vol. 13, page 486
### $ علي بن عمر بن أحمد بن مهدى بن مسعود بن النعمان
~~بن دينار بن عبد الله أبو الحسن الحافظ الدارقطني
# سمع أبا القاسم البغوي، وأبا بكر بن أبي داود، ويحيى بن صاعد، وبدر
~~بن الهيثم القاضي، وأحمد بن إسحاق بن البهلول، وعبد الوهاب بن
~~أبي حية، والفضل بن أحمد الزبيدي، وأبا عمر محمد بن يوسف
~~القاضي، وأحمد بن القاسم أخا أبي الليث الفرائضي، وأبا سعيد العدوي،
~~ويوسف بن يعقوب النيسابوري، وأبا حامد محمد بن هارون الحضرمي، وسعيد بن
~~محمد بن أخا زبير الحافظ، ومحمد بن نوح الجنديسابوري، وأحمد بن عيسى
~~بن السكين البلدي، وإسماعيل بن العباس الوراق، وإبراهيم بن حماد القاضي،
~~وعبد الله بن محمد بن سعيد الجمال، وأبا طالب أحمد بن نصر
~~الحافظ، وخلقا كثيرا من هذه الطبقة، ومن بعدهم.
# حدثنا عنه أبو نعيم الأصبهاني، وأبو بكر البرقاني، وأبو القاسم
~~بن بشران، وحمزة بن محمد بن طاهر، والأزهري، والخلال، والجوهري،
~~والتنوخي، وعبد العزيز الأزجي، وأبو بكر بن بشران، والعتيقي، والقاضي
~~أبو الطيب الطبري، وجماعة غيرهم.
# وكان فريد عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم
~~الأثر، والمعرفة بعلل الحديث، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، مع الصدق
~~والأمانة، والثقة والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب،
~~والاضطلاع بعلوم سوى علم الحديث منها: القراءات فإن له فيها كتابا مختصرا
~~موجزا، جمع الأصول في أبواب عقدها أول الكتاب.
# وسمعت بعض من يعتنى بعلوم القرآن، يقول: لم يسبق أبو الحسن إلى
~~طريقته التي سلكها في عقد الأبواب في أول القراءات، وصار القراء بعده
~~يسلكون طريقته في تصانيفهم، ويحذون حذوه.
# ومنها: المعرفة بمذاهب الفقهاء فإن كتاب " السنن " الذي صنفه يدل على أنه
~~كان ممن اعتنى بالفقه؛ لأنه لا يقدر على جمع ما تضمن ذلك الكتاب إلا من
~~تقدمت معرفته بالاختلاف في الأحكام.
# وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الاصطخري، وقيل: بل درس الفقه
~~على صاحب لأبي سعيد، وكتب الحديث عن أبي سعيد نفسه. ms4854
# ومنها أيضا المعرفة بالأدب والشعر، وقيل: إنه كان يحفظ دواوين جماعة من
~~الشعراء، وسمعت حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق، يقول: كان أبو
~~الحسن الدارقطني يحفظ ديوان السيد الحميري في جملة ما يحفظ من الشعر، فنسب
~~إلى التشيع لذلك.
# وحدثني الأزهري: أن أبا الحسن لما دخل مصر كان بها شيخ علوي من أهل
~~مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: مسلم بن
~~عبيد الله، وكان عنده كتاب النسب، عن الخضر بن داود، عن الزبير بن
~~بكار، وكان مسلم أحد الموصوفين بالفصاحة المطبوعين على العربية، فسأل الناس
~~أبا الحسن أن يقرأ عليه كتاب النسب، ورغبوا في سماعه بقراءته، فأجابهم
~~إلى ذلك، واجتمع في المجلس من كان بمصر من أهل العلم والأدب والفضل،
~~فحرصوا على أن يحفظوا على أبي الحسن لحنة، أو يظفروا منه بسقطة، فلم
~~يقدورا على ذلك حتى جعل مسلم يعجب، ويقول له: وعربية أيضا.
# حدثنا محمد بن علي الصوري، قال: سمعت أبا محمد رجاء بن
~~محمد بن عيسى الأنصاري المعدل، يقول: سألت أبا الحسن الدارقطني،
~~فقلت له: رأى الشيخ مثل نفسه؟ فقال لي: قال الله تعالى: {فلا
~~تزكوا أنفسكم}.
