vol. 11, page 236
### $ عبد الله أمير المؤمنين المنصور بن محمد بن علي بن عبد
~~الله بن العباس بن عبد المطلب، يكنى أبا جعفر استخلف بعد أخيه السفاح،
~~وكان المنصور حاجا في وقت وفاة السفاح، فعقد له البيعة بالأنبار عمه عيسى
~~بن علي، وورد الخبر على المنصور في أربعة عشر يوما وكان له من السن إذ ذاك
~~إحدى وأربعون سنة وشهور.
# أخبرنا عبد العزيز بن علي الوراق، قال: أخبرنا محمد بن
~~أحمد بن محمد المفيد، قال: حدثنا أبو بشر محمد بن
~~أحمد بن حماد الأنصاري، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن
~~إبراهيم الكاتب، قال: بويع المنصور يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من
~~ذي الحجة وهو ابن إحدى وأربعين سنة وعشرة أشهر، وأمه سلامة البربرية وقام
~~ببيعته عمه عيسى بن علي، وأتت الخلافة أبا جعفر وهو بطريق مكة بموضع يقال ms3948
~~له الصفينة، فقال: صفا أمرنا إن شاء الله.
# وقال أبو بشر: قال أبو موسى هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن
~~عيسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: حدثني عبد الله بن
~~عيسى الأموي، عن إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: مولد أبي جعفر
~~المنصور بالحميمة في صفر سنة خمس وتسعين، وبويع له يوم الاثنين لثنتي عشرة
~~ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وهو ابن إحدى وأربعين سنة وعشرة
~~أشهر.
# وقال أبو بشر: أخبرني طاهر بن يحيى بن حسن الطالبي، عن علي بن
~~حبيش المديني عن علي بن ميسرة الرازي، قال: رأيت سنة خمس وعشرين أبا جعفر
~~المنصور، بمكة، فتى أسمر رقيق السمرة، موفر اللمة، خفيف اللحية، رحب
~~الجبهة، أقنى الأنف بين القنى، أعين كأن عينيه لسانان ناطقان، تخالطه أبهة
~~الملوك بزي النساك تقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه،
~~والعتق في صورته، واللب في مشيته.
# أخبرنا القاضي أبو القاسم التنوخي، قال: حدثنا محمد
~~بن عبد الرحيم المازني، قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي،
~~قال: حدثني أبو سهل بن علي بن نوبخت، قال: كان جدنا نوبخت على دين
~~المجوسية، وكان في علم النجوم نهاية، وكان محبوسا بسجن الأهواز، فقال:
~~رأيت أبا جعفر المنصور وقد أدخل السجن، فرأيت من هيبته، وجلالته، وسيماه،
~~وحسن وجهه، وبيانه، ما لم أره لأحد قط، قال: فصرت من موضعي إليه، فقلت: يا
~~سيدي ليس وجهك من وجوه أهل هذه البلاد، فقال: أجل يا مجوسي، قلت: فمن أي
~~بلاد أنت؟ فقال: من أهل المدينة، فقلت: أي مدينة؟ فقال: من مدينة الرسول
~~الله صلى الله عليه وسلم فقلت: وحق الشمس والقمر إنك لمن
~~ولد صاحب المدينة، قال: لا، ولكني من عرب المدينة.
# قال: فلم أزل أتقرب إليه وأخدمه حتى سألته عن كنيته، فقال: كنيتي أبو
~~جعفر، فقلت: أبشر فوحق المجوسية لتملكن جميع ما في هذه البلدة، حتى تملك
~~فارس وخراسان والجبال، فقال لي: وما يدريك يا مجوسي؟ قلت: هو كما أقول، ms3949
~~فاذكر لي هذه البشرى.
# فقال: إن قضي شيء فسوف يكون، قال: قلت: قد قضاه الله من السماء فطب
~~نفسا، وطلبت دواة فوجدتها، فكتب لي: بسم الله الرحمن الرحيم، يا نوبخت
~~إذا فتح الله على المسلمين، وكفاهم مئونة الظالمين، ورد الحق إلى أهله،
~~لم نغفل ما يجب من حق خدمتك إيانا، وكتب أبو جعفر.
# قال نوبخت: فلما ولي الخلافة صرت إليه، فأخرجت الكتاب، فقال أنا له
~~ذاكر، ولك متوقع، فالحمد لله الذي صدق وعده، وحقق الظن، ورد الأمر إلى
~~أهله، فأسلم نوبخت وكان منجما لأبي جعفر ومولى.
# أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن عمران المرزباني،
~~قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى المكي، قال: حدثنا
~~محمد بن القاسم بن خلاد، عن عبد الله بن سلم، عن الربيع بن يونس
~~الحاجب، قال: سمعت المنصور، يقول: الخلفاء أربعة أبو بكر، وعمر،
~~وعثمان، وعلى.
