page 136, entry [72]Open original source
٥٨- أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ الْمَكِّيُّ (٥٧٤- ٦٤٢ هـ) هُوَ أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الرَّيْحَانِيُّ (١) الْمَكِّيُّ التَّمِيمِيُّ الدَّارِيُّ- أَيَّدَهُ اللَّهُ-، شَابٌّ طَوِيلٌ شَدِيدُ السُّمْرَةِ، يَعْقِدُ الْقَافَ إِذَا تَكَلَّمَ، عِنْدَهُ فَصَاحَةٌ وَلَهُ أَخْلَاقٌ حَسَنَةٌ. أَقَامَ بِالْمَوْصِلِ وَسَمِعَ بِهَا الْحَدِيثَ عَلَى مَشَايِخِهَا. وَرَأَيْتُ مَعَهُ مُدْرَجًا فِيهِ خُطُوطُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَوَصْفِهِ بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ. وَسَمِعَ بِإِرْبِلَ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي الْمَعَالِي صَاعِدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاعِظِ وَغَيْرِهِ. وَكَانَ قَدْ وَصَلَ مِنْ مَكَّةَ صَبِيٌّ أَسْوَدُ صَبِيحُ الْوَجْهِ، فَأَخَذَ الْجَمَاعَةُ فِي ذكره، فقال: صاحبنا تركي إلّا إنه أسود (أ) . وَنَاوَلَنِي مُدْرَجًا فِيهِ قَصِيدَةٌ، ذَكَرَ/ أَنَّهَا بِخَطِّ سَالِمِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَكِّيِّ (٢) وَمِنْ شِعْرِهِ انشدها عمّه(ب) أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ بْنَ عَلِيٍّ الرّيحاني المكي (٣) ، ونقلتها من خطه، أوّلها: (الكامل) لَا، مَا يُسَاجِلُكَ الْغَمَامُ الْبَاكِرُ ... فِي الْمَكْرُمَاتِ ولا الخضمّ الزّاخر وكذالك (ت) لَا يَحْوِي صِفَاتِكَ نَاظِمٌ ... لَوْ أنَّهُ نَظَمَ النّجوم وناثر إذ لم يزل (ث) وَفْرٌ يُسَدِّدُهُ النَّدَى ... فِي كُلِّ نَاحَيَةٍ وَعِرْضٌ وَافِرُ وَمَكَارِمٌ يَحْدُو بها الْحادِي إِذَا ... يَحْدُو ركائبه ويشدو السّامر (ج) وَمِنْهَا: أَعَلِيُّ كَمْ لَكَ مِنْ يَدٍ مَشْكُورَةٍ ... بَيْضَاءَ يَتْلُوهَا لِسَانٌ شَاكِرُ؟ أَنَا عَبْدُ أَنْعُمِكَ اللّواتي (ح) فِي الْوَرَى ... لَكَ شَاهِدٌ مِنْهَا هُنَالِكَ ظَاهِرُ ورهين (خ) مِنَّتِكَ الَّتِي تَغْدُو لَهَا ... فِي الْحَيِّ وَهْوَ بِهَا مُقِيمٌ سَائِرُ وَمِنْهَا: نِعَمٌ ضَفَتْ وَصَفَتْ فقصّر (د) دُونَهَا ... مِنْ أَنْ يُسَاجِلَهَا الْغَمَامُ الْمَاطِرُ وَتَهَلَّلَتْ منها (ذ) هُنَاكَ سَحَائِبٌ ... وَطَفُ الْأَسَافِلِ وَدْقُهَا مُتَوَاتِرُ مِنَنٌ بِلَا مَنٍّ يُكَدِّرُ صَفْوَهَا ... يُثْنِي