page 3849, entry [8153], entry [7045]Open original source
٧٠٤٥ - ز- محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله (¬٣) الأنصاري، قاضي المَرِسْتَان، مشهور معمَّر، عالي الإِسناد، هو آخر من كان بينه وبين النبي ﷺ ستةُ رجال ثقات، مع اتّصال السماع على شَرْط الصحيح. قال ابن عساكر: كان يتَّهم بمذهب الأوائل، ويُذكر عنه رِقَّة دين (¬٤).وقال ابن السمعاني: كان أسندَ شيخ بقي على وجه الأرض، وكانت إليه الرِّحلة من الأقطار، عارفٌ بالعلوم، متفنِّن، حسن الكلام، ما رأيت أجمعَ للفنون منه، وكان قد نظر في كل علم، وسمعتُه غير مرة يقول: تُبْتُ من كل علم تعلَّمتُه إلَّا الحديثَ وعلمه. وكان آخرَ من حدث عن إبراهيم بن عمر البَرْمَكي، وأبي الطيب الطبري، وأبي محمد الجوهري، وأبي الحسن بن الآبِنُوسي، في آخرين، وتفرَّد بسماع قطعة من كُتُب الخطيب. ورحل إلى مصر، فسمع بها من الحَبَّال، وبمكة من أبي معشر الطبري، وكانت له إجازة من القُضَاعي، وأبي القاسم التّنوخي، وغيرهما. قال: ورأيته بعد ثلاث وتسعين سنة من مولده، وما تغيَّر من حواسه شيء، حتى كان يقرأ الخط الدقيق من بعيد، وكان حصل له صَمَم، فكان يحدَّث من لَفْظِهِ قدرَ شهرين، ثم زالَتْ عِلَّتُه وسَمِع. وسمعته يقول: ما أعرف أني ضيَّعت ساعةً من عمري في لهو أو لعب. وسمعته يقول: حفظت القرآن ولي سبع سنين، وكان وقع في أسر الروم، فتعلم الخط بالرّومية. قال: وسمعت أبا القاسم بن السمرقندي غير مرة يثني عليه ويقول: ما بقي مثلُه. قال: وسمعتُه يقول: لما وُلدت جاء منجِّم من جهة أبي، ومنجِّم من جهة أمي، وأخذا الطالعَ، واتفقا أن يكون عمري اثنين وخمسين، فها أنا زِدْتُ على ما قالا أربعين، وكان يقول ذلك رَدًّا عليهم مع معرفته بالفن. مات في رجب سنة خمس وثلاثين وخمس مئة.وحكى السمعاني في "الأنساب" في ترجمة المحدِّث سعد الخير (¬١) قال: كانت له بناتٌ، فكان يُسَمِّعْهن، إلى أن رُزِق ابنًا سماه جابرًا، فكان يسمِّعه، فاتفق أنه حضر مجلس القاضي أبي بكر، فشمَّ منه رائحة عُود، فقال: هذا عود طيب، فحمل هو منه إلى القاضي نَزْرًا يسيرًا، فناوله لجاريته فاحتَقَرَتْه (¬٢)، فلما حضر عند القاضي قال: يا سيدنا وَصلَ العودُ؟ فقال: لمن دفعتَه؟ قال: للجارية، فسألها فقالت: احتقرتُ تقديمَه إليك، وأحضَرَتْه. فقال لسعد الخير: هذا هو القَدْرُ الذي دفعتَه إليها؟ قال: نعم، فأخذه القاضي ورَمَى به، وحلف أن لا يحدّث ابنه بـ "جزء" الأنصاري، وكان سأله فيه، إلَّا إن حَمَل إليه خمسةَ أَمْنانٍ عُودًا من ذلك العُود. فامتنع سعدُ الخير، وأقام أيامًا يلتمس من القاضي أن يكفِّر عن يمينه، فألحَّ، حتى مات القاضي ولم يحدِّثه بالجزء المذكور. وقال ابن السمعاني في "الذيل": حصلَتْ له خاتمةٌ حسنة، بقي ثلاثة أيام لا يَفْترُ عن قراءة القرآن من حفظه إلى أن مات، وأوصى أن يُكتب على لوح قبره: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾. وقال ابن النجار في "الذيل": قال أبو الفضل بن شافع: سمعتُه يقول: نظرت في كل علم، وحصَّلتُه كلَّه أو بعضَه، إلَّا هذا النحو، فإني قليلُ البضاعة فيه. قال ابن شافع: وما رأيت أبا محمد يعظِّم أحدًا من مشايخه تعظيمَه له، يعني ابن الخَشَّاب. وكان ابن ناصر يقول: سمعنا هذه الأجزاءَ من القاضي أبي بكر من ثلاثين سنة، فأَلْحَقَ بنا الصبيانَ فيها. وقال ابن النجار: سمع الكثير، وأقرأ بنفسه، وكتب بخطه، وصنَّف فيعلم الحساب، والفرائض، والهيئة، والهندسة: تصانيفَ، وعلَّق تعاليق. وقال ابن الخشاب: كان مع تفرُّده بعلم الحِساب والفرائض وافتنانه في علوم عدة: صدوقًا، ثَبْتًا في الرواية، متحرِّيًا فيها. وقد طعن الذهبيُّ في سماع القاضي لـ "جزء" الأنصاري، وقال: إنما كان حُضُورًا على أبي إسحاق البرمكي وهو في رابع سنة. وهو كما قال في قَدْر عمره، لكن لا يمتنع أن يكون كان فَهِمًا فسمَّعوا له، فقد تقدَّم أنه كان حَفِظ القرآن وله سبع سنين، وعلى هذا يُحْمَل كلامُ من أطلق من الحُفَّاظ فيه السماعَ، والله أعلم.