vol. 9, page 373
### $ ذو النون بن إبراهيم أبو الفيض المعروف بالمصري أصله
~~من النوبة، وكان من قرية من قرى صعيد مصر يقال لها: إخميم فنزل مصر.
# وكان حكيما فصيحا زاهدا، وجه إليه جعفر المتوكل على الله فحمل
~~إلى حضرته بسر من رأى، حتى رآه وسمع كلامه، ثم انحدر إلى بغداد
~~فأقام بها مديدة وعاد إلى مصر، وقيل: إن اسمه ثوبان، وذا النون لقب
~~له.
# وقد أسند عنه أحاديث غير ثابتة والحمل فيها على من دونه.
# وحكى عنه من البغداديين: سعيد بن عياش الحناط، وأبو العباس
~~بن مسروق الطوسي.
# أخبرنا أحمد بن علي المحتسب، قال: حدثنا أبو عبد
~~الرحمن السلمي، قال ذو النون بن إبراهيم: كنيته أبو الفيض،
~~ويقال: إن اسمه الفيض بن إبراهيم وذو النون لقب، ويقال: إن اسمه
~~ثوبان أخبرنا الأزهري، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن
~~عمر الدارقطني، قال: ذو النون بن إبراهيم المصري روي عنه عن
~~مالك أحاديث في أسانيدها نظر، وكان واعظا أخبرنا إسماعيل
~~بن أحمد الحيري، قال: أخبرنا محمد بن الحسين السلمي،
~~قال: سألت علي بن عمر عن ذي النون، فقال: إذا صح السند إليه
~~فأحاديثه مستقيمة وهو ثقة أخبرني أبو الحسن محمد بن
~~عبد الواحد، قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن موسى،
~~قال: سمعت عبد الله بن علي، يقول: سمعت محمد بن داود
~~الرقي، يقول: سمعت ابن الجلاء يقول: لقيت ست مائة شيخ ما لقيت فيهم
~~مثل أربعة، أحدهم ذو النون أخبرنا القاضي أبو القاسم عبد
~~الواحد بن محمد بن عثمان البجلي، قال: أخبرنا جعفر بن
~~محمد بن نصير الخلدي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن
~~مسروق، قال: سمعت ذا النون المصري، يقول: بينا أنا في بعض مسيري إذ
~~لقيتني امرأة فقالت لي: من أين؟ قلت: رجل غريب، فقالت لي: ويحك وهل يوجد
~~مع الله أحزان الغربة، وهو مؤنس الغرباء، ومعين الضعفاء، فبكيت،
~~فقالت لي: ما يبكيك؟، قلت: وقع الدواء على داء قد قرح فأسرع في نجاحه،
~~قالت: إن كنت صادقا، فلم ms3310 بكيت؟ قلت: والصادق لا يبكي؟ قالت: لا، قلت:
~~ولم، قالت: لأن البكاء راحة القلب، وملجأ يلجأ إليه، وما كتم القلب شيئا
~~أحق من الشهيق والزفير، فإذا أسبلت الدمعة استراح القلب، وهذا ضعف عند
~~الألباء يا بطال! فبقيت معتجبا من كلامها، فقالت: مالك؟ قلت: تعجبا من
~~هذا الكلام، قالت: وقد أنسيت القرحة التي سألت عنها، قلت: لا، قلت:
~~علميني شيئا ينفعني الله به، قالت: وما أفادك الحكيم في مقامك هذا من
~~الفوائد ما تستغني به عن طلب الزوائد، قلت: لا ما أنا بمستغن عن طلب
~~الزوائد، قالت: صدقت، حب ربك، واشتق إليه، فإن له يوما يتجلى فيه على كرسي
~~كرامته لأوليائه وأحبائه فيذيقهم من محبته كأسا لا يظمئون بعدها أبدا،
~~قال: ثم أخذت في البكاء والزفير والشهيق وهي تقول: سيدي إلى كم
~~تخلفني في دار لا أجد فيها أحدا يسعدني على البكاء أيام حياتي، ثم
~~تركتني ومضت أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل،
~~قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي، قال:
~~حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، قال: سمعت ذا النون المصري،
~~يقول: اعلموا أن الذي أقام الحياء من الله معرفته بإحسانه إليهم،
~~وعلمهم بتضييع ما افترض من شكره، فليس لشكره نهاية، كما ليس لعطيته نهاية
~~أخبرنا أبو علي عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن
