page 233, entry [107]Open original source
أولاً: مناقبه وفضائله: لا يكاد أحدٌ يفتح هذا الباب، باب مناقب معاوية ﵁ وما ورد في فضله، إلا ويفجأه بعض الأقوال التي تسدُّ عليه الباب قبل أن يفتحه، وتقطع عليه الطريق قبل أن يبدأه! ومنها: ١ - قول إمام من أئمة الحديث، وأحد أهم شيوخ الإمام البخاري، وهو إسحاق بن راهويه: «لا يصح عن النبيِّ ﷺ في فضل معاوية بن أبى سفيان شيء» (¬١)! وقد تابعه على هذا القول جماعةٌ بعده. ٢ - وقول الحافظ ابن حجر: «وقد ورد في فضائل معاوية ﵁ أحاديث كثيرة، لكن ليس فيها ما يصح من طريق الإسناد» (¬٢). ٣ - وصنيع الإمام البخاري في صحيحه، حيث قال: «باب ذكر معاوية»، ولم يقل: «فضائل أو مناقب معاوية». والجواب عن هذه الأقوال فيما يلي: أولاً: أن مقولة إسحاق في ثبوتها عنه شكّ، فالإسناد إليه فيه ضعف (¬٣). ثانياً: وإن ثبتت عنه، فهي وقول الحافظ ابن حجر، ومن سار على نهجهما؛ من قبيل الاجتهاد، وهذا يقابله اجتهاد علماء آخرين صحَّحوا بعض الأحاديث في فضائل معاوية، ومنهم: أ- الإمام ابن أبي عاصم: حيث صنَّف كتابا في فضائل معاوية ﵁.قال الحافظ ابن حجر: «وقد صنف ابن أبي عاصم جزءا في مناقبه، وكذلك أبو عمر غلام ثعلب (¬١)، وأبو بكر النقاش» (¬٢). ب- الإمام الآجرِّي: حيث عقد فصلا في كتابه الشريعة بعنوان: «كتاب فضائل معاوية بن أبي سفيان ﵁» (¬٣)، ثم ساق تحته عدةَ أحاديث في فضل معاوية. جـ- الحافظ اللالكائي: حيث عقد فصلا في كتابه شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بعنوان: «سياق ما روي عن النبي ﷺ في فضائل أبي عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان ﵄» (¬٤)، ثم ساق تحته عدةَ أحاديث في فضل معاوية. د- الحافظ ابن عساكر: حيث قال بعد إيراد مقولة إسحاق السابقة: «وأصح ما روي في فضل معاوية: حديث أبي حمزة عن ابن عباس أنه كاتب النبي ﷺ، فقد أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: اللهم علمه الكتاب، وبعده حديث ابن أبي عميرة: اللهم اجعله هاديا مهديا» (¬٥). ه- الإمام الذهبي: حيث ذكر أحاديث في فضل معاوية ﵁، وعقَّب بعد ذلك بقوله: «فهذه أحاديث مقاربة» (¬٦).و- الحافظ ابن كثير: حيث قال بعد إيراد بعض الأحاديث في فضل معاوية، والتنبيه على بعض الضعيف: «واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات، عما سواها من الموضوعات والمنكرات» (¬١). ز- ابن حجر الهيتمي: حيث عقد فصلا في كتابه: تطهير الجنان، بعنوان: «الفصل الثاني: في فضائله ومناقبه وخصوصاته وعلومه واجتهاده» (¬٢). حـ- علماء الحديث الذي صحَّحوا بعض الأحاديث في فضل معاوية ﵁، وسيأتي ذكر أسمائهم عند ذكر هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى. ثالثاً: أن العلماء الذين نفوا صحة الأحاديث في فضل معاوية؛ إنما يعنون الأحاديث الخاصة، أما الأحاديث العامة في فضل الصحابة، فمعاوية ﵁ داخل فيها بلا شكٍّ. يقول الإمام ابن القيم -تعليقا على قول إسحاق السابق-: «ومراده ومراد من قال ذلك من أهل الحديث: أنه لم يصح حديث في مناقبه بخصوصه، وإلا فما صح عندهم في مناقب الصحابة على العموم، ومناقب قريش؛ فمعاوية ﵁ داخل فيه» (¬٣). وعلَّق الشيخ بكر أبو زيد على كلام ابن القيم بقوله: «لا يَغابُ عنك هذا القيد: على وجه الخصوص» (¬٤). وقال الشيخ المعلمي -مُعلِّقا على كلام إسحاق ومن تابعه-: «هذا لا ينفي الأحاديث الصحيحة التي تشمله وغيره، ولا يقتضى أن يكون كل ما روي في فضله خاصة مجزوماً بوضعه» (¬٥). رابعاً: أن عدم وجود أحاديث صحيحة في فضل معاوية -إن ثبت هذا- فهو فضيلة للصحابة كلهم عامة، ولمعاوية خاصة، فإنه مع كونه خليفة للمسلمين مدة عشرين عاما، لم يجامله أحد الصحابة بوضع حديث في فضله، ولم يضع هو لنفسه حديثا فيه منقبة له، وقد كان غيره من الصحابة يُحدث بأحاديث فيها فضائل لنفسه؛ فتُقبل منه ولا يُتهم بها.يقول المعلمي اليماني: «أما الصحابة ﵃: ففي هذه القضية برهان على أنه لا مجال لاتهام أحد منهم بالكذب على النبي ﷺ، وذلك أن معاوية كان عشرين سنة أميراً على الشام، وعشرين سنة خليفة، وكان في حزبه وفيمن يحتاج إليه جمع كثير من الصحابة، منهم كثير ممن أسلم يوم فتح مكة أوبعده، وفيهم جماعة من الأعراب، وكانت الدواعي إلى التعصب له والتزلف إليه متوفرة، فلو كان ثم مساغ لأن يكذب على النبي ﷺ أحد لقيه وسمع منه مسلماً؛ لأقدم بعضهم على الكذب في فضل معاوية وجهر بذلك. أما أعيان التابعين: فينقل ذلك جماعة ممن يوثقهم أئمة السنة فيصح عندهم ضرورة. فإذا لم يصح خبر واحد: ثبت صحة القول بأن الصحابة كلهم عدول في الرواية، وأنه لم يكن منهم أحد -مهما خفت منزلته، وقوي الباعث له- محتملاً منه أن يكذب على النبي ﷺ. وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على النبي ﷺ ما دام في فضيلة له، وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يجده ترغيب ولا ترهيب في حمل أحد منهم على ذلك، فقد كان في وسعه أن يحدث هو عن النبي ﷺ، فقد حدَّث عدد كبير من الصحابة عن النبي ﷺ بفضائل لأنفسهم، وقبلها منهم الناس، ورووها وصححها أئمة السنة. ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكر في أن يكذب، أو يحمل غيره على الكذب على النبي ﷺ، مهما اشتدت حاجته إلى ذلك. ومن تدبَّر هذا: علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية؛ أدلُّ على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث» (¬١).خامساً: وأما صنيع الإمام البخاري في صحيحه؛ فإنه لا يدل على ما ذهبوا إليه، ذلك أنَّ البخاري قد ترجم لصحابة آخرين ممن اشتُهر الثناء عليهم، وعلم بالتواتر علو منزلتهم ومكانتهم، وبوَّب لهم بنفس التبويب؛ ومن هؤلاء: طلحة بن عبيد الله، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عباس، فنجد البخاري في صحيحه يقول: «باب ذكر طلحة بن عبيد الله»، «باب ذكر أسامة بن زيد»، «باب ذكر عبد الله بن عباس». يقول الشيخ عبد العزيز بن أحمد الفريهاري (¬١): «وأما الجواب عما فعله البخاري: فإن تفنُّنٌ في الكلام، فإنه فعل كذا في أسامة بن زيد، وعبد الله بن سلام، وجبير بن مطعم، فذكر لهم فضائل جليلة معنونة بالذكر» (¬٢). واستنبط الحافظ ابن حجر معنىً آخر من الترجمة فقال: «عبَّر البخاري في هذه الترجمة بقوله: ذكر، ولم يقل: فضيلة، ولا منقبة؛ لكون الفضيلة لا تؤخذ من حديث الباب، لأن ظاهر شهادة ابن عباس له بالفقه والصحبة دالة على الفضل الكثير» (¬٣). ومع هذا كله: فمن الإنصاف أن نقول: إن هناك عدداً كبيراً من الأحاديث الباطلة والضعيفة