vol. 4, page 299
### $ محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن بن بيان بن سماعه
~~بن فروة بن قطن بن دعامة أبو بكر ابن الأنباري النحوي
# كان من أعلم الناس بالنحو والأدب، وأكثرهم حفظا له.
# ولد في يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة إحدى وسبعين ومائتين؛
~~حدثت بذلك عن إسماعيل بن سعيد بن سويد عنه.
# وسمع إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأحمد بن الهيثم بن خالد البزاز، ومحمد بن
~~يونس الكديمي، وأبا العباس ثعلبا، ومحمد بن أحمد بن النضر، وغيرهم من هذه
~~الطبقة.
# وكان صدوقا، فاضلا، دينا، خيرا، من أهل السنة، وصنف كتبا كثيرة في علوم
~~القرآن، وغريب الحديث، والمشكل، والوقف والابتداء، والرد على من ms1199 خالف مصحف
~~العامة.
# روى عنه أبو عمر بن حيويه، وأبو الحسين ابن البواب، وأبو الحسن
~~الدارقطني، وأبو الفضل بن المأمون، وأحمد بن محمد بن الجراح، ومحمد بن عبد
~~الله بن أخي ميمي، وغيرهم.
# وبلغني أنه كتب عنه وأبوه حي، وكان يملى في ناحية من المسجد وأبوه في
~~ناحية أخرى.
# وقال أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي: كان أبو بكر ابن الأنباري،
~~يحفظ فيما ذكر ثلاث مائة ألف بيت شاهد في القرآن.
# حدثني علي بن أبي علي البصري عن أبيه، قال: أخبرني غير واحد
~~ممن شاهد أبا بكر محمد بن القاسم ابن الأنباري يملى من حفظه لا من كتاب وأن
~~عادته في كل ما كتب عنه من العلم كانت هكذا، ما أملى قط من دفتر سمعت حمزة
~~بن محمد بن طاهر الدقاق، يقول: كان أبو بكر ابن الأنباري يملى كتبه المصنفة
~~ومجالسه المشتملة على الحديث، والأخبار، والتفاسير، والأشعار، كل ذلك من
~~حفظه قال حمزة: وحدثني أبي، عن جدي أن أبا بكر ابن الأنباري مرض،
~~فدخل عليه أصحابه يعودونه، فرأوا من انزعاج أبيه وقلقه عليه أمرا عظيما،
~~فطيبوا نفسه ورجوه عافيه أبي بكر، فقال لهم: كيف لا أقلق وأنزعج لعلة من
~~يحفظ جميع ما ترون، وأشار لهم إلى حيري مملوء كتبا.
# قال حمزة: وكان مع حفظه زاهدا متواضعا، حكى أبو الحسن الدارقطني أنه
~~حضره في مجلس أملاه يوم الجمعة فصحف اسما أورده في إسناد حديث إما كان
~~حبان، فقال حيان، أو حيان فقال حبان، قال أبو الحسن: فأعظمت أن يحمل عن
~~مثله في فضله وجلالته وهم.
# وهبته أن أوقفه على ذلك، فلما انقضى الإملاء تقدمت إلى المستملي وذكرت له
~~وهمه، وعرفته صواب القول فيه، وانصرفت.
# ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه، فقال أبو بكر للمستملي: عرف جماعة
~~الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية،
~~ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل
~~فوجدناه كما قال.
# أخبرني علي بن المحسن القاضي، قال: حدثنا ms1200 أبو إسحاق إبراهيم
~~بن أحمد المعدل، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله
~~المقرئ، يقول: قال لي أحمد بن محمد بن يوسف الأصبهاني، وهو ابن أختي:
~~رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقلت: يا رسول
~~الله، عمن آخذ علم القرآن؟ فقال: " عن أبي بكر ابن الأنباري " قلت: فالفقه؟
~~قال: " عن أبي إسحاق المروزي " أخبرنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن
~~يعقوب الواسطي، قال: قال محمد بن جعفر التميمي النحوي: فأما أبو بكر
~~محمد بن القاسم الأنباري فما رأينا أحفظ منه، ولا أغزر بحرا من علمه
~~وحدثني عنه أبو الحسن العروضي، قال: اجتمعت أنا وهو عند الراضي على
~~الطعام، وكان قد عرف الطباخ ما يأكل أبو بكر فكان يسوى له قلية يابسة.
# قال: فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطايبه وهو يعالج تلك القلية.
# ثم فرغنا وأتينا بحلواء فلم يأكل منها؛ وقام وقمنا إلى الخيش فنام بين
~~الخيشين، ونمنا نحن في خيش ينافس فيه، ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كان مع
~~العصر قال لغلام: الوظيفة.
# فجاءه بماء من الحب، وترك الماء المزمل بالثلج، فغاظني أمره فصحت
~~بصيحة، فأمر أمير المؤمنين بإحضاري، وقال: ما قصتك؟ فأخبرته، وقلت: هذا
~~يا أمير المؤمنين يحتاج إلى أن يحال بينه وبين تدبير نفسه، لأنه يقتلها،
~~ولا يحسن عشرتها.
# قال: فضحك، وقال له: في هذا لذة وقد جرت به العادة، وصار إلفا فلن
~~يضره.
# ثم قلت: يا أبا بكر، لم تفعل هذا بنفسك؟ قال: أبقى على حفظي.
# قلت له: قد أكثر الناس في حفظك، فكم تحفظ؟ قال: أحفظ ثلاثة عشرة
~~صندوقا.
