page 1394, entry [1011]Open original source
٩٩٢ - الخَطِيبُ * الإِمام، الحافظ الكبير الأوْحد، محدِّث الشَّام والعِراق، أبو بكر، أحمد بن عليّ بن ثابت بن أحمد بن مهدي، البَغْدَادي، صاحب التَّصانيف.ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة، وعني بهذا الشَّأْن، ورحل فيه إلى الأقاليم، وأوَّل سماعه في سنة ثلاثٍ وأربع مئة. سمع أبا الحسن بن الصَّلْت الأَهوَازي، وأبا الحسين بن المُتَيَّم، وأبا عمر بن مهدي، والحسين بن الحسن الجَوَاليقي، وابن رِزْقُويه، وابن أبي الفوارس، وهلالًا الحَفَّار، وإبراهيم بن مَخْلَد البَاقَرْحي (١). ومَنْ عنده ببغداد، ورحل سنة اثنتي عشرة إلى البَصْرة، فسمع أبا عمر القاسم [ابن جعفر الهاشمي، وسمع بنيسابور أبا القاسم] (٢) عبد الرحمن بن محمد السَّرَّاج، والقاضي أبا بكر الحِيري، وبأَصْبهان أبا الحسن بن عبدكويه، ومحمد بن عبد الله بن شهريار، وأبا نُعَيم الحافظ، وبالدِّينور أبا نَصْر الكَسَّار، وبهَمَذَان محمد بن عيسى، وسمع بالكوفة والرَّي والحرمين ودمشق والقُدْس وصور، وغير ذلك. وكان قدومه إلى دمشق سنةَ خمسٍ وأربعين وأربع مئة، ثم حَجَّ، ثم قَدِم الشَّام سنةَ إحدى وخمسين، فسكنها إحدى عشرة سنة. حدَّث عنه البَرْقَاني -أحد شيوخه- وأبو الفَضْل بن خيرون، والفقيه نَصر المَقْدسي، وأبو عبد الله الحُمَيدي، وعبد العزيز الكتَّاني، وأبو نَصْر بن ماكولا، وعبد الله بن أحمد السَّمَرْقَنْدِي، وأبو بكر بن الخاضِبَة، وأُبيّ النَّرْسي، وأبو القاسم النَّسيب، وهبة الله بن الأَكفَاني، وعبد الكريم بن حمزة، وطاهر بن سَهْل الإسْفَراييني، وهبة الله بن عبد الله الشُّرُوطي، وأبو السَّعَادات أحمد بن أحمد المُتَوكِّلي، وعبد الرحمن بنمحمد الشَّيبَاني القَزَّاز، وأبو منصور بن خَيرون المقرئ، وخَلْق يطول ذكرهم. وكان من كبار الشَّافعية، تفقه على أبي الحسن بن المَحَاملي، والقاضي أبي الطَّيِّب. قال ابن النَّجَّار: نشأ ببغداد، وقرأ القُرْآن بالرِّوايات، وتفقَّه وعلَّق شيئًا من الخلاف، وآخر من حَدَّث عنه بالسَّماع محمدُ بنُ عمر الأُرْمَوي القاضي. وقال الخطيب: أول ما سمعت في المُحَرَّم سنة ثلاث، واستشرت البَرْقَاني في الرِّحْلة إلى عبد الرحمن بن النَّحَّاس بِمِصْر أو الخروج إلى نَيسَابور؟ فقال: إن خرجتَ إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، فإن فاتك ضاعت رِحْلَتُك، وإن خرجتَ إلى نيسابور ففيها جماعة. فخرجت إلى نيسابور. وقال ابنُ ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر (١) الأعيان ممن شاهدناه مَعْرفةً، وحفظًا، وإتقانًا، وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ، وتفنُّنًا في عِلَله وأسانيده، وعِلْمًا بصحيحه وغريبه، وفَرْده، ومُنْكَره، ومطروحه (٢). ثم قال: ولم يكن للبَغْداديين بعد الدَّارَقُطْني مِثْلُه (٣)، وسألت الصُّوري عن الخطيب وأبي نصر السِّجْزي ففضَّل الخطيب تفضيلًا بينًا.