# والملوك أربعة: معاوية، وعبد الملك، وهشام، وأنا.
# أخبرني أبو الفضل محمد بن عبد العزيز بن العباس بن المهدي
~~الخطيب، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن القاسم المخزومي،
~~قال: أخبرنا أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، قال: حدثنا أبو
~~عبد الله محمد بن القاسم أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعي،
~~قال: صعد أبو جعفر المنصور المنبر، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه،
~~وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فقام
~~إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين أذكرك من أنت في ذكره.
# فقال أبو جعفر: مرحبا مرحبا، لقد ذكرت جليلا، وخوفت عظيما، وأعوذ
~~بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم، والموعظة
~~منا بدت، ومن عندنا خرجت، وأنت يا قائلها فأحلف بالله ما الله أردت
~~بها، وإنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، فأهون بها من قائلها
~~واهتبلها لله، ويلك إني غفرتها وإياكم معشر الناس وأمثالها، وأشهد أن
~~محمدا عبده ورسوله، فعاد إلى خطبته فكأنما يقرؤها من قرطاس.
# أخبرنا محمد بن الحسين الجازري، قال: حدثنا المعافى بن
~~زكريا، قال: حدثنا محمد ms3950 بن أبي الأزهر البوشنجي، قال:
~~حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا مبارك الطبري، قال: سمعت
~~أبا عبيد الله، يقول: سمعت أمير المؤمنين المنصور، يقول: الخليفة لا
~~يصلحه إلا التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا
~~العدل، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من
~~هو دونه.
# حدثني الأزهري، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن
~~الحسن، قال: حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: حدثنا أبو حاتم،
~~عن الأصمعي، عن يونس، قال: كتب زياد بن عبيد الله الحارثي، إلى المنصور
~~يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه، وأبلغ في كتابه، فوقع المنصور
~~في القصة: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعا في رجل
~~أبطراه، وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك،
~~فاكتف بالبلاغة.
# قرأت على علي بن أبي علي البصري، عن إبراهيم بن محمد
~~الطبري، قال: أخبرنا إبراهيم بن علي الهجيمي، قال: حدثنا
~~أبو العيناء، قال: دخل المنصور من باب الذهب، فإذا بثلاثة قناديل مصطفة،
~~فقال: ما هذا؟ أما واحد من هذا كان كافيا، يقتصر من هذا على واحد،
~~قال: فلما أصبح أشرف على الناس وهم يتغدون، فرأى الطعام قد خف بين أيديهم
~~قبل أن يشبعوا، فقال: يا غلام علي بالقهرمان، قال: ما لي رأيت الطعام
~~قد خف من بين أيدي الناس قبل أن يشبعوا؟ قال: يا أمير المؤمنين رأيتك قد
~~قدرت الزيت فقدرت الطعام، قال: فقال وأنت لا تفرق بين زيت يحترق في غير
~~ذات الله، وهذا طعام إذا فضل فضل وجدت له آكلا، أبطحوه، قال: فبطحوه
~~فضربه سبع درر.
# أخبرنا الحسين بن محمد، أخو الخلال، قال: أخبرني
~~إبراهيم بن عبد الله الشطي، قال: حدثنا أبو إسحاق الهجيمي،
~~قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء، قال: قال لي
~~إسماعيل بن بريهة، عن بعض أهله، عن الربيع الحاجب، قال: لما مات
~~المنصور، قال لي المهدي: يا ربيع قم بنا حتى ندور في خزائن أمير
~~المؤمنين، قال: فدرنا فوقفنا على بيت فيه أربع مائة حب مطينة الرءوس،
~~قال: قلنا: ما هذه؟ ms3951 قيل: هذه فيها أكباد مملحة أعدها المنصور للحصار.
# أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهراوني، وعلي بن محمد بن عبد
~~الواحد البلدي، ومحمد بن الحسين بن محمد الجازري، قال
~~أحمد: أخبرنا، وقالا: حدثنا المعافى بن زكريا الجريري،
~~قال: حدثنا محمد بن الحسين بن دريد، قال: أخبرنا
~~الحسن بن خضر، عن أبيه، قال: دخل رجل على المنصور، فقال:
# أقول له حين واجهته عليك السلام أبا جعفر
# فقال له المنصور: وعليك السلام، فقال:
# فأنت المهذب من هاشم وفي الفرع منها الذي يذكر
# فقال له المنصور: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم
~~فقال:
# فهذي ثيابي قد أخلقت وقد عضني زمن منكر
# فألقى إليه المنصور ثيابه، وقال: هذه بدلها.
# أخبرنا الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس، قال:
~~أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثنا الرياشي، عن
~~محمد بن سلام، قال: رأت جارية للمنصور قميصه مرقوعا، فقالت:
~~أخليفة وقميصه مرقوع؟! فقال: ويحك أما سمعت ما قال ابن هرمة:
# قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه خلق وجيب قميصه مرقوع
# حدثني الحسن بن محمد الخلال، قال: حدثنا أحمد بن
~~محمد بن عمران، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار،
~~قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، قال: دخل أعرابي على المنصور
~~فكلمه بكلام أعجبه، فقال له المنصور: سل حاجتك، فقال: ما لي حاجة يا
~~أمير المؤمنين فأطال الله عمرك، وأنعم على الرعية بدوام النعمة عليك.
# قال: ويحك سل حاجتك، فإنه لا يمكنك الدخول علينا كلما أردت، ولا يمكننا
~~أن نأمر لك كلما دخلت، قال: ولم يا أمير المؤمنين، وأنا لا أستقصر عمرك،
~~ولا أغتنم مالك؟ وإن العرب لتعلم في مشارق الأرض ومغاربها أن مناجاتك شرف،
~~وما لشريف عنك منحرف، وإن عطاءك لزين، وما مسألتك بنقص ولا شين، فتمثل
~~المنصور بقول الأعشى:
# فجربوه فما زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والقنعا
# ثم قال: يا غلام أعطه ألف دينار.
# أخبرنا التنوخي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحيم
~~المازني، قال: حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، قال:
~~حدثنا ابن أبي ms3952 سعد، قال: حدثني أبو زيد، قال: حدثني
~~أيوب بن عمرو بن أبي عمرو أبو سلمة الغفاري، قال: حدثني قطن بن
~~معاوية الغلابي، قال: كنت ممن سارع إلى إبراهيم واجتهد معه، فلما
~~قتل طلبني أبو جعفر واستخفيت، فقبض أموالي ودوري، ولحقت بالبادية فجاورت في
~~بني نصر بن معاوية، ثم في بني كلاب، ثم في بني فزارة، ثم في بني سليم، ثم
~~تنقلت في بلاد قيس أجاورهم حتى ضقت ذرعا بالاستخفاء، فأزعمت على القدوم
~~على أبي جعفر والاعتراف له، فقدمت البصرة، فنزلت في طرف منها، ثم أرسلت
~~إلى أبي عمرو بن العلاء، وكان لي ودا فشاورته في الذي أزمعت عليه،
~~ففيل رأيي، وقال: والله إذا ليقتلنك، وإنك لتعين على نفسك، فلم
~~ألتفت إليه، وشخصت حتى قدمت بغداد، وقد بني أبو جعفر مدينته ونزلها، وليس
~~من الناس أحد يركب فيها ما خلا المهدي، فنزلت الخان ثم قلت لغلماني أنا
~~ذاهب إلى أمير المؤمنين، فأمهلوا ثلاثا، فإن جئتكم وإلا فانصرفوا، ومضيت
~~حتى دخلت المدينة، فجئت دار الربيع والناس ينتظرونه، وهو يومئذ داخل
~~المدينة في الشارعة على قصر الذهب، فلم ألبث أن خرج يمشي، فقام إليه الناس
~~وقمت معهم، فسلمت عليه فرد علي وقال: من أنت؟ قلت: قطن بن معاوية، قال:
~~انظر ما تقول! قلت: أنا هو، فأقبل على مسودة معه، فقال: احتفظوا بهذا،
~~فلما حرست لحقتني ندامة، وتذكرت رأي أبي عمرو، فتأسفت عليه، ودخل الربيع
~~فلم يطل حتى خرج بخصي، فأخذ بيدي، فأدخلني قصر الذهب، ثم أتى بيتا حصينا،
~~فأدخلني فيه، ثم أغلق بابه وانطلق، فاشتدت ندامتي وأيقنت بالبلاء، وخلوت
~~بنفسي ألومها، فلما كانت الظهر أتاني الخصي بماء فتوضأت وصليت، وأتاني
~~بطعام، فأخبرته أني صائم، فلما كانت المغرب أتاني بماء، فتوضأت وصليت،
~~وأرخى علي الليل سدوله فيئست من الحياة، وسمعت أبواب المدينة تغلق،
~~وأقفالها تشدد، فامتنع مني النوم، فلما ذهب صدر الليل أتاني الخصي، ففتح
~~عني ومضى بي، فأدخلني صحن دار، ثم أدناني من ستر مسدول، فخرج علينا خادم
~~فأدخلنا، فإذا أبو جعفر وحده، ms3953 والربيع قائم في ناحية، فأكب أبو جعفر هنيهة
~~مطرقا، ثم رفع رأسه فقال: هيه؟ قلت: يا أمير المؤمنين أنا قطن بن
~~معاوية، قد والله جهدت عليك جهدي، فعصيت أمرك وواليت عدوك، وحرصت
~~على أن أسلبك ملكك، فإن عفوت فأهل ذاك أنت، وإن عاقبت فبأصغر ذنوبي تقتلني.
