vol. 9, page 157
### $ حبيب بن أوس أبو تمام الطائي الشاعر شامي الأصل كان
~~بمصر في حداثته يسقي الماء في المسجد الجامع، ثم جالس الأدباء، فأخذ
~~عنهم، وتعلم منهم، وكان فطنا فهما، وكان يحب الشعر، فلم يزل يعانيه
~~حتى قال الشعر فأجاد، ms3165 وشاع ذكره وسار شعره، وبلغ المعتصم خبره فحمله
~~إليه وهو بسر من رأى، فعمل أبو تمام فيه قصائد عدة، وأجازه المعتصم،
~~وقدمه على شعراء وقته.
# وقدم إلى بغداد فجالس بها الأدباء، وعاشر العلماء.
# وكان موصوفا بالظرف وحسن الأخلاق، وكرم النفس.
# وقد روى عنه أحمد بن أبي طاهر وغيره أخبارا مسندة.
# وهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مرينا
~~بن سهم بن خلجان بن مروان بن دفافة بن مر بن سعد بن كاهل بن
~~عمرو بن عدي بن عمرو بن الحارث بن طيء، واسمه جلهم بن أدد بن
~~زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن
~~قحطان.
# أخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن عمران بن
~~موسى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي سعيد
~~البزاز، قال: أخبرنا أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر، قال:
~~حدثني حبيب بن أوس أبو تمام الطائي، قال: حدثني أبو عبد
~~الرحمن الأموي، قال: ذكر الكلام في مجلس سليمان بن عبد
~~الملك فذمه أهل المجلس، فقال سليمان: كلا، إن من تكلم فأحسن، قدر
~~على أن يسكت فيحسن، وليس كل من سكت فأحسن، قدر على أن يتكلم فيحسن، قال
~~حبيب: وتذوكر الكلام في مجلس سعيد بن عبد العزيز التنوخي وحسنه،
~~والصمت ونبله، فقال: ليس النجم كالقمر، إنك إنما تمدح السكوت بالكلام،
~~ولن تمدح الكلام بالسكوت، وما نبأ عن شيء فهو أكبر منه أخبرني
~~علي بن أيوب القمي، قال: أخبرنا أبو عبيد الله المرزباني، قال:
~~أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: قال قوم: إن أبا تمام
~~هو حبيب بن تدوس النصراني، فغير فصير أوسا أخبرنا أحمد بن عمر
~~بن روح النهرواني، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا الجريري، قال:
~~حدثنا محمد بن محمود الخزاعي، قال: حدثنا علي بن الجهم،
~~قال: كان الشعراء يجتمعون كل جمعة في القبة المعروفة بهم من جامع
~~المدينة، فيتناشدون الشعر، ويعرض كل واحد منهم على أصحابه ما أحدث ms3166 من
~~القول بعد مفارقتهم في الجمعة التي قبلها، فبينا أنا في جمعة من تلك
~~الجمع، ودعبل وأبو الشيص وابن أبي فنن، والناس يستمعون إنشاد بعضنا
~~بعضا أبصرت شابا في أخريات الناس جالسا في زي الأعراب وهيئتهم، فلما
~~قطعنا الإنشاد، قال لنا: قد سمعت إنشادكم منذ اليوم، فاسمعوا إنشادي.