~~فضالة النيسابوري بالري، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله
~~بن شاذان الرازي بنيسابوري، قال: سمعت يوسف بن الحسين، يقول:
~~حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل، وكان المتوكل مولعا به يفضله على
~~العباد والزهاد، فقال له المتوكل: يا أبا الفيض، صف لنا أولياء الله،
~~فقال ذو النون: يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم ألبسهم الله النور الساطع
~~من محبته، وجللهم بالبهاء من أردية كرامته، ووضع على مفارقهم تيجان
~~مسرته، ونشر لهم المحبة في قلوب خليقته ثم أخرجهم، وقد أودع القلوب
~~ذخائر الغيوب فهي معلقة بمواصلة المحبوب، فقلوبهم إليه سائرة، وأعينهم
~~إلى عظيم جلاله ناظرة ثم أجلسهم بعد أن أحسن إليهم على كراسي طلب
~~المعرفة ms3311 بالدواء، وعرفهم منابت الأدواء، وجعل تلاميذهم أهل الورع
~~والتقى، وضمن لهم الإجابة عند الدعاء، وقال: يا أوليائي إن أتاكم عليل
~~من فرقي فداووه، أو مريض من إرادتي فعالجوه، أو مجروح بتركي إياه
~~فلاطفوه، أو فار مني فرغبوه، أو آبق مني فخادعوه، أو خائف مني
~~فأمنوه، أو راغب في مواصلتي فمنوه، أو قاصد نحوي فأدوه، أو جبان في
~~متاجرتي فجرئوه، أو آيس من فضلي فعدوه، أو راج لإحساني فبشروه، أو
~~حسن الظن بي فباسطوه، أو محب لي فواصلوه، أو معظم لقدري فعظموه، أو
~~مستوصف نحوي فارشدوه، أو مسيء بعد إحساني فعاتبوه، أو ناس لإحساني
~~فذكروه، وان استغاث بكم ملهوف فأغيثوه، ومن وصلكم في فواصلوه فإن غاب
~~عنكم فافتقدوه، وإن ألزمكم جناية فاحتملوه، وإن قصر في واجب حق
~~فاتركوه، وإن أخطأ خطيئة فانصحوه، وإن مرض فعودوه، وإن وهبت لكم هبة
~~فشاطروه، وإن رزقتكم فآثروه يا أوليائي لكم عاتبت، ولكم خاطبت، وإياكم
~~رغبت، ومنكم الوفاء طلبت، لأنكم الأثرة آثرت وانتخبت، وإياكم استخدمت،
~~واصطنعت واختصصت، لا أريد استخدام الجباري، ولا مطاوعة الشرهين، جزائي
~~لكم أفضل الجزاء، وعطائي لكم أوفر العطاء، وبذلي لكم أغلى البذل، وفضلي
~~عليكم أكبر الفضل، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشد
~~المطالبة، أنا مفتش القلوب، أنا علام الغيوب، أنا ملاحظ اللحظ، أنا مراصد
~~الهمم، أنا مشرف على الخواطر، أنا العالم بأطراف الجفون، لا يفزعكم صوت
~~جبار دوني، ولا مسلط سواي، فمن أرادكم قصمته، ومن آذاكم آذيته، ومن
~~عاداكم عاديته، ومن ولاكم واليته، ومن أحسن إليكم أرضيته أنتم أوليائي،
~~وأنتم أحبائي، أنتم لي وأنا لكم حدثنا أبو الفرج محمد بن
~~عبيد الله الخرجوشي لفظا، قال: حدثنا أبو العباس
~~الحسن بن سعد المطوعي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن
~~بنان بن عبد الله المصري بمصر، قال: سمعت أبا الفيض ذا النون بن
~~إبراهيم المصري، يقول: سألني جعفر المتوكل أمير المؤمنين، أن أكتب
~~له دعاء يدعو به، وأمر يحيى بن أكثم أن يكتبه له، فقلت له: اكتب، رب
~~أقمني في أهل ولايتك مقام ms3312 رجاء الزيادة من محبتك، واجعلني ولها بذكرك
~~في ذكرك إلى ذكرك، وفي روح بحابح أسمائك لاسمك، وهب لي قدما أعادل بها
~~بفضلك أقدام من لم يزل عن طاعتك، وأحقق بها ارتياحا في القرب منك،
~~وأخف بها جولا في الشغل بك، ما حييت وما بقيت رب العالمين، إنك رءوف
~~رحيم، اللهم بك أعوذ وألوذ وأؤمل البلغة إلى طاعتك والمثوى الصالح من
~~مرضاتك، وأنت ولي قدير قال ذو النون: فقال لي يحيى بن أكثم: هذا بس
~~يا أبا الفيض، فقلت له: هذا لهذا كثير إن أراد الله به خيرا، قال:
~~ثم خرجت وودعته.