# فقلت له: لم أرد هذا، وإنما أردت أن أعلمه لأقول رأيت شيخا لم ير مثله،
~~فقال لي: إن كان في فن واحد، فقد رأيت من هو أفضل مني، وأما من اجتمع فيه
~~ما اجتمع في، فلا حدثني أبو الوليد سليمان بن خلف الأندلسي،
~~قال: سمعت أبا ذر الهروي، يقول: سمعت الحاكم أبا عبد الله
~~محمد بن عبد الله الحافظ، وسئل عن الدارقطني، فقال: ما رأى مثل
~~نفسه.
# قال لي الأزهري: كان الدارقطني ذكيا إذا ذوكر شيئا من العلم أي نوع كان
~~وجد عنده منه نصيب وافر، ولقد حدثني محمد بن طلحة النعالي أنه
~~حضر مع أبي الحسن في دعوة عند بعض الناس ليلة، فجرى شيء من ذكر الأكلة،
~~فاندفع أبو الحسن يورد أخبار الأكلة وحكاياتهم ونوادرهم، حتى قطع ليلته
~~أو أكثرها بذلك سمعت القاضي أبا الطيب طاهر بن ms4855 عبد الله الطبري،
~~يقول: كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، وما رأيت حافظا ورد
~~بغداد إلا مضى إليه، وسلم له، يعني: سلم له التقدمة في الحفظ، وعلو
~~المنزلة في العلم.
# حدثني الصوري، قال: سمعت عبد الغنى بن سعيد الحافظ بمصر،
~~يقول: أحسن الناس كلاما على حديث رسول الله صلى الله
~~عليه وسلم ثلاثة: علي ابن المديني في وقته، وموسى بن هارون في
~~وقته، وعلي بن عمر الدارقطني في وقته أخبرنا البرقاني، قال: كنت
~~أسمع عبد الغنى بن سعيد الحافظ كثيرا إذا حكى عن أبي الحسن الدارقطني
~~شيئا، يقول: قال أستاذي: وسمعت أستاذي: فقلت له: في ذلك، فقال: وهل
~~تعلمنا هذين الحرفين من العلم إلا من أبي الحسن الدارقطني، قال لنا
~~البرقاني: وما رأيت بعد الدارقطني أحفظ من عبد الغنى بن سعيد.
# حدثنا الأزهري، قال: بلغني أن الدارقطني حضر في حداثته مجلس
~~إسماعيل الصفار، فجلس ينسخ جزءا كان معه، وإسماعيل يملي، فقال له بعض
~~الحاضرين لا يصح سماعك، وأنت تنسخ، فقال له الدارقطني: فهمي للإملاء خلاف
~~فهمك، ثم قال: تحفظ كم أملي الشيخ من حديث إلى الآن؟ فقال لا، فقال
~~الدارقطني: أملي ثمانية عشر حديثا، فعدت الأحاديث، فوجدت كما قال، ثم
~~قال أبو الحسن: الحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ومتنه كذا.
