page 1006, entry [783], entry [1]Open original source
١- ابن يونس وتحصيل العلم: لمسنا- فى حديثنا الماضى عن جده، ووالده- حب ابن يونس للعلم، ومطالعته مرويات جده الحديثية، واستفادته مما لديه من وثائق تاريخية. وكذلك رأينا مصاحبته أباه فى رحلة علمية داخلية إلى (الصعيد) ؛ لكتابة الحديث النبوى الشريف على أحد أعلامه هناك. وأودّ التنويه- هنا- إلى أبرز معالم حياته العلمية على النحو الآتى: أ- أن مؤرخنا ابن يونس- علاوة على الجو العلمى الذي نشأ فيه- كان يلقى حثا وتشجيعا كبيرا على طلب العلم. ولعل والده- ﵀ كان يدفعه إلى ذلك دفعا منذ طفولته المبكرة؛ كى يكون امتدادا طيبا له. ومن هنا كان يقص على مسامعه بعضالروايات ذات المغزى العميق فى ذلك الصدد. فها هو ابن يونس يقول: حدثنى أبى، عن جدى، قال: سمعت ابن وهب يقول: «ما رأيت ابنا- لعالم- أفضل من شعيب بن الليث» «١» . وكأن والده يطلب إليه أن يكون أفضل من شعيب هذا فى خلقه وعلمه، فإن لم يكن، فلا أقل من أن يساويه فى فضله، الذي شهد له به فقيه مصر ومفتيها، وعالمها «ابن وهب» . ب- صاحب ذلك التشجيع النظرى خطوات عملية تطبيقية، تمثلت فى حضور ابن يونس مجالس العلماء، سواء كان ذلك فى منزل والده، أم فى حلقاتهم العلمية التى كانوا يعقدونها. وإذا عرفنا أن «يحيى بن أيوب العلّاف المصرى» ، ذلكم المحدّث المشهور، ذكر لنا ابن يونس أنه رآه، وأن هذا العالم ما إن تقع عيناه على مؤرخنا، حتى يضمّه إليه، ويقبّل رأسه، ويدعو له «٢» ؛ دلّ ذلك على نجابة وذكاء، كان يتوسمه فيه ذلك الرجل، ودلّ- أيضا- على طلب مؤرخنا العلم فى سن مبكرة؛ لأن هذا المحدّث توفى سنة ٢٨٩ هـ «٣» «أى: فى وقت كان مؤرخنا فيه قد بلغ الثامنة من عمره؛ إذ إن مولده كان سنة ٢٨١ هـ «٤» » . ح- ظل ابن يونس على جده ومثابرته فى تلقى العلم فى شبابه المبكر «٥» ، حتى توفى والده- كما ذكرنا من قبل سنة ٣٠٢ هـ- وهو ابن واحد وعشرين ربيعا. وأعتقد أن مؤرخنا- عندئذ- قد شبّ عن الطّوق، واستوى على سوقه، وانفسحت أمامه مجالات العلم رحبة فسيحة، فظل ينهل من موارده العذبة، يتلقى العلم، ويقومبالتدريس والرواية، والتأليف فى «التاريخ» ، حتى أخريات حياته «١» ، رغم بلوغه السادسة والستين من عمره، لم ترتعش له يد، ولم يسقط منه قلم، ولم يركن إلى الدعة والسكون، وإنما ظل فى جهاده العلمى المتواصل، حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها فى يوم الأحد لخمس وعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة سنة ٣٤٧ هـ، ودفن فى اليوم التالى- يوم الاثنين- وصلّى عليه أبو القاسم بن حجاج «٢» . وبذلك انتهت حياة ذلك المؤرخ المصرى العظيم بملامحها ومعالمها الرئيسية، وبقى الوقوف على ما تيسر من بعض تفصيلاتها.