vol. 5, page 164
### $ أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد أبو
~~الطيب الجعفي الشاعر المعروف بالمتنبي بلغني أنه ولد بالكوفة في
~~سنة ثلاث وثلاث مائة، ونشأ بالشام، وأكثر المقام بالبادية، وطلب الأدب وعلم
~~العربية، ونظر في أيام الناس، وتعاطى قول الشعر من حداثته حتى بلغ فيه
~~الغاية التي فاق أهل عصره وعلا شعراء وقته، واتصل بالأمير أبي الحسن
~~بن حمدان المعروف بسيف الدولة، وانقطع إليه وأكثر القول في مديحه، ثم
~~مضى إلى مصر فمدح بها كافور الخادم، وأقام هناك مدة، ثم خرج من مصر وورد
~~العراق، ودخل بغداد، وجالس بها أهل الأدب، وقرئ عليه ديوانه.
# فحدثني أحمد بن أبي جعفر القطيعي، عن أبي أحمد عبيد
~~الله بن محمد بن أبي مسلم الفرضي، قال: لما ورد المتنبي
~~بغداد سكن في ربض حميد، فمضيت إلى الموضع الذي نزل فيه لأسمع منه
~~شيئا من شعره فلم أصادفه، فجلست انتظره، وأبطأ علي، فانصرفت من غير أن
~~ألقاه، ولم أعد إليه بعد ذلك، وقد كان القاضي أبو الحسين
~~محمد بن أحمد بن القاسم المحاملي سمع منه ديوانه ورواه
~~عنه.
# أخبرنا علي بن المحسن التنوخي، عن أبيه، قال: حدثني
~~أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي الزيدي، قال: كان المتنبي ms1552
~~وهو صبي ينزل في جواري بالكوفة، وكان يعرف أبوه بعيدان السقاء، يسقى
~~لنا ولأهل المحلة، ونشأ وهو محبا للعلم والأدب فطلبه وصحب الأعراب في
~~البادية، فجاءنا بعد سنين بدويا قحا، وقد كان تعلم الكتابة والقراءة،
~~فلزم أهل العلم والأدب، وأكثر من ملازمة الوراقين، فكان علمه من دفاترهم،
~~فأخبرني وراق، كان يجلس إليه يوما، قال لي: ما رأيت أحفظ من هذا
~~الفتى بن عيدان قط، فقلت له: كيف؟ فقال: كان اليوم عندي، وقد أحضر
~~رجل كتابا من كتب الأصمعي، سماه الوراق وأنسيه أبو الحسن، يكون نحو
~~ثلاثين ورقة ليبيعه، قال: فأخذ ينظر فيه طويلا، فقال له الرجل: يا
~~هذا أريد بيعه، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا إن شاء
~~الله بعد سنة، فقال له: أن كنت حفظته فمالي عليك؟ قال: أهب لك
~~الكتاب، قال: فأخذت الدفتر من يده، فأقبل يتلوه على إلى آخره، ثم
~~استلبه فجعله في كمه، وقام فعلق به صاحبه وطالبه بالثمن، فقال: ما
~~إلى ذلك سبيل قد وهبته لي، قال: فمنعانه منه، وقلنا له: أنت شرطت على
~~نفسك هذا للغلام، فتركه عليه.
# وقال أبو الحسن: كان عيدان والد المتنبي يذكر أنه من جعفى،
~~وكانت جدة المتنبي همدانية صحيحة النسب لا أشك فيها، وكانت جارتنا، وكانت
~~من صلحاء النساء الكوفيات.
# قال التنوخي: قال أبي: فاتفق مجيء المتنبي بعد سنين إلى الأهواز
~~منصرفا من فارس، فذاكرته بأبي الحسن، فقال: تربى وصديقي وجاري
~~بالكوفة، وأطراه ووصفه، وسألت المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به،
~~وقال: أنا رجل أحيط القبائل وأطوي البوادي وحدي، ومتى انتسبت لم آمن أن
~~يأخذني بعض العرب بطائلة بينها وبين القبيلة التي أنتسب إليها، وما دمت غير
~~منتسب إلي أحد فأنا أسلم على جميعهم ويخافون لساني.
# قال: واجتمعت بعد موت المتنبي بسنين مع القاضي أبي الحسن بن
~~أم شيبان الهاشمي الكوفي، وجرى ذكر المتنبي، فقال: كنت أعرف أباه
~~بالكوفة شيخا يسمى عيدان يستقى على بعير له، وكان جعفيا صحيح النسب.