# والحديث الثاني عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، ولم يزل يذكر أسانيد
~~الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها، فتعجب الناس
~~منه، أو كما قال حدثنا البرقاني، قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني،
~~يقول: كتبت ببغداد من أحاديث السوداني أحاديث يتفرد بها، ثم مضيت
~~إلى الكوفة؛ لأسمع منه، فجئت إليه، وعنده أبو العباس بن عقدة، فدفعت
~~إليه الأحاديث في ورقة، فنظر فيها أبو العباس، ثم رمى بها، واستنكرها،
~~وأبى أن يقرأها، وقال: هؤلاء البغداديين يجيئونا بما لا نعرفه، قال
~~أبو الحسن: ثم قرأ أبو العباس عليه، فمضى في جملة ما قرأه حديث منها،
~~فقلت له: هذا الحديث من جملة الأحاديث، ثم مضى آخر، فقلت: وهذا أيضا ms4856 من
~~جملتها، ثم مضى ثالث، فقلت: وهذا أيضا منها، وانصرفت، وانقطعت عن العود
~~إلى المجلس لحمى نالتني، فبينا أنا في الموضع الذي كنت نزلته إذا بداق
~~يدق علي الباب، فقلت من هذا؟ فقال: ابن سعيد، فخرجت، وإذا بأبي العباس،
~~فوقعت في صدره أقبله، وقلت: يا سيدي لم تجشمت المجيء؟ فقال: ما عرفناك إلا
~~بعد انصرافك، وجعل يعتذر، إلي، ثم قال: ما الذي أخرك عن الحضور؟
~~فذكرت له أني حممت، فقال: تحضر المجلس لتقرأ ما أحببت، فكنت بعد إذا حضرت
~~أكرمني ورفعني في المجلس، أو كما قال سألت البرقاني، قلت له: هل كان
~~أبو الحسن الدارقطني يملى عليك العلل من حفظه؟ فقال: نعم، ثم شرح لي قصة
~~جمع " العلل "، فقال: كان أبو منصور ابن الكرخي يريد أن يصنف مسندا
~~معللا، فكان يدفع أصوله إلى الدارقطني، فيعلم له على الأحاديث المعللة،
~~ثم يدفعها أبو منصور إلى الوراقين، فينقلون كل حديث منها في رقعة،
~~فإذا أردت تعليق كلام الدارقطني على الأحاديث، نظر فيها أبو الحسن، ثم
~~أملى علي الكلام من حفظه، فيقول: حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد
~~الله بن مسعود الحديث الفلاني، اتفق فلان وفلان على روايته، وخالفهما
~~فلان، ويذكر جميع ما في ذلك الحديث، فاكتب كلامه في رقعة مفردة، وكنت
~~أقول له: لم تنظر قبل إملائك الكلام في الأحاديث؟ فقال: أتذكر ما في حفظي
~~بنظري، ثم مات أبو منصور والعلل في الرقاع، فقلت لأبي الحسن بعد سنين من
~~موته إني قد عزمت أن أنقل الرقاع إلى الأجزاء وأرتبها على المسند، فأذن
~~لي في ذلك، وقرأتها عليه من كتابي، ونقلها الناس من نسختي.
# قال أبو بكر البرقاني وكنت أكثر ذكر الدارقطني، والثناء عليه بحضرة
~~أبي مسلم بن مهران الحافظ، فقال لي أبو مسلم: أراك تفرط في وصفه
~~بالحفظ، فسله عن حديث الرضراض عن ابن مسعود؟ فجئت إلى أبي الحسن،
~~وسألته عنه، فقال: ليس هذا من مسائلك، وإنما قد وضعت عليه، فقلت له: نعم،
~~فقال: من الذي وضعك على هذه المسألة؟ فقلت ms4857 لا يمكنني أن أسميه، فقال لا
~~أجيبك أو تذكره لي، فأخبرته، فأملى علي أبو الحسن حديث الرضراض باختلاف
~~وجوهه، وذكر خطأ البخاري فيه، فألحقته بالعلل، ونقلته إليها، أو كما قال.
# سمعت القاضي أبا الطيب الطبري، يقول: حضرت أبا الحسن الدارقطني، وقد
~~قرئت عليه الأحاديث التي جمعها في الوضوء من مس الذكر، فقال: لو كان
~~أحمد بن حنبل حاضرا، لاستفاد هذه الأحاديث حدثني الخلال، قال:
~~كنت في مجلس بعض شيوخ الحديث سماه الخلال، وأنسيته، وقد حضره أبو الحسين
~~بن المظفر، والقاضي أبو الحسن الجراحي، وأبو الحسن الدارقطني، وغيرهم من
~~أهل العلم، فحلت الصلاة، فكان الدارقطني إمام الجماعة، وهناك شيوخ أكبر
~~أسنانا منه، فلم يقدم أحد غيره.
# قال الخلال، وغاب مستملي أبي الحسن الدارقطني في بعض مجالسه،
~~فاستمليت عليه، فروى حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه
~~وسلم أمرها أن تقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
# فقلت: اللهم إنك عفو، وخففت الواو فأنكر ذلك، وقال عفو بتشديد
~~الواو.