# قلنا: هات، فأنشدنا
# فحواك دل على نجواك يا مذل حتام لا يتقضى قولك الخطل
# فإن أسمج من تشكو إليه هوى من كان أحسن شيء عنده العذل
# ما أقبلت أوجه اللذات سافرة مذ أدبرت باللوى أيامنا الأول
# إن شئت أن لا ترى صبر القطين بها
# فانظر على أي حال أصبح الطلل
# كأنما جاد مغناه فغيره دموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
# ولو ترانا وإياهم وموقفنا في موقف البين لاستهلالنا زجل
# من حرقة أطلقتها فرقة أسرت قلبا ومن عذل في نحره عذل
# وقد طوى الشوق في أحشائنا بقر عين طوتهن في أحشائها الكلل
# ثم مر فيها حتى انتهى إلى قوله في مدح المعتصم:
# تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل
# قال فعقد أبو الشيص عند هذا البيت خنصره، ثم مر فيها إلى آخرها.
# فقلنا زدنا، فأنشدنا:
# دمن ألم بها فقال سلام كم حل عقدة صبره الإلمام
# ثم أنشدها إلى آخرها، وهو يمدح فيها المأمون.
# واستزدناه، فأنشدنا قصيدته التي أولها:
# قدك اتئد أربيت في الغلواء كم تعذلون وأنتم سجرائي
# حتى انتهى إلى آخرها، فقلنا له: لمن هذا الشعر؟ فقال: لمن أنشدكموه،
~~قلنا: ومن تكون؟ قال: أنا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، فقال له
~~أبو الشيص: تزعم أن هذا الشعر لك، وتقول:
# تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل
# قال: نعم، لأني سهرت في مدح ملك، ولم أسهر في مدح سوقة، فعرفناه حتى
~~صار معنا في موضعنا، ولم نزل نتهاداه بيننا، وجعلناه كأحدنا، واشتد
~~إعجابنا به لدماثته، وظرفه وكرمه، وحسن طبعه، وجودة شعره، وكان ذلك
~~اليوم أول يوم عرفناه فيه.
# ثم ترقت حاله حتى كان من أمره ما كان أخبرني ms3167 علي بن أيوب
~~القمي، قال: أخبرنا محمد بن عمران الكاتب، قال: أخبرني
~~الصولي، قال: حدثني الحسين بن إسحاق، قال: قلت للبحتري:
~~الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام فقال: والله ما ينفعني هذا القول
~~ولا يضير أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما
~~قالوا، ولكني والله تابع له، لائذ به، آخذ منه، نسيمي يركد عند هوائه،
~~وأرضي تنخفض عند سمائه، وأخبرني علي بن أيوب، قال: أخبرنا
~~محمد بن عمران، قال: أخبرني محمد بن يحيى الصولي،
~~قال: حدثني أبو العباس عبد الله بن المعتز، قال: حدثت
~~إبراهيم بن المدبر، ورأيته يستجيد شعر أبي تمام ولا يوفيه حقه،
~~بحديث حدثنيه أبو عمرو بن أبي الحسن الطوسي وجعلته مثلا
~~له، قال: بعثني أبي إلى ابن الأعرابي لأقرأ عليه أشعارا، وكنت
~~معجبا بشعر أبي تمام، فقرأت عليه من أشعار هذيل، ثم قرأت عليه
~~أرجوزة أبي تمام على أنها لبعض شعراء هذيل:
# وعاذل عذلته في عذله فظن أني جاهل لجهله
# حتى أتممتها، فقال: اكتب لي هذه فكتبتها له، ثم قلت: أحسنة هي؟
~~قال: ما سمعت بأحسن منها، قلت: إنها لأبي تمام، قال: خرق خرق.
# قال ابن المعتز: وهذا الفعل من العلماء مفرط القبح، لأنه يجب أن لا
~~يدفع إحسان محسن عدوا كان أو صديقا، وأن تؤخذ الفائدة من الرفيع
~~والوضيع، فإنه يروى عن علي بن أبي طالب أنه قال: الحكمة
~~ضالة المؤمن، فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك.
