيب نفسها» (¬٣). قال الخطابي: هذا وهم إنما هي سودة لأنها كانت وهبت يومها والغلط فيه من ابن جريج (¬٤).قال النووي: قال العلماء: هو وهم من ابن جريج الراوي عن عطاء وإنما الصواب سودة (¬١). قال القرطبي: وهم في قوله أن التي لا يقسم لها هي صفية، فإن المشهور التي لا يقسم لها هي سودة وهبت يومها لعائشة (¬٢). وقال الحافظ: يترجح أن مراد ابن عباس بالتي لا يقسم لها سودة، كما قال الطحاوي لحديث عائشة أن سودة وهبت يومها لعائشة وكان النبي ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة … ، ولعل البخاري حذف هذه الزيادة عمداً (¬٣). وذكر العيني في شرح البخاري قول الطحاوي والنووي كالموافق له (¬٤). وقال ابن القيم: وقع في صحيح مسلم من قول عطاء أن التي لم يكن يقسم لها هي صفية وهو غلط من عطاء ﵀ وإنما هي سودة فإنها لما كبرت وهبت يومها لعائشة. ثم ذكر ابن القيم علة الوهم فقال: وسبب هذا الوهم والله أعلم أنه كان قد وجد على صفية في شيء فقالت لعائشة: هل لك أن ترضي رسول الله ﷺ عني وأهب لك يومي؟ قالت: نعم، فقعدت عائشة إلى جنب النبي ﷺ في يوم صفية، فقال: «إليك عني يا عائشة فإنه ليسيومك» فقالت: ﴿ .. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ … (٥٤)﴾ وأخبرته بالخبر فرضي عنها (¬١). قلت: الصحيح أن الوهم من ابن جريج كما حققه الطحاوي من رواية ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء. وروى أبو عوانة من طريق ابن عيينة عن ابن جريج هذا الحديث فقال: «توفي رسول الله ﷺ عن تسع نسوة وكان يقسم لثمان لأن سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة» (¬٢). فالظاهر أن قوله لأن سودة وهبت يومها في رواية ابن جريج هذه عن عطاء إنما هو من قول سفيان فإنه رواه عن عمرو بن دينار عن عطاء كذلك، والله أعلم. الثاني: قول عطاء: كانت آخرهن موتاً، ماتت بالمدينة. ظاهره إن عطاء يريد ميمونة ﵂، فإن أول الحديث عنها ولا خلاف أن ميمونة كانت من آخر أزواج النبي ﷺ موتاً على الراجح، فقد روى الطبراني من طريق محمد بن إسحاق قال: ماتت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ عام الحرة سنة ثلاث وستين (¬٣). وقال الواقدي: توفيت سنة إحدى وستين في خلافة يزيد بن معاوية وهي آخر مَنْ مات من أزواج النبي ﷺ وكان لها يوم توفيت ثمانون أو إحدى وثمانون سنة (¬٤).وكذا قال البلاذري في أنساب الأشراف (¬١). وذكر ابن عبد البر أنها توفيت سنة ست وستين (¬٢). أما قوله (ماتت بالمدينة) فلا يستقيم مع قوله في أول الحديث: ماتت بسرف، وسرف من مكة بلا خلاف، وقيل إنها ماتت بمكة ونقلها ابن عباس إلى سرف فدفنت هناك. فهذا وهم ظاهر لمخالفته لأول الحديث. أما إن كان المراد به صفية فصحيح أنها ماتت بالمدينة لكنها لم تكن آخرهن موتاً، فقد ماتت سنة خمسين في رمضان، وقيل سنة اثنتين وخمسين ودفنت بالبقيع (¬٣). وقال الحافظ: إن الصحيح أنها ماتت سنة خمسين (¬٤). قال القاضي عياض: قوله (كانت آخرهن موتاً ماتت بالمدينة): إن أراد ميمونة فصحيح في الأول فإنها ماتت سنة ٦٣ وقيل ٦٦ دون قوله ماتت بالمدينة فإنها ماتت بسرف. وإن أراد صفية فصحيح في الثاني فإنها ماتت بالمدينة لا في الأول لأنها ماتت سنة خمسين (¬٥). قال النووي: «قال القاضي عياض: ظاهر كلام عطاء أنه أرادبآخرهن موتاً ميمونة، وقد ذكر في الحديث أنها ماتت بسرف وهي بقرب مكة، فقوله بالمدينة وهم … » (¬١). قال القرطبي: قول عطاء قول مشكل يلزم عليه وهم، وذلك أنه إن كان أراد ميمونة فقد وهم في قوله أنها ماتت بالمدينة، وقد بيّنا أنها ماتت بسرف إلا أن يريد (المدينة) مكة وفيه بُعد. وإن أراد صفية فقد وهم لأنها لم تكن آخرهن موتاً (¬٢) .. قال الحافظ ابن حجر: «وقد وقع عند مسلم أيضاً فيه زيادة أخرى من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج قال عطاء: وكانت آخرهن موتاً ماتت بالمدينة كذا قال، فأما كونها آخرهن موتاً فقد وافق عليه ابن سعد وغيره، قالوا: وكانت وفاتها سنة إحدى وستين وخالفهم آخرون فقالوا: ماتت سنة ست وخمسين، ويعكر عليه أن أم سلمة عاشت إلى قتل الحسين بن علي وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وقيل بل ماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين والأول أرجح، ويحتمل أن تكونا ماتتا في سنة واحدة لكن تأخرت ميمونة وقد قيل أيضاً إنها ماتت سنة ثلاث وستين وقيل سنة ست وستين وعلى هذا لا ترديد في آخريتها في ذلك، وأما قوله: وماتت بالمدينة، فقد تكلم عليه عياض فقال: ظاهره أنه أراد ميمونة وكيف يلتئم مع قوله في أول الحديث أنها ماتت بسرف وسرف من مكة بلا خلاف فيكون قوله بالمدينة وهماً. قلت: يحتمل أن يريد بالمدينة البلد وهي مكة، والذي في أولالحديث أنهم حضروا جنازتها بسرف ولا يلزم من ذلك أنها ماتت بسرف فيحتمل أن تكون ماتت داخل مكة وأوصت أن تُدفن بالمكان الذي دخل بها رسول الله ﷺ فيه فنفذ ابن عباس وصيتها، ويؤيد ذلك أن ابن سعد لما ذكر حديث ابن جريج هذا قال بعده: وقال غير ابن جريج في هذا الحديث توفيت بمكة فحملها ابن عباس حتى دفنها بسرف» (¬١).