بِهَا بَادٍ عَلَيْكَ وَحَاضِرُ فَإِذَا أُعِيدَتْ فِي النَّدِيِّ تَأَرَّجَتْ ... فَكَأَنَّمَا فَضَّ اللَّطِيمَةَ تَاجِرُ وَنَقَلْتُ مِنْ ظَاهِرِ هَذَا الْمُدْرَجِ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ بِخَطِّ عَمِّهِ أَبِي الْحَسَنِ الْمَذْكُورِ، وَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَمِعَهَا مِنْ عَمِّهِ، وَحَدَّثَنِي بِهَا وَهِيَ: «غَيْرُ بدع من الحضرة السامية بنعوتها، لا زالت تُطْلِقُ مِنْ حَبَائِسِ الْقَصَائِدِ مَأْسُورَ شَوَارِدِ الْمَحَامِدِ، وَتَعْبِقُ بِبَثِّ الْعُرْفِ وَنَشْرِهِ عَرْفَ الثَّنَاءِ وَنَشْرِهِ، وَتَطْلُعُ مِنْ شَجَرَةِ الْبِرِّ مَا يَجْنِي ثَمَرَ الشُّكْرِ، وَتُودِعُ مِنْ غُرَرِ الِامْتِنَانِ مَا يُنْطِقُ بِتَمْجِيدِهَا كُلَّ لِسَانٍ، أَنْ تَبْتَكِرَ أَبْكَارَ الْمَكَارِمِ وعونها (ر) وتبتدر أعيان/ المحاسن وعونها (ر) ، وَتُرَاقِبَ فُرَصَ الْإِنْعَامِ فَتَنْتَهِزَهَا، وَتُجْرِيَ طَلِقَ الْجَمُوحِ إِلَى غَايَاتِهَا فَتُحْرِزُهَا، وَتُتْحِفَمِنْ بَحْرِ أَدَبِهَا مَا يُكَمِّلُ بِهِ الْمَنْقُوصَ، وَيَرِيشُ بَدَدَ مَدْحِهَا الْمَخْصُوصِ، وَتَخْلَعَ مِنْ نَسِيجِ فِكْرَتِهَا حُلَّةً مُوَشَّاةً بِمَسْجِدِ الْكَلَامِ، مَوْصُونَةً بِنِظَامٍ حَسَنِ النِّظَامِ، ضَاحِكَةً ضِحْكَ الْخَمَائِلِ غِبَّ قَطْرِ الْغَمَامِ. فَشُكْرًا لَهَا مِنْ مِدْحَةٍ كَسَتْ مَمْلُوكَهَا رِدَاءَ الْفَخْرِ، وَرَقَمَتْ مَجْدَهُ عَلَى جَبِينِ الدَّهْرِ، وَحَفِظَتْ عِنْدَهُ وَشَائِجَ الْفِكْرِ الْمُسْتَحَكِمِ، وَفتَحَتْ لَهُ بَابَ الرَّجَاءِ الْمُسْتَبْهِمِ، فَأَشْرَقَ فِي لَيْلِ الْمَطَالِبِ نجمه (ز) ، وَأَغْرَقَ مِنْ نَيْلِ الْمَآرِبِ سَهْمُهُ، وَاعْتَدَّهَا يَدًا كَرِيمَةً، وَمِنْحَةً عَظِيمَةً، وَمِنَّةً عَمِيمَةً، وَعَوْذَةً لِلدَّهْرِ وتميمة» : (الكامل) فَهْيَ ابْنَةُ الْفِكْرِ الْمُهَذَّبِ فِي الدُّجَى ... وَاللَّيْلُ أسود رقعة الجلباب بكر تورث (س) فِي الْحَيَاةِ وَتَنْثَنِي ... فِي السِّلْمِ وَهْيَ كَثِيرَةُ الْأَسْلَابِ وَيَزِيدُهَا مَرُّ اللَّيَالِي جِدَّةً ... وَتَقَادَمُ الْأَيَّامِ حُسْنَ شَبَابِ «وَلَمَّا سَرَحَ بَفَهْمِهِ فِي مَخْصِبِ اكلائها، وسبح (ش) بِطَرْفِهِ إِلَى مَوْقِعِ أَنْدَائِهَا، وَأَصْغَى بِسَمْعِهِ إِلَى مطرب غنائها، وجد (ص) مَنْ أَقْدَرُهَا عَلَى نَضْدِ نِظَامِهَا