page 1470, entry [1037]Open original source
١٠١٨ - الحُمَيدي * الإِمام، الحافظ، الحُجَّة، أبو عبد الله، محمد بن أبي نَصْرٍفتوح بن عبد الله بن فُتوح بن حُمَيد بن يَصِل، الأَزْدي، الحُمَيدي، الأَنْدَلُسي، المَيُورْقي، الظَّاهري. سمع بالأندلس ومِصْر والشَّام والعِراق والحَرَم، وسكن بَغْدَاد. ولد قبل سنة عشرين وأربع مئة. وأكثر عن: ابن حَزْم، وكان من كِبار تلامذته. وروى عن: ابن عبد البَرّ، والخطيب، وأبي عبد الله القُضَاعي، وأبي زكريا عبد الرَّحيم البُخَاري، وأبي القاسم الحِنَّائي الدِّمَشْقي، وعبد الصَّمد بن المأمون، وأبي جعفر بن المُسْلمة، وأبي غالب بن بِشْران اللُّغوي، ولم يزل يسمع حتى كتب عن أصحاب الجَوْهري، وابن المُذْهب، وسمع بأفريقية كثيرًا، ولقي بمكَّة كريمة المَرْوَزية. وأول رِحْلته في سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مئة. [قال محمد بن طَرْخان: سمعت الحُمَيدي يقول: كنت أُحمل للسَّمَاع على الكتف سنة خمس وعشرين وأربع مئة] (١) فأوَّل ما سَمِعْتُ من الفقيه أَصْبَغ بن راشد، وكنت أفهم ما يُقرأ عليه، وكان تَفَقَّه على أبي محمد بن أبي زيد، وأصل أبي من قُرْطُبة من مَحَلَّةٍ تُعرف بالرُّصافة، فسكن جزيرة مَيُورْقَة فولدت بها. روى عنه: شيخه الخطيب، ويوسف بن أيوب الهَمَذَاني،ومحمد بن طَرْخَان، وأبو عامر العَبْدَري، ومحمد بن ناصر، وأبو الفتح بن البَطِّي، وخَلْق. ذكره ابن الدَّبَّاغ في الطَّبَقة الحادية عشرة من الحُفَّاظ. وقال ابن ماكولا: لم أر مِثْلَ صديقنا الحُمَيدي في نَزَاهته وعِفَّته وَوَرَعِه، وتشاغُلِه بالعِلْم، صنَّف "تاريخ الأندلس" (١). وقال يحيى بن إبراهيم السَّلَمَاسي: قال أبي: لم تر عيناي مِثْلَ الحُمَيدي في فَضْله ونُبْله وغَزَارة عِلْمه وحِرْصه على نَشْر العِلْم (٢). قال: وكان وَرِعًا تَقِيًّا، إمامًا في الحديث وعلله ورُواته، متحققًا في عِلْم التَّحقيق والأُصول على مَذْهب أهل الحديث بموافقة الكتاب والسُّنَّة، فصيح العِبارة، متبحِّرًا في عِلْم الأدب والعربية والترسل (٣)، وله كتاب "الجَمْع بين الصَّحيحين" (٤) و "تاريخ الأندلس" (٥) و "جُمَل تاريخ الإِسلام"، وكتاب "الذَّهب المَسْبُوك في وَعْظ الملوك" وكتاب "التَّرَسُّل" (٦) وكتاب "مُخَاطبات الأصْدقاء"، وكتاب "حِفْظ الجار"، وكتاب "ذَمِّ النَّميمة"، وله شِعْر رصين في المواعظ والأمثال. وقال السِّلَفي: سألت أبا عامر العَبْدَري عن الحُمَيدي فقال:لا يُرى قَطُّ مِثْله، وعن مِثْله لا يُسأل، جمع بين الحديث والفِقْه والأدب، ورأى عُلَماء الأندلس، وكان حافظًا. وقال أبو علي الصَّدَفي: كان يدلُّني على الشُّيوخ، وكان متقلِّلًا من الدُّنيا، يمونه ابن رئيس الرؤساء، ثم جَرَتْ لي معه قصص أوجبت انقطاعي عنه، وكان يبيت عند ابن رئيس الرؤساء كلَّ ليلة، وحدَّثني أبو بكر بن الخَاضِبة أنَّه ما سمعه يذكر الدُّنيا قَطّ (١). وقال يحيى بنُ البَنَّاء: كان الحُمَيدي من اجتهاده ينسخ باللّيل في الحَرّ، فكان يجلس في إجّانة (٢) ماءٍ يتبرَّد به. وقال الحسين بن محمد بن خُسْرُو: جاء أبو بكر بن ميمون فَدَقَّ على الحُمَيْدي، وظَنَّ أنه قد أذِن له، فَدَخل، فوجده مكشوف الفَخِذ، فبكى الحُمَيدي، وقال: واللْه لقد نَظَرْتَ إلى موضعٍ لم ينظره أحدٌ منذ عَقَلْتُ. وقال ابن طَرْخَان: سمِعْتُ الحُمَيدي يقول: ثلاثةُ كُتُبٍ من علوم الحديث يجب الاهتمام بها، كتاب "العِلل" وأحسن ما وُضع فيها كتاب الدَّارَقُطْني، وكتاب "المُؤْتلف والمُخْتلف" وأحسن كتاب وُضِعَ فيه "الإكمال" للأمير ابن ماكُولا، وكتاب "وَفيَات المَشَايخ" وليس فيه كتاب، وقد كُنْتُ أردت أن أجمع في ذلك كتابًا، فقال لي الأمير: رَتِّبْه على حُروف المُعْجم بعد أن تُرَتِّبَه على السِّنين. قال ابن طَرْخَان: فاشتغل "بالصحيحين" إلى أن مات (٣).وقال القاضي عِياض: أبو عبد الله محمد بن أبي نَصْر الأَزْدي الأَنْدَلُسي، سمع بمَيُورْقة من أبي محمد بن حَزْم قديمًا، وكان يتعصَّب له، ويميل إلى قَوْله، وكان قد أصابته فيه فِتْنة، ولما شُدِّد على ابن حَزْم خَرَجَ الحُمَيدي إلى المَشْرق. مات الحُمَيدي في سابع عشر ذي الحِجَّة سنةَ ثمانٍ وثمانين وأربع مئة، وصَلَّى عليه الإِمام أبو بكر الشَّاشي بجامع القَصْر، ودفن بمقبرة باب أبرز بقُرْب قَبْر الشَّيخ أبي إسحاق الشِّيرَازي. ثم إنه نُقِلَ بعد سنتين إلى مقبرة باب حَرْب فَدُفِن عند بِشْر الحافي (١). وقد ذكر ابن عساكر أنه كان أوصى إلى الأجل مُظَفَّر ابن رئيس الرؤساء أن يَدْفِنَه عند بِشْر، فخالص وَصِيَّتَه، فلما كان بعد مُدَّة رآه في النَّوْم يعاتِبُه على ذلك، فنقله في صَفَر سنة إحدى وتسعين، وكان كَفَنُه جديدًا، وبَدَنُه طريًّا يفوح منه رائحة الطِّيب (٢). ومن شِعْره: لِقَاءُ النَّاسِ لَيسَ يُفيدُ شيئًا ... سوى الهَذَيَان مِنْ قِيل وقَالِ فأَقْلِلْ مِنْ لِقَاءِ النّاسِ إلّا ... لأخْذِ العِلْم أَوْ إصلاحِ حَالِ (٣)وله: طريقُ الزُّهْد أفضل ما طريقِ ... وتقوى الله تأدية (١) الحقوقِ فَثِقْ بالله يَكْفِك واسْتَعِنْه ... يُعِنْكَ وذَرْ بُنَيَّاتِ الطريقِ