# قال: وقد كان المتنبي لما ms1553 خرج إلي كلب وأقام فيهم ادعى أنه علوي
~~حسنى، ثم ادعى بعد ذلك النبوة، ثم عاد يدعى أنه علوي إلي أن أشهد عليه
~~بالشام بالكذب في الدعوتين، وحبس دهرا طويلا، وأشرف على القتل، ثم استتيب
~~وأشهد عليه بالتوبة وأطلق.
# أخبرنا التنوخي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبو
~~علي بن أبي حامد، قال: سمعت خلقا بحلب يحكون، وأبو
~~الطيب المتنبي بها، إذ ذاك أنه تنبأ في بادية السماوة ونواحيها إلى
~~أن خرج إليه لؤلؤ أمير حمص من قبل الإخشيدية فقاتله وأسره، وشرد من
~~كان اجتمع إليه من كلب وكلاب وغيرهما من قبائل العرب، وحبسه في السجن
~~دهرا طويلا، فاعتل وكاد أن يتلف حتى سئل في أمره فاستتابه، وكتب عليه
~~وثيقة أشهد عليه فيها ببطلان ما ادعاه ورجوعه إلى الإسلام، وإنه تائب
~~منه ولا يعاود مثله وأطلقه.
# قال: وكان قد تلا على البوادي كلاما ذكر أنه قرآن أنزل عليه،
~~وكانوا يحكون له سورا كثيرة، نسخت منها سورة ضاعت وبقى أولها في حفظي
~~وهو: والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، أن الكافر لفي أخطار،
~~امض على سننك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن الله قامع بك زيغ
~~من ألحد في دينه وضل عن سبيله.
# قال: وهي طويلة لم يبق في حفظي منها غير هذا.
# قال: وكان المتنبي إذا شوغب في مجلس سيف الدولة ونحن إذ ذاك بحلب
~~يذكر له هذا القرآن وأمثاله مما كان يحكى عنه فينكره ويجحده.
# قال: وقال له ابن خالويه النحوي يوما في مجلس سيف الدولة: لولا
~~أن الآخر جاهل لما رضي أن يدعى بالمتنبي، لأن متنبي معناه كاذب، ومن رضي أن
~~يدعى بالكذب فهو جاهل، فقال له: أنا لست أرضى أن ادعى بهذا، وإنما
~~يدعوني به من يريد الغض مني، ولست أقدر على الامتناع.
# قال لنا التنوخي: قال لي أبي: فأما أنا فإني سألته بالأهواز في
~~سنة أربع وخمسين وثلاث مائة عند اجتيازه بها إلى فارس في حديث طويل جرى
~~بيننا عن معنى المتنبي، لأني أردت أن ms1554 أسمع منه هل تنبأ أم لا؟ فأجابني
~~بجواب مغالط لي، وهو أن قال: هذا شيء كان في الحداثة أوجبته الصورة،
~~فاستحييت أن استقصى عليه وامسكت.
# وقال لي أبو علي بن أبي حامد: قال لي أبي ونحن بحلب، وقد
~~سمع قوما يحكون عن أبي الطيب المتنبي: هذه السورة التي قدمنا
~~ذكرها، لولا جهله أين قوله امض على سننك إلى آخر الكلام من قول الله
~~تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين}.
# إلى آخر القصة، وهل تتقارب الفصاحة فيهما، أو يشتبه الكلامان.
# أنشدنا علي بن أيوب القمي، قال: أنشدنا أبو الطيب المتنبي
~~لنفسه مما قال في صباه:
# أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني وفرق الهجر بين الجفن والوسن
# روح تردد في مثل الخلال إذا أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
# كفى بجسمي نحولا أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترن
# سمعت محمد بن عبيد الله بن توبة الأديب، يقول: لا
~~أعلم قيل في معنى الإلف أحسن من بيت المتنبي:
# خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
# وهذا البيت في القصيدة التي أولها:
# كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن أمانيا
# وهي أول قصيدة مدح بها كافور بمصر، وذلك في سنة ست وأربعين وثلاث مائة.
# وحدثني علي بن أيوب، قال: خرج المتنبي من بغداد إلى
~~فارس، فمدح عضد الدولة وأقام عنده مديدة، ثم رجع يريد بغداد، فقتل في
~~الطريق بالقرب من النعمانية في شهر رمضان من سنة أربع وخمسين وثلاث مائة.
PageV05P164