# حدثني الصوري، قال: سمعت رجاء بن محمد الأنصناوي، يقول:
~~كنا عند الدارقطني يوما، والقارئ يقرأ عليه، وهو قائم يصلي نافلة، فمر حديث
~~فيه ذكر نسير بن ذعلوق، فقال القارئ: بشير بن ذعلوق، فقال الدارقطني:
~~سبحان الله!، فقال القارئ: بشير بن ذعلوق، فقال الدارقطني: سبحان
~~الله!، فقال القارئ: يسير بن ذعلوق، فقال الدارقطني: {ن والقلم
~~وما يسطرون}.
# فقال القارئ: نسير بن ذعلوق، ومر في قراءته، أو كما قال حدثني
~~حمزة بن محمد بن طاهر، قال: كنت عند أبي الحسن الدارقطني، وهو
~~قائم يتنفل، فقرأ عليه أبو عبد الله بن الكاتب حديثا لعمرو بن
~~شعيب، فقال: عمرو بن سعيد، فقال: أبو الحسن: سبحان الله!، فأعاد
~~الإسناد، وقال: عمرو بن سعيد، ووقف، فتلا أبو الحسن: {يا شعيب
~~أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا}
# فقال ابن الكاتب: عمرو بن شعيب.
# حدثني الأزهري، قال: رأيت محمد بن أبي الفوارس، وقد سألت
~~أبا الحسن الدارقطني عن علة حديث، أو اسم فيه، فأجابه، ثم قال له: يا
~~أبا ms4858 الفتح ليس بين الشرق والغرب من يعرف هذا غيرى.
# قرأت بخط حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق في أبي الحسن الدارقطني:
# جعلناك فيما بيننا ورسولنا وسيطا فلم تظلم ولم تتجوب
# فأنت الذي لولاك لم يعرف الورى ولو جهدوا ما صادق من مكذب
# حدثني العتيقي، قال: حضرت أبا الحسن الدارقطني، وقد جاءه أبو
~~الحسين البيضاوي ببعض الغرباء، وسأله أن يقرأ له شيئا، فامتنع، واعتل ببعض
~~العلل، فقال: هذا غريب، وسأله أن يملي عليه أحاديث، فأملى عليه أبو الحسن
~~من حفظه مجلسا يزيد عدد أحاديثه على العشرة متون جميعها: نعم الشيء الهدية
~~أمام الحاجة، وانصرف الرجل، ثم جاءه بعد، وقد أهدى له شيئا، فقر به، وأملى
~~عليه من حفظه بضعة عشر حديثا متون جميعها: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.
# سمعت عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران، يقول: ولد
~~الدارقطني في سنة ست وثلاث مائة.
# حدثنا أبو الحسين بن الفضل، قال: قال لي الدارقطني في
~~المحرم سنة خمس وثمانين وثلاث مائة في يوم الجمعة: يا أبا الحسين اليوم
~~دخلت في السنة التي توفي لي ثمانين.
# قال ابن الفضل: وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة حدثني عبد
~~العزيز الأزجي، قال: توفي الدارقطني يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي
~~القعدة سنة خمس وثمانين وثلاث مائة.
# أخبرنا العتيقي، قال: سنة خمس وثمانين وثلاث مائة توفي أبو
~~الحسن الدارقطني يوم الأربعاء الثاني من ذي القعدة، ومولده سنة خمس وثلاث
~~مائة وقال لي العتيقي مرة أخرى: توفي الدارقطني ليلة الأربعاء، ودفن يوم
~~الأربعاء الثامن من ذي الحجة سنة خمس وثمانين، وقد بلغ ثمانين سنة وخمسة
~~أيام.
# وقوله الأول هو الصحيح، وقد ذكر مثله محمد بن أبي الفوارس.
# ودفن أبو الحسن في مقبرة بابل الدير قريبا من قبر معروف الكرخي.
# حدثني أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر بن ماكولا،
~~قال: رأيت في المنام ليلة من ليالي شهر رمضان كأني أسأل عن حال أبي
~~الحسن الدارقطني في الآخرة، وما آل إليه أمره، ms4859 فقيل لي: ذاك يدعى في
~~الجنة الإمام.
PageV13P487