وَإِنْشَائِهَا، سَمَاعِ (ض) أَلْفَاظِهِ السِّحْرِيَّةِ، الْفَاضِحَةِ لِلْخَمَائِلِ الْهَجْرِيَّةِ، الْمُتَضَوِّعَةِ النَّفَحَاتِ الشِّحْرِيَّةِ فِي الْإِنَاءِ الشَّحَرِيَّة. وَعَلِمَ أَنَّ بَحْرَ فضلها الخضمّ لا يغيض تيّاره (ط) ، وُبَدْرَ دُرِّهَا الْمُقْمِرُ لَا تَغِيبُ أَنْوَارُهُ. وَسَأَلَ اللَّهَ- تَعَالَى- أَنْ يُغَلِّبَ الْمَجْدَ عَلَى الْجِدِّ، وَيَنْصُرَ الِاسْتِحْقَاقَ عَلَى الِاتِّفَاقِ، وَيُصْلِحَ قَلْبَ الزَّمَنِ الْوَاجِدِ، وَيُوقِظَ طَرْفَ الْحَظِّ الْهَاجِدِ، لِيَجْرِيَ النَّمِيرُ إِلَى قَرَارِهِ، وَيَسْرِيَ الْمُنِيرُ إِلَيَّ خَالِيًا عَنْ سِوَارِهِ، وَيَرْوِيَ الصَّادِيَ الظَّمْآنَ، وَيَهْدِيَ الْحَائِرَ الْحَيْرَانَ (ظ) ، فَأَمَّا/ مَمْلُوكُهَا فَقَدْ عَقَدَ لَهَا عَقْدَ وِدَادٍ، وَقَامَ لِوَفَائِهِ كَفِيلًا وَزَعِيمًا، وَأَوْجَبَ لَهَا دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْوَلَاءِ، لَا يَمْطَلُ بِهِ مِنْ حُسْنِ فِعْلِهِ غَرِيمًا، وَإِنَّهُ مَعَ الْمُغَالَاةِ فِي الْمُوَالَاةِ، وَكَوْنِهِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فِي الْمُصَافَاةِ، لِيَعْتَرِفَ بقصور همّته لتراخي خدمته. ويقرّ بوجود (ع) مُعَاتَبَتِهِ لِتَأَخُّرِ مُلَاطَفَتِهِ، وَيَعْتَذِرَ مِنْ عِظَمِ جُرْمِهِ وَهَفْوَتِهِ لِتَمَادِي جَفْوَتِهِ. وَقَدْ أَقْدَمَ الْآنَ إِقْدَامَ الوقاح، وتعرّضفِيمَا بُعِثَ بِهِ لِلِافْتِضَاحِ، وَوَثِقَ بِأَنَّ ذَنْبَ الْمُعْتَرِفِ مَغْفُورٌ، وَبَاذِلُ الْجُهْدِ- وَإِنْ أَخْطَأَ- مَعْذُورٌ، وَرَجَا أَنْ يُلْحِقَ بِمَنْ نِيَّتُهُ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَيُجْرَى فِي الْمُسَامَحَةِ عَلَى مَا يَقْضِي بِتَصْدِيقِ أَمَلِهِ، وَإِنْ يَنْعَمْ بِسَتْرِ هَذَهِ الْعَوْرَةِ عمّن يتفقّد معائبها (غ) ، وَيَنْتَقِدِ التَّعَارُضَ وَالتَّنَاقُضَ الْمُودَعَيْنِ فِيهَا، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ أَسْمَى- إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-» . وَهَذَا لَفْظٌ حَسَنٌ وَمَعْنًى لَطِيفٌ، تَوَصُّلٌ إِلَى الْغَرَضِ دقيق. وأخبرني إنه (ف) تُوُفِّيَ عَنْ قَرِيبٍ، فَتَكُونُ وَفَاتُهُ إِلَى مُدَّةِ إِخْبَارِهِ- وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّمِائَةٍ- نَحْوٌ مِنْ تسع سنين، على ما أخبرني به (ق) .