# حدثنا عبد العزيز بن علي الوراق، قال: حدثنا علي
~~بن عبد الله الهمذاني، قال: حدثنا أحمد بن مقاتل الحريري
~~مذاكرة، قال: لما وافى ذو النون إلى بغداد اجتمع إليه جماعة من
~~الصوفية ومعهم من يقول، فاستأذنونه أن يقول شيئا من عنده، فقال: نعم
~~فابتدأ القول:
# صغير هواك عذبني فكيف به إذا احتنكا
# وأنت جمعت من قلبي هوى قد كان مشتركا
# أما ترثي لمكتئب إذا ضحك الخلي بكى
# فقام ذو النون قائما، ثم سقط على وجهه، نرى الدم يجري منه ولا يسقط
~~إلى الأرض منه شيء.
# ثم قام بعده رجل ممن كان حاضرا في المجلس يتواجد، فقال له ذو
~~النون: {الذي يراك حين تقوم} فجلس الرجل أخبرني عبد
~~الصمد بن محمد الخطيب، قال: حدثنا الحسن بن الحسين
~~الهمذاني الفقيه، قال: سمعت محمد بن أبي إسماعيل العلوي،
~~يقول: سمعت أحمد بن رجاء بمكة، يقول: سمعت ذا الكفل المصري، وهو أخو
~~ذي النون، يقول: دخل غلام لذي النون إلى بغداد فسمع قوالا، يقول، فصاح
~~غلام ذي النون صيحة خر ميتا، فاتصل الخبر بذي النون فدخل إلى بغداد،
~~فقال علي بالقوال واسترد الأبيات فصاح ذو النون صيحة فمات القوال،
~~ثم خرج ذو النون وهو يقول: النفس بالنفس والجروح قصاص أخبرنا
~~الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس وأخبرنا
~~الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي،
~~قالا: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن جعفر ms3313 بن المنادي،
~~قال: ودخلها، يعني بغداد، أبو الفيض ذو النون النوبي المعروف
~~بالمصري، حين أشخص إلى سر من رأى أيام المتوكل، ثم زار جماعة من
~~إخوانه فأقام ببغداد أياما يسيرة، ثم رجع إلى مصر أخبرنا
~~أبو سعد الماليني إجازة، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق المصري،
~~قال: حدثني جبلة بن محمد الصدفي، قال: حدثني عبيد
~~الله بن سعيد بن كثير بن عفير، قال: توفي ذو النون المصري سنة
~~خمس وأربعين ومائتين.
# وقال ابن رشيق: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أبي
~~مالك الإخميمي، قال: سمعت أبا العباس حيان بن أحمد السهمي،
~~يقول: مات ذو النون بالجيزة وحمل في مركب حتى عدي به إلى الفسطاط
~~خوفا من زحمة الناس على الجسر، ودفن في مقابر أهل المعافر، وذلك في
~~يوم الإثنين لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة ست وأربعين ومائتين.
# وكان والده يقال: له إبراهيم مولى إسحاق بن محمد الأنصاري،
~~وكان له أربعة بنين: ذو النون، والهميسع، وعبد الباري، وذو الكفل،
~~ولم يكن أحد منهم على مثل طريقة ذي النون
PageV09P373