وقال مؤتَمن السَّاجي: ما أخرجتْ بغداد بعد الدَّارقُطْني مِثْلَ الخطيب (١). وقال أبو علي البَرَدَاني: لعَلَّ الخطيب لم ير مِثْلَ نَفْسه (٢). وقال الفقيه أبو إسحاق الشِّيرَازي: أبو بكر الخطيب يُشَبَّه بالدَّارَقُطْني ونظرائه في مَعْرفة الحديث وحِفْظه (٣). وقال شجاع الذُّهْلي: إمام مصنِّف حافظ لم نُدْرك مِثْلَه. وقال أبو الحسن الهَمَذَاني: مات هذا العِلْم بوفاة الخطيب، وقد كان رئيس الرُّؤساء (٤) تقدم إلى الوُعَّاظ والخُطَباء أنْ لا يرووا حديثًا حتى يعرِضُوه على أبي بكر الخطيب. وأظهر بعضُ اليهود كتابًا بإسقاط النبيِّ ﷺ الجِزْيَةَ عن الخيابرة، وفيه شهادة الصَّحابة، فعرَضَه الوزير على أبي بكر، فقال: هذا مزوَّر، فقيل له: من أين أنت قلت هذا؟ قال: لأن فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفَتْح، وفيه شهادة سَعْد بن معاذ وقد مات قبل خَيبر بسنتين (٥). وقال أبو سعد السَّمْعَاني: كان الخطيب مَهيبًا وقورًا، متحرّيًا حُجَّة، حسنَ الخَطِّ، كثيرَ الضَّبْط، فصيحًا، خُتم به الحُفَّاظ (٦).قال: وقرأ بمكَّة "الصَّحيح" على كريمة (١) في خمسة أيام، وخَرَج من بغداد بعد فتنة البَسَاسِيري (٢) إلى الشَّام، سمِعْتُ الخطيب مسعود بن محمد بمرو، سمعت الفَضْل بن عمر النَّسَوي يقول: كنت بجامع صُور عند الخطيب، فدَخَلَ عليه عَلَويّ، وفي كُمِّه دنانير، فقال: هذا الذَّهَب تصرِفُهُ في مُهِمَّاتك. فقطَّبَ وقال: لا حاجة لي فيه. فقال: كأنك تَسْتَقلُّه. ونَفَضَ كُمَّه على سَجَّادة الخطيب، وقال: هي ثلاث مئة دينار. فخَجِلَ الخطيبُ وقام، وأخذ سَجَّادته، وراح فما أنسى عِزَّ خروجه وذُلَّ العَلَوي، وهو يجمع الدَّنانير (٣). وقال أبو زكريا التِّبْرِيزي: كنت أقرأ على الخطيب بحَلْقَته بجامع دمشق كُتُب الأدب المسموعة له، وكنت أسكُن مَنَارة الجامع، فَصَعِدَ إليَّ وقال: أحببتُ أن أزورَك. فتحدَّثْنا ساعةً، ثم أخرج ورقة وقال: الهديةُ مُسْتَحبَّةٌ، اشترِ بهذه أقلامًا، وقام، فإذا خمسةُ دنانير. ثم صَعِدَ مَرَّة أُخرى ووضع نحوًا من ذلك. وكان إذا قرأ الحديث يُسْمَع صَوْتُه في آخر الجامع، وكان يقرأ معربًا صحيحًا. (٤) وقال ابنُ شَافع: خَرَجَ الخطيبُ فقصد صور، وبها عِزّ الدَّوْلة أحد الأجواد، وتقرّب منه فانتفع به وأعطاه مالًا كثيرًا، انتهى إليه الحِفْظ والإِتقان، والقيام بعلُوم الحديث.وقال ابنُ عساكر: سمِعْتُ الحسينَ بنَ محمد يحدِّث عن أبي الفضل بن خيرون أو غيره أَن الخطيب ذكر أنه لما حَجَّ شَرِبَ من ماء زَمْزم ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات، آخذًا بالحديث: "ماء زمزم لما شُرِب له" (١)؛ فالحاجة الأولى أَنْ يحدِّثَ بـ"تاريخ بغداد"، والثانية أن يملي الحديث بجامع المَنْصُور، والثَّالثة أن يُدْفَن عند بِشْر الحافي. فقضى الله له ذلك (٢). وذكر أبو الفرج الإسْفَراييني أَنَّ الخطيب كان معهم في الحج، فكان يَخْتِمُ كلَّ يوم، ثم يجتمع عليه النَّاس وهو راكب يقولون: حدِّثْنَا فيحدِّث. وقال عبد المحسن الشِّيحي: عادلت (٣) الخطيب من دمشق إلى بغداد فكان له في كلِّ يوم وليلة خَتْمَة. وقال السَّمْعَاني: سمِعْتُ من ستة عشر من أصحابه (٤)، وله ستة وخمسون مصنفًا، ثم سَرَد أكثرها. وقد أنشد السِّلَفي لنفسه: تَصَانيفُ ابنِ ثابتٍ الخطيبِ ... ألَذُّ من الصِّبا الغَضّ (٥) الرَّطيبِيراها إذْ رواها من حَوَاها ... رياضًا للفَتَى اليقِظِ اللَّبيبِ (١) ويأخُذُ حُسْنُ ما قَدْ صَاغَ مِنْها ... بقَلْبِ الحافظ الفَطِنِ الأَريبِ فأيةُ راحةٍ ونَعيمِ عيشٍ ... يُوَازِي كَتْبَها (٢) بَلْ أيُّ طِيبِ (٣) وقال أبو محمد بن الأبَنُوسي: سَمِعْتُ الخطيب يقول: كل من ذكرت فيه أقاويل النَّاس من جَرْح وتعديل فالاعتماد على ما أَخَّرْت، [وختمت به الترجمة] (٤). وقال ابنُ طاهر: سألت هِبَةَ الله بن عبد الوارث الشِّيرَازي: هل كان الخطيبُ كتصانيفه في الْحِفظ؟ قال: لا، كُنَّا إذا سَأْلناه عن شيءٍ أجابنا بعد أيامٍ، وإن ألححنا عليه غَضِبَ، كانت له بادِرَة وَحْشَة (٥). وقد قيل: إن سببَ خروج الخطيب من دِمَشْق إلى صُور أنه كان يختلف إليه صبيٌّ مليح، فتكلَّم فيه النَّاس، وبلغ ذلك أمير البلد، وكان رافضيًا متعَصِّبًا، فامر بقتله فشد منه (٦) بعضُ العَلَوية، وأشار على الأمير بإخراجه من البلد، فأمر بذلك، فذهب إلى صُور وأقام بها مُدَّة. قال ابنُ السَّمْعَاني: خرج من دمشق في صَفَر سنةَ سبعٍ وخمسينفقصد صور، وكان يزور منها القُدْس، ويعود إلى أن سافر إلى العِراق سنة اثنتين وستين. وقال المؤتَمن السَّاجي: تحاملتِ الحنابلةُ على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه. وقال أبو منصور عليُّ بنُ علي الأمين (١): كتبَ الخطيبُ إلى القائم: إذا مِتُّ يكون ما لي لبيت المال، فليؤذن لي حتى أفرِّقَه على مَنْ شئت. فأَذِن له، ففرَّقه على المُحَدِّثين (٢). قال ابنُ ناصر: حدثتني أُمي أَنَّ أبي حدثها قال: دخلْتُ على الخطيب في مَرَضه فقلت له يومًا: يا سَيِّدي، إن ابن خيرون لم يعطني شيئًا من الذَّهب (٣) الذي أمرته أن يفرِّقَه على أَصحاب الحديث. فرفع الخطيبُ رأسهَ من المِخَدَّة، وقال: خُذْ هذه [الخرقة] بارك اللهُ لك فيها. فكان فيها أربعون دِينارًا (٤). وقال مكي الرُّمَيلي: مَرِضَ الخطيب في رمضان من سنة ثلاث وستين إلى أن اشْتَدَّ به الحال في أَوَّل ذي الججَّة، ومات يوم سابعه، وأوصى إلى أبي الفَضْل بن خَيرون (٥)، ووقَص كُتُبَه على يده، وفرَّق مالهفي وجوه البِرِّ، وشيَّعه القُضَاة والخَلْق، وأمَّهم أبو الحسين بن المهتدي بالله، ودفن بجنب بِشْر الحافي (١). قال ابنُ خَيْرون: دفن بباب حَرْب، وتصدَّق بماله وهو مائتا دينار، وأوصى بأن يُتصدَّق بثيابه، وكان بين يدي جِنازته جماعةٌ ينادون: هذا الذي [كان يَذُبُّ عن رسول الله ﵌، هذا الذي كان ينفي الكذب على رسول الله ﵌، هذا الذي] كان يحفظ [حديث] (٢) رسول الله ﷺ، وخُتِمَ على قبره عِدَّةُ ختمات. وقال عبد العزيز الكَتَّاني: ورد كتاب جماعةٍ أَنَّ الحافظ أبا بكر مات في سابع ذي الحِجَّة، وكان أبو إسحاق الشِّيرَازي ممن حمل جِنازته. وقال عليُّ بن الحسين بن جَدَّا: رأيتُ بعد موت الخطيب كأَنَّ شخصًا قائمٌ بحذائي فأردت أن أسأله عن الخطيب فقال لي ابتداءً: أُنزل وسط الجَنَّة حيث يتعارف الأبرار. وقال غيث الأرْمَنَازِي: قال مكيّ الرُّمَيلي: كنتُ ببغداد نائمًا في ليلة ثاني عشر ربيع الأوَّل سنة ثلاث وستين، فرأيت كأنّا عند الخطيب لقراءة "تاريخه" على العادة، والشَّيخ نصر بن إبراهيم المَقْدسي عن يمينه، وعن يمين نَصْر رجلٌ، فسألت عنه فقيل: هذا رسول الله صلى اللهعليه وسلم جاء ليسمع "التَّاريخ"، فقلت في نفسي: هذه جلالة لأبي بكر (١). قال غيث: أنشدنا الخطيب لنفسه: إن كُنْتَ تبغي الرَّشادَ محضًا ... لأمرِ دُنْيَاك والمَعَادِ فَخَالفِ النَّفْس في هَوَاها ... إنَّ الهوى جَامِعُ الفَسَادِ