# ويروى عن بزرجمهر أنه قال: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه حتى انتهيت
~~إلى الكلب، والهرة، والخنزير، والغراب، فقيل له: وما أخذت من الكلب؟،
~~قال: ألفه لأهله وذبه عن حريمه، قيل فمن الغراب؟، قال: شدة حذره،
~~قيل: فمن الخنزير؟ قال: بكوره في إرادته، قيل: فمن الهرة؟ قال: حسن
~~رفقها عند المسألة، ولين صياحها أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين
~~بن محمد الجازري، قال: حدثنا المعافى بن زكريا، قال:
~~حدثنا محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا محمد بن
~~موسى بن حماد، قال: ms3168 سمعت علي بن الجهم وقد ذكر دعبلا فكفره
~~ولعنه، وقال: كان قد أغرى بالطعن على أبي تمام وهو خير منه دينا
~~وشعرا، فقال له رجل لو كان أبو تمام أخاك ما زاد على كثرة وصفك
~~له، فقال: إلا يكن أخا بالنسب، فإنه أخ بالأدب والدين والمروءة، أو
~~ما سمعت قوله في طيء:
# إن يكد مطرف الإخاء فإننا نغدو ونسري في إخاء تالد
# أو يختلف ماء الوصال فماؤنا عذب تحدر من غمام واحد
# أو يفترق نسب يؤلف بيننا أدب أقمناه مقام الوالد
# أخبرني أبو الحسن بن محمد بن عبد الواحد، قال:
~~أخبرنا محمد بن عبد الرحيم المازلي، قال: حدثنا الحسين
~~بن القاسم الكوكبي، قال: حدثني أبو علي محرز، قال: اعتل
~~أبو علي الحسن بن وهب من حمى نافض وصالب، وطاولته، فكتب إليه
~~أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
# يا حليف الندى ويا توءم الجود ويا خير من حبوت القريضا
# ليت حماك في وكان لك الأجر فلا تشتكي وكنت المريضا
# أخبرني أبو القاسم الأزهري، قال: أخبرنا أحمد بن
~~إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة،
~~قال: سنة ثمان وعشرين، فيها مات أبو تمام الطائي وأخبرني الأزهري،
~~قال: حدثنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا أبو علي
~~الكوكبي، قال: حدثنا أبو سليمان النابلسي إدريس بن يزيد،
~~قال: قال لي تمام بن أبي تمام الطائي: ولد أبي سنة ثمان وثمانين
~~ومائة، ومات في سنة إحدى وثلاثين ومائتين أخبرني علي بن أيوب،
~~قال: أخبرنا محمد بن عمران الكاتب أخبرني الصولي، قال:
~~حدثني محمد بن موسى، قال: عني الحسن بن وهب بأبي تمام
~~وكان يكتب لمحمد بن عبد الملك الزيات فولاه بريد الموصل، فأقام بها
~~أقل من سنتين، ومات في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ودفن
~~بالموصل قال الصولي، وحدثني عون بن محمد الكندي، قال: سمعت
~~أبا تمام، يقول: مولدي سنة تسعين ومائة، قال: وأخبرني مخلد
~~الموصلي أن أبا تمام مات بالموصل في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
# وقال الصولي قال علي بن الجهم ms3169 يرثي أبا تمام:
# غاضت بدائع فطنة الأوهام وعدت عليها نكبة الأيام
# وغدا القريض ضئيل شخص باكيا يشكو رزيته إلى الأقلام
# وتأوهت غرر القوافي بعده ورمى الزمان صحيحها بسقام
# أودى مثقفها ورائد صعبها وغدير روضتها أبو تمام
# أخبرنا علي بن أبي المعدل، قال: حدثنا أبو عبيد الله
~~محمد بن عمران بن موسى المرزباني، قال: أخبرني محمد بن
~~يحيى، قال: حدثني محمد بن موسى، قال: قال الحسن
~~بن وهب يرثي أبا تمام الطائي:
# فجع القريض بخاتم الشعراء وغدير روضتها حبيب الطائي
# ماتا معا فتجاورا في حفرة وكذاك كانا قبل في الأحياء
# قال محمد بن يحيى: ولمحمد بن عبد الملك الزيات يرثيه
~~وهو حينئذ وزير:
# نبأ أتى من أعظم الأنباء لما ألم مقلقل الأحشاء
# قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم ناشدتكم لا تجعلوه الطائي
PageV09P157