Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

النَّوَاويّ

شمس الدين الذهبي - تكملة سير أعلام النبلاء - ط الرسالة العالمية · page 191, entry [190]

تكملة سير أعلام النبلاء - ط الرسالة العالمية — شمس الدين الذهبي

page 191, entry [190]Open original source
١٨٦ - النَّوَاويّ * الشيخ الإمام القُدْوة الحافظ الزاهد العابد الفقيه المجتهد الرَّبّاني، شيخ الإسلام أحسبه، الإمام محيي الدين أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مِرَي بن حسن بن حسين بن محمد بن حِزَام، الحِزَامِي الحَوْرانِي النَّوَاوِيِّ، الشَّافِعِيُّ. صاحب التصانيف التي سارت بها الرُّكْبان، واشتَهَرت بأقاصي البلدان. ولد في المحرم سنة إحدى وثلاثين وست مئة بنَوَى، وكان أبوه دُكَّانيًّا بها، فنشأ الشيخ في ستر وخير، وحَفِظَ القرآن، وبقي يتعيّش في الدُّكان لأبيه، ثم نقله أبوه في سنة تسع وأربعين إلى دمشق ليشتغل بها، فنزل بالرَّوَاحيّة يتقوَّت بالجِرَاية، ويدرس في "التنبيه" فحفظه في أربعة أشهر ونصف، وقرأ ربع "المهذَّب" في تمام السَّنة على الشيخ الكمال إسحاق بن أحمد. ثم حجَّ مع والده، وقد لاحَتْ عليه أَمارات النَّجابة والفَهْم، فاتفق أنه أقام بالمدينة النبوية شهرًا ونصفًا، وتعلَّل في أكثر الطريق، ورجع وأكبَّ على طلب العلم ليلًا ونهارًا اشتغالًا، فضُرِبَ به المثل، وهجر النوم إلّا عنغَلَبة، وضبط أوقاته إلّا بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة، أو التردُّد إلى الشيوخ، وترك كلَّ رفاهية وتنعُّم، مع تقوى وقناعة وورع وحُسْن مراقبة الله في السِّرّ والعلانية، وترك رُعونات النفس، من ثياب حسنة، ومآكل طيبة، وتجمُّل هيئة، بل طعامه جِلْف الخبز يابسه، ولباسه خام، وشَبَحتانية لطيفة، فرحمه الله ورضي عنه وجزاه عن العلم خيرًا. ذكر صاحبه الشيخ أبو الحسن علي بن العطَّار: أنَّ الشيخ محيي الدين حدَّثه: أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسًا على مشايخه، شرحًا وتصحيحًا، درسين في "الوسيط"، ودرسًا في "المهذّب"، ودرسًا في "الجمع بين الصَّحيحين"، ودرسًا في صحيح مسلم"، ودرسًا في "اللُّمَع" لابن جِنِّي، ودرسًا في التَّصريف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين. قال: وكنت أُعلِّق جميع ما يتعلق بها من شرح مُشكِل، ووضوح عِبارة، وضبط لغة، وبارك الله لي في وقتي، وخَطَرَ لي أن أشتغل بالطبّ واشتريت كتاب "القانون"، فأظلمَ قلبي، وبقيت أيامًا لا أقدِر على الاشتغال، فأفقت على نفسي، وبعت "القانون" فأنار قلبي. قلت: لو سمع أولَ قدومه للَحِقَ الرَّشيد بن مَسلَمة ومكي بن علّان والكِبار، بقيَ مدةً لا يسمع الحديث. سمع رضيَّ الدين بن البرهان، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمد الحَمَوي، وزين الدين بن عبد الدائم، والقاضي عماد الدين عبد الكريم بن الحَرَسْتاني، والحافظ زين الدين خالدًا، وتقي الدين بن أبي اليُسْر، والمفتي جمال الدين يحيى بن الصَّيْرفي، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن، وخلقًاسواهم، وأكثرَ من رواية الدواوين الكبار. وقرأ "الكمال" للحافظ عبد الغني على الزَّين خالد، وسمع "الصحيحين" على المحدِّث أبي إسحاق بن عيسى المُرادِي، وأخذ الأصول عن القاضي التَّفْلِيسي، والفقه عن الكمال إسحاق، وشمس الدين بن نوح، وعز الدين عمر الإربِلِي، وكمال الدين سلّار الإربِلي، والعربية عن الشيخ أحمد المصري، وعن ابن مالك، ولازم الاشتغالَ والتصنيف والإفادة، محتسبًا في ذلك مبتغيًا وجه الله، مع التعبّد والصوم والتهجّد والذِّكر والأوراد، وحِفْظ الجوارح، وذمِّ النفس، وصبر على العيش الخشن، ملازمةً كليَّة لا مزيدَ عليها. تخرَّج به أئمة منهم الخطيب صدر الدين سليمان الجعفري، وشهاب الدين أحمد بن جَعْوان، والقاضي شهاب الدين الإربِدي، والمفتي علاء الدين بن العطَّار، وحدَّث عنه ابن أبي الفتح، والمِزِّي، وجماعة. قال ابن العطَّار: ذكر لي شيخنا: أنه كان لا يُضيع له وقتًا في ليل ولا نهار إلّا في اشتغال، حتى في الطُّرُق، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق. قلت: كان مع ملازمته التامّة للعلم ومواظبته له، فائقَ الورع وتزكية النفس من شوائب الهوى وسيّئ الأخلاق، ومَحْقها من أغراضها، عارفًا بالحديث، قائمًا على أكثر فنونه، عارفًا برجاله، رأسًا في نقل المذهب، متضلِّعًا في علوم الإسلام. قال شيخنا الرَّشيد الحنفي بن المعلِّم: عَذَلتُ الشيخ محيي الدين في تركه الحمَّامَ وتضييقِ العيش وخوَّفته من مرض يعطِّله عن العلم، فقال:إنَّ فلانًا صام حتى اخضرَّ جلده. كان الشيخ يمتنع جملة من أكل الخيار والفاكهة، ويقول: أخاف ترطِّبُني وتَجلِب النوم، وكان يأكل في اليوم والليلة غالبًا أكلةً واحدة، ثم يشرب مرة عند السَّحَر. قال ابن العطَّار: كلَّمتُه في الفاكهة، فقال: دمشق كثيرة الأوقاف وأملاك المحجور عليهم، ثم المعاملة فيها على وجه المُساقاة، وفيها خلاف، فكيف تَطِيبُ نفسي بأكل ذلك. وقد جمع ابن العطَّار له "سيرة" في ست كراريس، مضمونها العلم والعمل والزهد والورع. وله "شرح مسلم" في مجلَّدات، و"رياض الصالحين" مجلّد، و "الأذكار" مجلد، و"مختصر علوم الحديث" وهو "الإرشاد" ثم اختصره وسمّاه "التقريب"، وكتاب "المبهَمات" مُجَيلِيد، و"تحرير ألفاظ التنبيه" و "العمدة في تصحيح التنبيه"، و "المناسك" مجلَّد، وله ثلاثة مناسك أُخر، "والتبيان في أدب حَمَلة القرآن"، و "الفتاوى"، و "الروضة" في أربعة أسفار، وشرح ربع "المهذَّب" في غاية الحسن والجَوْدة، وشرح قطعة من "الوسيط"، وعمل قطعة من "الأحكام"، وكثيرًا من "الأسماء واللغات"، ومسوَّدة في "طبقات الفقهاء"، وأشياء لم تتمَّ. وكان لا يقبل من أحد شيئًا إلا في النادر يقبل شيئًا يسيرًا ممن لا يشتغل عليه، قد أهدى له فقير إبريقًا فقَبِلَه، وعَزَمَ عليه صاحبُه الخطيب برهان الدين الإسكندراني أن يُفطِر معه فقال: هات الطعام ونفطر معًا، فأكل منه وكان لَوْنين، وقَلَّ أن كان يأكل إدامَين، وكان قليل الضحك،عديمَ اللعب، بل هو جِدٌّ صِرْف، يقول الحقَّ وإن كان عليه، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، ويواجه الأمراء والظَّلَمة بالإنكار، ويكتب إليهم ويخوِّفهم بالله، كتب مرة: من عبد الله يحيى