# قال: فسكت هنيهة، ثم قال: هيه؟ فأعدت مقالتي، فقال: فإن أمير
~~المؤمنين قد عفا عنك.
# فقلت: يا أمير المؤمنين، إني إن أصير من وراء بابك فلا أصل إليك وضياعي
~~ودوري فهي مقبوضة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يردها فعل.
# فدعا بالدواة ثم أمر خادما فكتب بإملائه إلى عبد الملك بن أيوب النميري
~~وهو يومئذ على البصرة: إن أمير المؤمنين قد رضي عن قطن بن معاوية، ورد عليه
~~ضياعه ودوره وجميع ما قبض له فاعلم ذلك، وأنفذه له إن شاء الله.
# قال: ثم ختم الكتاب ودفعه إلي فخرجت من ساعتي لا أدري أين أذهب، فإذا
~~الحرس بالباب، فجلست جانب أحدهم أحدثه فلم ألبث أن خرج علينا الربيع،
~~فقال: أين الرجل الذي خرج آنفا، فقمت إليه فقال: انطلق أيها الرجل،
~~فقد والله سلمت، فانطلق بي إلى منزله فعشاني وأفرشني، فلما أصبحت ودعته
~~وأتيت غلماني فأرسلتهم يكترون لي، فوجدوا صديقا لي من الدهاقين من أهل
~~ميسان قد اكترى سفينة لنفسه، فحملني معه، فقدمت على عبد الملك بن أيوب
~~بكتاب أبي جعفر، فأقعدني عنده فلم أقم حتى رد علي جميع ما اصطفى لي.
# أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، قال: أخبرنا
~~عثمان بن أحمد الدقاق، قال: حدثنا محمد بن
~~أحمد بن البراء، قال: حدثني أحمد بن هشام، قال:
~~قال الربيع: بينا أنا مع أبي جعفر المنصور في
~~طريق مكة، تبرز فنزل يقضي حاجة، فإذا الريح
~~قد ألقت إليه رقعة فيها مكتوب:
# أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت سنوك وأمر الله
~~لا بد واقع
# قال: فناداني يا ربيع، تنعى إلي نفسي في رقعة؟!
~~لا والله ما أعرف رقعة، ولا أدري ما هي، قال: فما
~~رجع من وجهه حتى مات بمكة. ms3954
# قرأت على ابن رزق، عن عثمان بن أحمد، قال: حدثنا ابن البراء،
~~قال: حدثني الحسن بن هشام، عن الربيع، قال: حججت مع المنصور
~~أبي جعفر، فلما كنا بالقادسية، قال لي: يا ربيع إني مقيم بهذا المنزل
~~ثلاثا، فناد في الناس، فناديت، فلما كان الغد، قال لي: يا ربيع مللت
~~المنزل فناد بالرحيل، فقلت: ناديت أمس أنك مقيم بهذا المنزل ثلاثا، وترحل
~~الساعة؟ قال: أجمت، فرحل ورحل الناس، وقربت له ناقة ليركب وجاءوه بمجمر
~~يتبخر، فقمت بين يديه، فقال: ما عندك؟ فقلت: رحل الناس، فأخذ فحمة من
~~المجمر فبلها بريقه، وقام إلى الحائط فجعل يكتب على الحائط بريقه حتى كتب
~~أربعة أسطر، ثم قال: اركب يا ربيع، فكان في نفسي هم لا أعلم ما كتب، ثم
~~حججنا فكان من أمر وفاته ما كان، ثم رجعت من مكة فبسط لي في الموضع الذي
~~بسط له فيه بالقادسية، فدخلت وفس نفسي أن أعلم ما كتب على الحائط، فإذا هو
~~قد كتب على الحائط:
# المرء يأمل أن يعيش وطول عمر قد يضره
# تبلى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مره
# وتخونه الأيام حتى لا يرى شيئا يسره
# كم شامت بي إن هلكت وقائل لله دره
# أخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا عثمان بن أحمد، قال:
~~حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، قال: ومات أبو جعفر ببئر
~~ميمون من مكة وهو محرم، فدفن مكشوف الوجه، لست خلون من ذي الحجة سنة ثمان
~~وخمسين ومائة، ونقش خاتمه: الله ثقة عبد الله وبه يؤمن، وكان عمره
~~ثلاثا وستين سنة، وخلافته إحدى وعشرون سنة، وأحد عشر شهرا، وثمانية أيام.
PageV11P244