page 1151, entry [778]Open original source
ضعفه في بعض شيوخه: قال الإمام مسلم في التمييز: حماد بن سلمة عندهم يخطاء في حديث قتادة كثيراً (¬١). وقال البردعي: إذا روى حماد بن سلمة وهمام وأبان ونحوهم من الشيوخ عن قتادة وخالف سعيد أو هشام أو شعبة فإن القول قول هشام وسعيد وشعبة على الانفراد. قال ابن رجب شارحاً قوله: مراده أن الحفاظ من أصحاب قتادة ثلاثة: شعبة وسعيد وهشام، والشيوخ من أصحابه مثل حماد بن سلمة وهمام وأبان ونحوهم. وأما الشيوخ فإذا روى أحدهم حديثاً وخالفه واحد من الحفاظ الثلاثة فالقول قول ذلك الحافظ (¬٢).قال الشيخ المحدث عبد الله بن عبد الرحمن السعد وفقه الله في أقسام حديث حماد بن سلمة: لقد ذهب القائلون بالتفصيل في حال حماد بن سلمة إلى تقسيم حديثه باعتبارات متعددة: الاعتبار الأول: من جهة شيوخه. الاعتبار الثاني: من جهة الرواة عنه. الاعتبار الثالث: من جهة حديثه. الاعتبار الأول: من جهة شيوخه، وهم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: مَنْ ثُبِّت في الرواية عنهم، وقُدِّم فيهم. القسم الثاني: مَنْ لم يُقدم فيهم، ولم يتكلم في روايته عنهم خاصة. القسم الثالث: مَنْ تُكلم في روايته عنهم خاصة. القسم الأول: مَنْ ثُبِّت في الرواية عنهم، وقُدِّم فيهم: لقد أُثني على حمادٍ في روايته عن خمسةٍ من شيوخه:١ على رأسهم: ثابت البناني؛ فإن حماداً أثبت الناس فيه بالاتفاق. قال الإمام مسلم: (اجتماع أهل الحديث من علمائهم؛ على أن أثبت الناس في ثابت البناني: حماد بن سلمة، وكذلك قال يحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل المعرفة). ٢ حميد الطويل، وتقدم في كلام ابن حبان أنه خالٌ لحماد. قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: (لا أعلم أحداً أحسن حديثاً عن حميدٍ من حماد بن سلمة، سمع منه قديماً، يروي أشياء مرة يرفعها ومرة يوقفها) قال: (وحميد يختلفون عنه اختلافاً شديداً). قلت: قوله: مرة يرفعها ومرة يوقفها، دليل على ضبط حديثه. وقال في رواية أبي الحارث: (ما أحسن ما روى حمادٌ عن حميد). وقال في رواية أبي طالب: (حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثاً). وقال أيضاً في روايته: (حماد بن سلمة أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديماً، يخالف الناس في حديثه) يعني في حديث حميد. قلت: قوله (يخالف الناس في حديثه) يعني: يرويها على الوجه الصحيح، بخلاف غيره. وقال يحيى بن معين: (حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد).٣ علي بن زيد بن جدعان. قال أبو حاتم: (حماد بن سلمة في ثابت وعلي بن زيد أحب إليّ من همام، وهو أضبط الناس وأعلمه بحديثهما بين خطأ الناس، وهو أعلم بحديث علي بن زيد من عبد الوارث). قال ابن رجب: (حديثه عن علي بن زيد بن جدعان، هو حافظ له). وقال عن حماد: (مَنْ أثبت الناس في شيوخه الذين لزمهم، كثابت البناني، وعلي بن زيد). ٤، ٥ محمد بن زياد البصري، وعمار بن أبي عمار. ورواية حماد عنهما قريبة من السواء، ولعل روايته عن محمد بن زياد تقدم؛ قال أحمد في رواية علي بن سعيد: (محمد بن زياد صاحب أبي هريرة ثقة، وأجاد حماد بن سلمة الرواية عنه). وقال شعبة: (كان حماد بن سلمة يفيدني عن محمد بن زياد). وقال ابن أبي حاتم: (حدثنا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، نا علي يعني ابن المديني قال: سمعت يحيى يعني ابن سعيد القطان قال: قال شعبة: كان حماد بن سلمة يفيدني عن عمار بن أبي عمار). وقال يعقوب بن شيبة: (حماد بن سلمة ثقة في حديثه اضطراب شديد، إلا عن شيوخٍ فإنه حسن الحديث عنهم، متقن لحديثهم، مقدّم على غيره فيهم، منهم ثابت البناني وعمار بن أبي عمار).لمَ قُدِّم حماد في هؤلاء الشيوخ؟ لأمور: أولاً: سماعه من بعضهم في حال الصغر، وهم كبار شيوخه، وهذا أدعى لضبط حديثه: فقد قال حماد: (كنت إذا أتيت ثابت البناني وضع يده على رأسي ودعا لي). قلت: وهذا يدل على صغره حال مجيئه إلى ثابت. وقال أيضاً عن خاله حميد: (ربما أتيت حميداً فقبّل يدي). قلت: وتقبيله ليد ابن أخته يدل على صغر سنه. ولعل الباقين كذلك، قال الإمام أحمد في رواية الأثرم: (حماد بن سلمة إذا روى عن الصغار أخطأ). وأشار إلى روايته عن داود بن أبي هند. قلت: قوله (الصغار) يعني: شيوخه الصغار. وتقدم قول يحيى القطان: (إن كان ما حدّث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء، ولكن حديث حماد بن سلمة عن الشيوخ، عن ثابت، وهذا الضرب). قلت: قوله (عن الشيوخ) يعني: شيوخه الكبار. ثانياً: قُربه من بعضهم، كحالِ حميدٍ معه، والخؤولة مظنة قوة العلاقة، وكثرة المخالطة، وبالتالي ضبط حديثه والرواية عنه. ثالثاً: أنهم من بلده، فجميعهم بصريون، وغالباً ما يكون حديثالرجل عن أهل بلده أضبط من حديثه عن غيرهم. والله أعلم. القسم الثاني: مَنْ لم يُقدّم فيهم، ولم يتكلم في روايته عنهم خاصة: تقدم لنا أن بعض الحفاظ تكلم في حماد إلا مَنْ استثناهم، كثابت وغيره. فهذا يفيد أن حديث حماد قسمين: الأول: مَنْ قُدِّم في الرواية عنهم. والثاني: بقية شيوخه. ولكن الأوْلى جعلُ قسمٍ بين القسمين؛ لأن هناك من شيوخه مَنْ تُكلم في روايته عنهم خاصة، وهم القسم الآتي. القسم الثالث: مَنْ تُكلم في روايته عنهم خاصة: مثل: قيس بن سعد، وزياد الأعلم، وداود بن أبي هند، وسعيد الجريري، وأيوب السختياني وغيرهم. قال الإمام مسلم: (وحماد يعدّ عندهم إذا حدّث عن غير ثابت؛ كحديثه عن قتادة، وأيوب، ويونس، وداود بن أبي هند، والجريري، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دينار، وأشباههم فإنه يخطاء في حديثهم كثيراً، وغير حماد في هؤلاء أثبت عندهم، كحماد بن زيد، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، وابن علية). أما قيس بن سعد، فقال أحمد: (ضاع كتابه عنه فكان يحدّث من حفظه فيخطاء). وتقدم نقل قول يحيى بن سعيد القطان: (حماد بن سلمة عنزياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك) وقوله: (إن كان ما حدّث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء). وقال البيهقي: (حماد ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويجتنبون ما تفرد به عن قيسٍ خاصة). وقيس بن سعد ليس من أهل بلده؛ فإنه كان مكياً، ولعل حماداً سمع منه في مجلس أو مجلسين، ولم يُكثر من التردد عليه، وقد دوّن هذه الأحاديث وضاعت عليه، فلم يُتقن حديثه. وأما زياد الأعلم فإنه كان بصرياً، ولكن قد قال الدارقطني: (هو قليل الحديث). قلت: ولعلها أحاديث يسيرة، وهذا قد يؤدي إلى أن حماداً لا يتردد عليه، لقلّة حديثه، وبالتالي لا يضبطه. الاعتبار الثاني: من جهة الرواة عنه: وهم على قسمين: القسم الأول: مَنْ كتب عنه من النسخ. القسم الثاني: مَنْ سمع منه الأصناف. والأول أقوى. قال يحيى بن معين: (مَنْ سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومَن سمع من حماد بن سلمة نسخاً فهو صحيح). والمقصود بالنسخ ما سمعه عن كل شيخٍ على حدة، فنسخة حديثه عن ثابت، ونسخة حديثه عن حماد … وهكذا. وأما الأصناف، فهي الكتب المصنفة التي تجمع أحاديث الرواة،فتكون مختلطة بعضها ببعض، فمرة عن أيوب، ومرة عن حماد، ومرة عن ثابت، ومرة عن علي بن زيد بن جدعان … وهكذا. والأول أسهل في ضبط الرواية. الاعتبار الثالث: من جهة حديثه: فمَن سمع منه قديماً أقوى ممن سمع منه أخيراً. وتقدم قول البيهقي: (حماد ساء حفظه في آخر عمره). قلت: وهذا وإن لم يسبق إليه البيهقي صراحةً، إلا أن حديث الرجل في قوته ونشاطه أقوى في الجملة من حديثه حال كبر سنه وضعفه، والله أعلم) انتهى.