النَّووي، سلام الله ورحمته وبركاته على المولى المحسن ملك الأمراء بدر الدين، أدام الله له الخيرات، وتولّاه بالحسنات، وبلَّغه من خيرات الدنيا والآخرة كل آماله، وبارك له في جميع أحواله، آمين، ويُنهي إلى العلوم الشريفة أنَّ أهل الشام في ضِيق وضعف حال بسبب قلّة الأمطار. وذكر فصلًا طويلًا، وفي طيِّ ذلك ورقة إلى الملك الظاهر، فردَّ جوابَها ردًا عنيفًا مؤلمًا، فتنكَّدت خواطرُ الجماعة. وله غير رسالة إلى الملك الظاهر في النهي عن المنكرات. قال ابن فَرْح - وكان ممن يَشرَح على الشيخ -: صار الشيخ محيي الدين إلى ثلاث رُتَب لو نهض رجلٌ فيها لشُدَّت إليه الرحال: العلم، والزهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان الشيخ ﵁ يقتنع باليسير، ووليَ مشيخةَ دار الحديث الأشرفية مع صغر سِنّه ونزول روايته في حياة مشايخه بعد الإمام أبي شامة، فما أخذ جامكيةً فيما بلغني، بل كان يجيئه من والده شيء يَقتات منه، واشترى بالجامكية كتبًا وَقَفَها. سافر وزار بيت المقدس، فرَدَّ إلى نَوَى مريضًا، وانتقل به إلى الله في الرابع والعشرين من رجب سنة ست وسبعين وست مئة، وقبره يُزار بنَوَى. قال قطب الدين موسى شيخنا (¬١): كان أوحدَ زمانه في العلم والزهد والورع والعبادة والتقلُّل وخشونة العيش، واقَفَ الملكَ الظاهر بدار العدلغيرَ مرة، فحُكيَ عنه أنه قال: أنا أفزعُ من هذا. وقال الفقيه شمس الدين محمد بن الفخر: كان إمامًا بارعًا حافظًا مُفتيًا، أتقن علومًا شتَّى، وصنَّف التصانيف الحسنة، وكان شديد الورع والزهد، تاركًا لجميع ملاذِّ الدنيا من المآكل، إلّا ما يأتيه به أبوه من كعك وتِين، وكان يَلبَس الثياب الرَّثَّة المرقَّعة، ولا يدخل حمّامًا، وترك الفواكه جميعها، ولم يتناول من الجهات. قلت: وكان تُؤثَر عنه كرامات وأحوال، وكان أسمرَ، كَثَّ اللحية، رَبْعة مهيبًا، لا يرى الجدال ولا تعجبه المغالَبة، ويتأذَّى ممن يجادل ويُعرِض عنه، وقلمُه أبسطُ من عبارته، رحمه الله تعالى، فقد كان عديمَ النَّظِير. قال الشيخ شمس الدين بن النَّقيب مدرِّس الشَّامية: قال لي الشيخ محيى الدين النَّواوي وما عندنا ثالث وقد قرأتُ نصف "التنبيه" وأنا مراهق: أنت مدرِّس بالشامية، يا قاضي شمس الدين. قلت: وليَ ابن النَّقيب قضاء حمص، ثم قضاء القضاة بطرابلس، ثم بحلب، ثم رجع ودرَّس بالشاميّة بعدُ. أخبرنا علي بن إبراهيم الفقيه سنة سبع وتسعين، أخبرنا يحيى بن شرف الحافظ، أخبرنا خالد بن يوسف (ح) وأنبأتني ستُّ العرب بنت يحيى؛ قالا: أخبرنا أبو اليُمْن الكِنْدي، أخبرنا مبارك بن الحسين، أخبرنا علي بن أحمد، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله - هو البَغَوي - حدثنا شَيْبان، حدثنا حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "مَن طَلَبَ الشهادةَ صادقًا من قلبِه، أُعطِيَها ولو لم تُصِبْه"، أخرجه مسلم (¬١) عن شَيْبان.
Parsing and provenance details
Local passage ID
472018
Book record
shamela-10907
Source record
371354
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
النَّوَاويّ — shamela-10907 · Hadith Research Library