vol. 14, page 292
### $ الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي أخو جعفر، كان رضيع هارون
~~الرشيد، وولاه الرشيد أعمالا جليلة بخراسان وغيرها، وكان أندى كفا من أخيه
~~جعفر، إلا أنه كان فيه كبر شديد، وكان جعفر أطلق وجها، وأظهر بشرا، ولما
~~غضب هارون الرشيد على البرامكة، وقتل جعفرا، ms5147 خلد الفضل في الحبس مع أبيه
~~يحيى، فلم يزالا محبوسين حتى ماتا في حبسهما.
# قرأت على الحسن بن علي الجوهري، عن أبي عبيد الله المرزباني، قال:
~~أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: كان مولد الفضل بن يحيى
~~لسبع بقين من ذي الحجة، سنة سبع وأربعين ومائة، وأم الفضل زبيدة بنت متين
~~بربرية، مولدة بالمدينة، فأرضعت الخيزران الفضل، وأرضعت زبيدة أم الفضل
~~الرشيد أياما حتى صارا رضيعين، وفي ذلك يقول: مروان بن أبي حفصة في قصيدة
~~يمدح بها الفضل:
# كفى لك فضلا أن أفضل حرة غذتك بثدي والخليفة واحد
# لقد زنت يحيى في المشاهد كلها كما زان يحيى خالدا في المشاهد
# أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن
~~إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال
~~حدثني محمد بن الحسين بن هشام، قال: حدثني علي بن
~~الجهم، عن أبيه، قال: أصبحت ذات يوم وأنا في غاية الخلة والضيقة، ما
~~أهتدي إلى دينار ولا درهم ولا أملك إلا دابة أعجف، وخادما خلقا، فطلبت
~~الخادم، فلم أجده، ثم جاء، فقلت: أين كنت؟ فقال: كنت في احتيال شيء لك،
~~وعلف لدابتك، فوالله ما قدرت عليه، فقلت: أسرج لي دابتي فأسرجها، وركبت،
~~فلما صرت في سوق يحيى، فإذا أنا بموكب عظيم، وإذا الفضل بن يحيى بن خالد،
~~فلما بصر بي قال: سر، فسرنا قليلا، وحجز بيني وبينه غلام يحمل طبقا على باب
~~يصيح بجارية، فوقف الفضل طويلا، ثم قال: سر، ثم قال: أتدري ما وقفني؟
~~قلت: إن رأيت أن تعملني، قال: كانت لأختي جارية، وكنت أحبها حبا شديدا،
~~وأستحي من أختي أن أطلبها منها، ففطنت أختي لذلك، فلما كان في هذا اليوم
~~لبستها وزينتها، وبعثت بها إلي، فما كان في عمرى يوم هو أطيب عندي من يومي
~~هذا، فلما كان في هذا الوقت جاءني رسول أمير المؤمنين، فأزعجني، وقطع علي
~~لذتي، فلما صرت إلى هذا المكان دعا هذا الغلام صاحب الطبق باسم تلك
~~الجارية، فارتحت لندائه، ووقفت، فقلت: أصابك ما أصاب أخا بني ms5148 عامر حيث
~~يقول:
# وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
# دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائرا كان في صدري
# فقال: اكتب لي هذين البيتين، فعدلت أطلب ورقة أكتب البيتين له فيها فلم
~~أجد، فرهنت خاتمي عند بقال، وأخذت ورقة فكتبتها فيها، وأدركته بها، فقال
~~لي: ارجع إلى منزلك، فرجعت ونزلت، فقال لي الخادم: أعطني خاتمك أرهنه على
~~قوتك اليوم، فقلت: قد رهنته، فما أمسيت حتى بعث إلي بثلاثين ألف درهم
~~جائزة، وعشرة آلاف درهم سلفا لشهرين من رزق أجراه لي.
