page 779, entry [818]Open original source
٨٠٦ - القُونَوِيّ * العلَّامة ذو الفنون، قاضي القضاة شيخ الشيوخ، علاء الدين أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن يوسف، التِّبْريزي الأصل القُونَوي الشافعي. وُلد سنة ثمان وستين. وتفقَّه وتفنَّن وبَرَع وناظَرَ، ثم قَدِمَ علينا في أول سنة ثلاث وتسعين وست مئة، فرُتِّبَ صوفيًّا، ثم درَّس بالإقباليّة. وسَمِعَ من: أبي حفص بن القوّاس، وأبي الفضل بن عساكر، وجماعة، وبمصر من الأبَرْقُوهي، وطائفة.واستَوطَن مصر، ووليَ مشيخةَ السَّعيدية، وتخرَّج به الأصحاب في الأصول. وكان ساكنًا، وقورًا، حليمًا، مُسمِتًا، مَلِيح الشَّيبة، حسن التعليم، ذكيًّا، قويّ اللغة، كثير التلاوة والخير. ثم وليَ قضاءَ دمشق فباشَرَ، ولم تكن له نَهْمةٌ في الأحكام بل في العلم والإفادة، وطَلَبَ الإقالةَ فما أُجيب، وكان حميد السِّيرة نَزِهًا، ما قَبِلَ هديةً قطُّ، وكان منصفًا في بحوثه معظِّمًا للآثار. توفِّي في ذي القَعدة سنة تسع وعشرين وسبع مئة، ودُفن بسفح قاسيون بتُربةٍ اشتُريَت له. خرَّج له ابن طُغْريل، والشيخُ عماد الدين بن كَثير، ووَصَلَهما بجُمْلة. وجود "شرح الحاوي" في أربع مجلَّدات، وكان يدري الأصلين والمَنطِق والحِكمة، ويخوض تلك الغَمَرات، ولكن له حظٌّ من تلاوة وصلاة وخيرٍ وحَياء، وكان مع مخالفته لابن تيميَّة وتخطئته له في أشياء، يُثْني عليه ويعظِّمه ويَذُبُّ عنه. وكان له مَيلٌ إلى ابن العَرَبيّ، لكنَّه له عقل وفَهْم، فحدَّثَني صادقٌ: أنه سمعه يتكلَّم على حديث أبي هريرة ﵁: "كنتُ سَمْعَه الذي يَسمَع به" (¬١)، فشرحه شرحًا حسنًا، ورَدَّ على أهل الاتِّحاد. وحدَّثَني ابن كَثير: أَنه حَضَرَ مع المِزِّي عنده، فجرى ذكر "الفصوص" لابن العربي، فقال: لا ريبَ أن هذا الكلام الذي فيه كفرٌ وضلال، فقالصاحبه الجَمَال المالكي: أفلا نتأوَّله يا مولانا؟ قال: لا، إنما نتأوَّل قولَ المعصوم. وبَلَغني: أنه حضر عنده ابن جُمْلة وحطَّ على كلام الشيخ تقي الدين فقال القُونَوي لفاضلٍ بالتُّركي: هذا ما يفهمُ كلامَ ابن تَيْميّة، لو فهم لما قال هذا. ولمّا أُخرج إمامُ الجَوْزيّة (¬١) من القلعة، أتاه فبشَّ به وأكرمه ووصله، وكان تعجبه بحوثُه. وحدَّثَني أمين الدين الوانيّ: أنه قال له يومًا: أنا أحبُّ أهلَ العلم وأحبُّ من بينهم أهلَ الحديث أكثرَ. مرض أحد عشر يومًا في بستان ضَمِنَه، ومات بوَرَم الدِّماغ، أنشدنا لنفسه أبياتًا في الشِّجَاج، وتأسَّف الناسُ لموته ﵀، ولم يتأسَّفوا على غيره من قضاة الجَوْر والارتشاء، بل سبُّوا وجدَّعوا.