vol. 2, page 473
### $ محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب كان فاضلا
~~أديبا وعاقلا لبيبا، مشهورا بالسخاء والجود والمروءة، وكان له اختصاص بأبي
~~جعفر المنصور، فأخبرني عبيد الله بن أبي الفتح، قال: أخبرنا أحمد بن
~~إبراهيم البزاز، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: أخبرني
~~أبو العباس المنصوري، عن يحيى بن زكريا مولى علي بن عبد الله، عن أبيه،
~~قال: كان المنصور يعجب لمحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس بن عبد
~~المطلب يؤانسه، ويفاوضه، ويداعبه، ويلتذ بمحادثته، وكان أديبا لبيبا لسنا،
~~وكان لحسن منزلته من المنصور، وعظيم قدره عنده يفزع إليه الناس في حوائجهم،
~~فيكلمه فيها فيقضيها، حتى أكثر عليه من الحوائج، ms0497 وأفرط فأمر الربيع أن
~~يحجبه، فلما حجبه قعد في منزله أياما، فظمئ المنصور إلى رؤيته، وقرم إلى
~~محادثته، فقال: يا ربيع، إن جميع لذات مولاك قد أخلقن عنده، ورثثن في عينه
~~سوى لذته من محادثة محمد بن جعفر، فإنها تجدد عنده في كل يوم وليلة، وقد
~~كدرها على بكثرة ما يحملني عليه من حوائج الناس، فاحتل لمولاك فيما كدر
~~عليه من لذته، فقال الربيع: أفعل يا أمير المؤمنين.
# وخرج من عنده فأتى محمد بن جعفر فعاتبه على ما يحمل المنصور عليه من
~~حوائج الناس وسأله إعفاءه من ذلك.
# فنضح عن نفسه فيما عاتبه عليه، وأجابه إلى أن لا يسأله حاجة لأحد.
# فأمره بالغدو على المنصور، ورجع إلى المنصور فأعلمه ذلك.
# وبلغ قوما من قريش قدموا العراق لحوائجهم، ما كان من أمر محمد بن جعفر
~~ومن الربيع، وأنه عازم على الغدو على المنصور، وكتبوا حوائجهم في رقاع
~~ووقفوا بها على طريق محمد بن جعفر.
# فلما غدا يريد المنصور، عرضوا له بها، ومتوا إليه بقراباتهم وتوسلوا،
~~بأرحامهم، وسألوه إيصال رقاعهم، والتماس نجاح ما فيها.
# فاعتذر إليهم وسألهم أن يعفوه من ذلك فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، وألحوا
~~عليه، فقال: لست أكلم المنصور في حاجة لأحد من الناس، فإن أحببتم أن تودعوا
~~رقاعكم كمي فافعلوا.
# فقذفوا رقاعهم في كمه ومضى حتى دخل على المنصور وهو في الخضراء مشرف على
~~مدينة السلام ودجلة والصراة وما حولهما من البساتين والمزارع.
# فعاتبه فنضح عن نفسه، ثم حادثه ساعة، قال له المنصور: أما ترى حسن
~~مستشرفنا هذا؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين فبارك الله لك فيما آتاك، وهنأك
~~بإتمام النعمة عليك ما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام، ولا العجم في
~~مدة الكفر، مدينة أحصن ولا أحسن ولا أجمع للخصال المحمودة منها، وقد سمجتها
~~في عيني يا أمير المؤمنين خصلة.
# قال: وما هي، قال: ليس لي فيها ضيعة، فتبسم ثم قال: فإني أحسنها في
~~عينيك بثلاث ضياع أقطعك في أكنافها، فاغد على أمير المؤمنين يسجل لك ms0498 بها،
~~فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين سهل الموارد كريم المصادر، فجعل الله
~~باقي عمرك أكثر من ماضيه، فقد بررت فأفضلت، ووصلت فأجزلت، وأنعمت فأسبغت،
~~فبدرت الرقاع من كمه وهو يتشكر له، فأقبل يردهن في كمه، ويقول: ارجعن
~~خاسئات فضحك، وقال: بحق أمير المؤمنين عليك لما أخبرته خبر هذه الرقاع،
~~فأعلمه فقال: أبيت يا ابن معلم الخير إلا كرما، فف للقوم بضمانك، وألقها عن
~~كمك لننظر في حوائجهم.
# فطرح الرقاع بين يديه.
# فتصفحها ثم دفعها إلى الربيع، ثم التفت إليه فتمثل بقول امرئ القيس:
# لسنا وإن أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتكل
# نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا
# ثم قال: قد قضى أمير المؤمنين حوائجهم، فأمرهم بلقاء الربيع.
# قال محمد: فخرجت من عند أمير المؤمنين وقد ربحت وأربحت.
PageV02P473