# أخبرني أبو القاسم سلامة بن الحسين الخفاف المقرئ، وأبو طالب عمر
~~بن محمد بن عبيد الله المؤدب، قالا: أخبرنا علي بن عمر
~~الحافظ، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، قال: أخبرنا عبد الله بن
~~أبي سعد، قال: حدثني عبد الله بن الحارث المروزي، قال: أخبرني هاشم بن
~~نامجور، قال: مر الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك بعمرو بن جمل التميمي
~~ببلخ، وعمرو في مضربه يطعم الناس، فلم يقف الفضل ولم يسلم عليه، فوجد عمرو
~~في نفسه، فلما نزل الفضل، قال: ينبغي لنا أن نعين عمرا على مروءته، فبعث
~~إليه بألف ألف درهم.
# أخبرنا عبيد الله بن عمر بن أحمد الواعظ، قال:
~~حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن دريد الأزدي،
~~قال: أخبرنا الحسن بن خضر، قال: حدثني أبي عن العتابي،
~~قال: اجتمعنا على باب الفضل بن يحيى البرمكي بأرمينية أربعة آلاف رجل،
~~يطلب كل بأدب، وشعر، وكتابة، وشفاعة، وكان الزوار يسمون في ذلك العصر
~~السؤال، فقال الفضل لكرمه: سموهم الزوار، فلزمهم هذا الاسم إلى اليوم.
# أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن عمران بن موسى
~~المرزباني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي، قال:
~~حدثنا أحمد بن عمر الأخباري، عن جده، قال: كان الفضل بن يحيى
~~عبسا بسرا، وكان سخيا كريما، وكان أخوه جعفر بن يحيى طلقا بشرا، وكان
~~بخيلا لا عطاء له، وكان الناس إلى لقاء جعفر أميل منهم إلى لقاء ms5149 الفضل.
# وأخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا المرزباني، قال: حدثنا
~~أحمد بن عيسى المكي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد،
~~قال: بلغ يحيى بن خالد أن ابنه الفضل وهب لغلامه الطباخ مائة ألف درهم،
~~فقال له في ذلك، فقال الفضل: إن هذا غلام صحبني، وأنا لا أملك شيئا،
~~واجتهد في نصيحتي، وقد قال الشاعر:
# إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا من كان يؤنسهم في المنزل الخشن
# أخبرنا أبو القاسم الأزهري، وأبو يعلى أحمد بن عبد الواحد،
~~قالا: أخبرنا محمد بن جعفر التميمي الكوفي، قال: أخبرنا
~~أبو بكر الصولي، قال: حدثنا أبو الحسن البرذعي، قال:
~~حدثني محمد بن الحسن مصقول، عن العتابي، قال: كنا بباب الفضل
~~بن يحيى البرمكي أربعة آلاف، ما بين شاعر، وزائر، وفينا فتى يحدثنا
~~ونجتمع إليه، فبينا هو ذات يوم قاعد إذ أقبل إليه غلام له كأجمل الغلمان،
~~فقال له: يا مولاي أخرجتني من بين أبوي، وزعمت أن لك وصلة بالملوك، فقد
~~صرنا إلى أسوأ ما يكون من الحال، وقال: إن رأيت أن تأذن لي فأنصرف إلى
~~أبوي فعلت، قال: فاغرورقت عينا الفتى ثم قال: ائتني بدواة وقرطاس،
~~فأتاه بهما فقعد حجزه، يعني ناحية، فكتب رقعة، ثم عاد إلى مجلسه، ثم قال
~~للغلام: انصرف إلى وقت رجوعي إليك، فبينا نحن كذلك إذ جاء رجل يستأذن على
~~الفضل، فقام إليه الفتى، فقال: توصل رقعتي هذه إلى الأمير؟ قال: وما في
~~رقعتك؟ قال: أمدح نفسي وأحث الأمير على قبولي، قال: هذه حاجة لك دون
~~الأمير فإن رأيت أن تعفيني فعلت، قال: قد فعلت، فعاد إلى مجلسه، فخرج
~~الحاجب فقام إليه، فقال له مثل مقالته الأولى، فاستظرفه الحاجب، وقال:
~~إن رجلا يتصل بمثل الفضل يمدح نفسه لا يمدح الفضل عجيب، فأخذ منه الرقعة ثم
~~دخل فلوحها للفضل، فقرأ منها سطرين وهو مستلق على فراشه، ثم استوى قاعدا
~~وتناول الرقعة فقرأها، فلما فرغ من الرقعة، قال للحاجب: أين صاحب الرقعة؟
~~قال: أعز الله الأمير، لا والله لا أعرفه لكثرة من بالباب، فقال ms5150
~~الفضل: أنا أنبذه لك الساعة، يا غلام اصعد القصر فناد أين مادح نفسه؟ فقام
~~الغلام فصاح، فقام الفتى من بيننا بغير رداء ولا حذاء فلما مثل بين يدي
~~الفضل، قال له: أنت القائل ما فيها، قال: نعم، قال: أنشدني، فأنشأ
~~الفتى يقول
# أنا من بغية الأمير وكنز من كنوز الأمير ذو أرباح
# كاتب حاسب خطيب بليغ ناصح زائد على النصاح
# شاعر مفلق أخف من الريشة مما يكون تحت الجناح
# ثم أروى عن ابن هرمة للناس لشعر محبر الإيضاح
# لي في النحو فطنة ونفاذ لي فيه قلادة بوشاح
# إن رمى بي الأمير أصلحه الله رماحا صدمت حد الرماح
# لست بالضخم يا أميري ولا الفدم ولا بالمجحدر الدحداح
# لحية سبطة ووجه جميل واتقاد كشعلة المصباح
# وظريف الحديث من كل لون وبصير بجائبات ملاح
# كم وكم قد خبأت عندي حديثا هو عند الملوك كالتفاح
# أيمن الناس طائرا يوم صيد في غدو خرجت أم في رواح
# أبصر الناس بالجوارح والخيل وبالخرد الحسان الملاح
# كل هذا جمعت والحمد لله على أنني ظريف المزاح
# لست بالناسك المشمر ثوبيه ولا الماجن الخليع الوقاح
# إن دعاني الأمير عاين مني شمريا كالجلجل الصياح
# فقال له الفضل:
# كاتب حاسب خطيب أديب ناصح زائد على النصاح
# قال: نعم، أصلح الله الأمير، فقال الفضل: يا غلام الكتب التي وردت من
~~فارس، فأتي بها، فقال للفتى: خذها، فاقرأها وأجب عنها، فجلس بين يدي الفضل
~~يكتب، فقال له الحاجب: اعتزل يكن أذهن لك، فقال: ههنا الرأي أجمع، بحيث
~~الرغبة والرهبة، فلما فرغ من الكتب عرضها على الفضل، فكأنما شق عن قلبه.
# فقال الفضل: يا غلام بدرة، بدرة، بدرة، فقال الفتى للغلام: أعز الله
~~الأمير دنانير أو دراهم؟ قال: دنانير يا غلام، فلما وضعت البدرة بين
~~يديه، قال الفضل: احملها بارك الله لك فيها، قال الفتى: والله
~~أيها الأمير ما أنا بحمال، وما للحمل خلقت، فإن رأى الأمير أن يأمر بعض
~~غلمانه بحملها على أن الغلام لي، فأشار الفضل إلى بعض الغلمان، فأشار الفتى
~~إليه ms5151 مكانك، فقال: إن رأى الأمير أيده الله، أن يجعل الخيار إلي في
~~الغلمان كما فعل بين البدرتين فعل، فقال: اختر، فاختار أجملهم غلاما، فقال:
~~احمل فلما صارت البدرة على منكب الغلام بكى الفتى، فاستفظع الفضل ذلك،
~~وقال: ويلك استقلالا؟ قال: لا والله أيدك الله، ولقد أكثرت، ولكن
~~أسفا أن الأرض تواري مثلك، قال الفضل: هذا أجود من الأول، يا غلام زده
~~كسوة وحملانا، قال العتابي: فلقد كنت أرى ركاب الفتى تحت ركاب الفضل.
# أخبرني الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال:
~~حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: فلم يزل الفضل ويحيى في
~~حبس الرشيد حتى مات يحيى سنة تسعين، ومات الفضل سنة ثلاث وتسعين ومائة في
~~المحرم.
# قلت: وذكر الصولي أن الفضل مات في شهر رمضان من سنة اثنتين وتسعين ومائة،
~~قبل موت الرشيد بشهور.
PageV14P292