page 265, entry [136]Open original source
جـ- حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: «كنتُ ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب، قال فجاء فحطأني حطأة (¬١)، وقال: اذهب وادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو يأكل، قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية. قال: فجئت فقلت: هو يأكل، فقال: لا أشبع الله بطنه» (¬٢). ووجه الاتهام في هذا الحديث لمعاوية ﵁ أمران: الأول: دعاء النبي ﷺ على معاوية. الثاني: تأخر معاوية عن تلبية طلب النبي ﷺ والاستمرار في الأكل، فهذا له دلالة على قلة المبالاة. والجواب عن الاتهام الأول من عدة أوجه؛ وهي: أولاً: أن هذا الدعاء مما جرى على اللسان بغير قصد. وهو كقول النبي ﷺ لأم سلمة: «تربت يمينك» (¬٣)، وقوله لصفية: «عقرى حلقى» (¬٤)، وقوله لمعاذ: «ثكلتك أمك» (¬٥). فهذا كله لم يُفهم منه أن النبي ﷺ يدعو على هؤلاء الأفاضل. قال النووي: «وأما دعاؤه على معاوية أن لا يشبع حين تأخر؛ ففيه الجوابان السابقان، أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد» (¬٦). وقال القرطبي: «قوله: لا أشبع الله بطنه؛ يحتمل أن يكون من نوع: لا كبر سنك» (¬٧).وقال ابن حجر الهيتمي: «يحتمل أن هذا الدعاء جرى على لسانه ﷺ من غير قصد، كما قال لبعض أصحابه: تربت يمينك، ولبعض أمهات المؤمنين: عقرى حلقى، ونحو ذلك من الألفاظ التي كانت تجري على ألسنتهم بطريق العادة، من غير أن يقصدوا معانيها» (¬١). ثانياً: أن هذا الدعاء مما ينتفع به معاوية في الآخرة، حتى لا يكون ممن يجوع يوم القيامة، لأن الخبر عنه أنه قال: «أكثر الناس شبعا في الدنيا؛ أكثرهم جوعا يوم القيامة» (¬٢). لكن الذهبيَّ لم يرتضِ هذا التأويل، وقال: «هذا ما صح، والتأويل ركيك» (¬٣). ثالثاً: أن الدعاء على حقيقته (¬٤)، وليس في هذا ما ينقص قدر معاوية في الآخرة، فغاية ما فيه طول مدة الأكل، وكل من لم يضره نقص أخروي فلا ينافي الكمال (¬٥). وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في الدنيا، فقد كان معدودا من الأكلة. قال ابن كثير: «وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في الدنيا: فإنه لما صار في الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات، يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: والله ما أشبع، وإنما أعيى. وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك» (¬٦). وقال الذهبي: «وقد كان معاوية معدودا من الأكلة» (¬٧).رابعاً: أن هذا الدعاء على معاوية معدود في مناقبه، لا في تنقصه وذمه، وذلك لأن النبي ﷺ قال: «اللهم إنما أنا بشر، فأيما رجل من المسلمين سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة» (¬١). وقد ذهب إلى هذا التأويل جماعةٌ من العلماء؛ منهم: - الإمام مسلم بن الحجاج: قال النووي: «وقد فهم مسلم ﵀ من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب (¬٢)، وجعله غيره من مناقب معاوية؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاء له» (¬٣). وقال القرطبي: «ويحتمل أن يكون معاوية من الأكل في أمر كان معذورا به من شدة الجوع، أو مخافة فساد الطعام، أو غير ذلك، وهذا المعنى تأوُّلُ من أدخل هذا الحديث في مناقب معاوية، فكأنه كنَّى به عن أنه دعا عليه بسبب أمر كان معذورا به، فحصل له من دعاء النبي ﷺ الكفارة والرحمة والقربة إلى الله تعالى التي دعا بها النبي ﷺ كما ذكرناه» (¬٤). - الحافظ ابن عساكر: حيث قال عن هذا الحديث: «أصحُّ ما روي في فضل معاوية» (¬٥). - الحافظ الذهبي:قال عن هذا الحديث: «لعل هذه منقبة لمعاوية، لقول النبي ﷺ: اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة» (¬١). - الحافظ ابن كثير: قال معلِّقا على هذا الحديث: «وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه (¬٢). وأما في الآخرة: فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه هو والبخاري وغيرهما، من غير وجه عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ قال: اللهم إنما أنا بشر، فأيما عبد سببته، أو جلدته، أو دعوتُ عليه، وليس لذلك أهلا؛ فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة. فركَّب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك» (¬٣). - ابن حجر الهيتمي: حيث عدَّ هذا الحديث من مناقب معاوية، وساق نحوا من الكلام السابق (¬٤). وأما الجواب عن الاتهام الثاني؛ فنقول: أولاً: أنه ليس في الحديث أن ابن عباس قال لمعاوية: رسول الله ﷺ يدعوك فتباطأ، وإنما يحتمل أن ابن عباس لما رآه يأكل استحيا أن يدعوه، فجاء وأخبر رسول الله ﷺ أنه يأكل، وكذا في المرة الثانية (¬٥). ثانياً: على فرض أن ابن عباس أخبر معاوية بطلب النبي ﷺ؛ فيحتمل أن معاوية ظن أن في الأمر سعة، أو كان معتقدا أنه لا يجب على الفور (¬٦)، مع احتمالية الجوع الشديد عند معاوية، أو مخافة فساد الطعام، أو غير ذلك (¬٧).