# قال محمد بن جعفر: وهذا ما لا يحفظ لأحد قبله ولا بعده، وكان أحفظ
~~الناس للغة، ونحو، وشعر، وتفسير قرآن، فحدثت أنه كان يحفظ عشرين ومائة
~~تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها وقال لنا أبو العباس بن يونس: كان آية
~~من آيات الله في الحفظ.
# وقال لنا أبو الحسن العروضي: كان يتردد ابن الأنباري إلى أولاد
~~الراضي، فكان يوما ms1201 من الأيام قد سألته جارية عن شيء من تفسير الرؤيا، فقال:
~~أنا حاقن ثم مضى، فلما كان من غد: عاد وقد صار معبرا للرؤيا، وذاك أنه مضى
~~من يومه فدرس كتاب الكرماني وجاء.
# قال: وكان يأخذ الرطب يشمه ويقول: أما إنك لطيب، ولكن أطيب منك حفظ ما
~~وهب الله لي من العلم.
# قال محمد بن جعفر: ومات ابن الأنباري فلم نجد من تصنيفه إلا شيئا
~~يسيرا، وذاك أنه إنما كان يملي من حفظه.
# وقد أملي كتاب غريب الحديث، قيل إنه خمس وأربعون ألف ورقة، وكتاب شرح
~~الكافي وهو نحو ألف ورقة وكتاب الهاءات نحو ألف ورقة، وكتاب الأضداد، وما
~~رأيت أكبر منه، وكتاب المشكل أملاه وبلغ إلى طه وما أتمة وقد أملاه سنين
~~كثيرة، والجاهليات سبع مائة ورقة، والمذكر والمؤنث ما عمل أحد أتم منه،
~~وعمل رسالة المشكل ردا على ابن قتيبة وأبي حاتم ونقضا لقولهما.
# وحدثت عنه أنه مضى يوما في النخاسين وجارية تعرض حسنة كاملة الوصف،
~~قال: فوقعت في قلبي، ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضي، فقال لي: أين
~~كنت إلى الساعة؟ فعرفته، فأمر بعض أسبابه، فمضى فاشتراها وحملها إلى منزلي،
~~فجئت فوجدتها، فعلمت الأمر كيف جرى فقلت لها: كوني فوق إلى أن أستبرئك،
~~وكنت أطلب مسألة قد اختلت علي فاشتغل قلبي، فقلت للخادم: خذها وامض بها إلى
~~النخاس فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي.
# فأخذها الغلام، فقالت: دعني أكلمه بحرفين.
# فقالت: أنت رجل لك محل وعقل، وإذا أخرجتني ولم تبين لي ذنبي لم آمن أن
~~يظن الناس في ظنا قبيحا فعرفنيه قبل أن تخرجني.
# فقلت لها: مالك عندي عيب غير أنك شغلتني عن علمي.
# فقالت: هذا أسهل عندي.
# قال: فبلغ الراضي أمره، فقال: لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى
~~منه في صدر هذا الرجل.
# ولما وقع في علة الموت أكل كل شيء كان يشتهى، وقال: هي علة الموت
~~حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله النحوي المؤدب مذاكرة من
~~حفظه، ms1202 قال: حدثني أبي، قال: سمعت أبا بكر ابن الأنباري، يقول:
~~دخلت البيمارستان بباب المحول فسمعت صوت رجل في بعض البيوت يقرأ {أولم
~~يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده}.
# فقال: أنا لا أقف إلا على قوله: {كيف يبدئ الله الخلق}.
# فأقف على ما عرفه القوم وأقروا به، لأنهم لم يكونوا يقرون بإعادة الخلق،
~~وابتدئ بقوله {ثم يعيده}.
# فيكون خبرا، وأما ما قرأه علي بن أبي طالب واذكر بعد أمة.
# فهو وجه حسن، الأمة: النسيان وأما أبو بكر بن مجاهد فهو إمام في القراءة،
~~وأما ما قرأه الأحمق، يعني ابن شنبوذ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم
~~فإنك أنت الغفور الرحيم فخطأ لأن الله تعالى قد قطع لهم بالعذاب في قوله:
~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به}.
# قال: فقلت لصاحب البيمارستان: من هذا الرجل؟ فقال: هذا إبراهيم بن
~~الموسوس محبوس.
# فقلت: ويحك هذا أبي بن كعب! افتح الباب عنه.
# ففتح الباب فإذا أنا برجل منغمس في النجاسة، والأدهم في قدميه فقلت:
~~السلام عليكم.
# فقال: كلمة مقولة.
# فقلت: ما منعك من رد السلام علي؟ فقال: السلام أمان، وإني أريد أن
~~أمتحنك، ألست تذكر اجتماعنا عند أبي العباس، يعني ثعلبا، في يوم كذا وفي
~~يوم كذا وعرفني ما ذكرته فعرفته، وإذا به رجل من أفاضل أهل العلم.
# فقال لي: هذا الذي تراني منغمسا فيه ما هو؟ فقلت: الخرء يا هذا.
# فقال: وما جمعه؟ فقلت خروء.
# فقال لي صدقت.
# وأنشد: كأن خروء الطير فوق رءوسهم ثم قال لي: والله لو لم تجبني
~~بالصواب لأطعمتك منه.
# فقلت: الحمد لله الذي أنجاني منك وتركته وانصرفت حدثني علي بن أبي
~~علي، قال: حدثنا محمد بن العباس الخزاز، قال: ولد أبو بكر ابن
~~الأنباري سنة إحدى وسبعين ومائتين.
# وتوفي ليلة النحر من ذي الحجة من سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة
PageV04P299