والموضوعة قد رُوي في فضل معاوية، وكأن هؤلاء أرادوا أن يواجهوا الهجوم الشرس عليه، فوضعوا تلك الأحديث له، وهو ﵁ لا حاجة له بها، فقد أغناه الله عن كل هذا. يقول الإمام ابن القيم: «ومن ذلك ما وضعه بعض جهلة أهل السنة في فضائل معاوية ابن أبي سفيان» (¬٤). وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة إسحاق بن محمد بن إسحاق السوسي: «ذاك الجاهل الذي أتى بالموضوعات السمجة في فضائل معاوية، رواها عُبَيد الله السقطي عنه (¬٥)، فهو المتهم بها أو شيوخه المجهولون» (¬٦).وقد أكثر الحافظ ابن عساكر من ذكر هذه الأحاديث الباطلة في ترجمة معاوية ﵁ في تاريخ دمشق، وانتقده العلماء على ذلك، مع أنه ليس المتهم بها، إنما فقط نقلها بأسانيدها، وَبَرِأَ من عهدتها. قال الذهبي: «وقد ساق ابن عساكر في الترجمة أحاديث واهية وباطلة، طوَّل بها جدا» (¬١). وقال بعد أن ذكر طائفة منها: «فهذه الأحاديث ظاهرة الوضع، والله أعلم» (¬٢). وقال ابن كثير: «ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة، بلا شك، في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات، عما سواها من الموضعات والمنكرات» (¬٣). وقال في موطن آخر: «وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة، والعجب منه -مع حفظه واطلاعه- كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها؟! والله الموفق للصواب» (¬٤). وقال أيضا -بعد توهينه لحديث ذكره ابن عساكر في فضل معاوية-: «والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره - بل ومن تقدمه بدهر - كيف يورد في تاريخه هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط، ثم لا يبين حالها، ولا يشير إلى شيء من ذلك إشارة لا ظاهرة، ولا خفية؟! ومثل هذا الصنيع فيه نظر. والله أعلم» (¬٥). قلتُ (أحمد): ولعلَّ عذر ابن عساكر ﵀ في ذلك: أنه أسند كل قول إلى قائله، وكانت هذه عادة كثير من المحدِّثين، عملا بمقولة: «من أسند لك فقد أحالك»! ونأتي الآن إلى بيت القصيد، وهو: الحديث عن فضائله ومناقبه، فنقول: معاوية ﵁ معدودٌ بلا شكٍّ في أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا أمر لا يحتاج إلى تدليل، لكننا نزيده تأكيدا بما يلي:- عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، قال: «أوتر معاوية بعد العشاء بركعة، وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس فقال: دعه، فإنه قد صحب رسول الله ﷺ» (¬١). - وعن حمران بن أبان، يحدث عن معاوية، قال: «إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله ﷺ فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنهما -يعني: الركعتين بعد العصر-» (¬٢). - وقام معاوية ﵁ خطيباً ذات يوم، فقال: «ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﷺ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه» (¬٣). - وعن مهنا قال: «سألت أحمد عن معاوية بن أبي سفيان، فقال: له صحبة. قلت: من أين هو؟ قال: مكيٌّ قطن الشام» (¬٤). إذن: فمعاوية ﵁ من الصحابة بلا شك (¬٥)، والآيات والأحاديث الواردة في فضل الصحابة والثناء عليهم على قسمين: القسم الأول: آياتٌ وأحاديث عامَّة في فضل الصحابة جميعا ﵁، وهذه كثيرة معلومة، بل قد بلغت حد التواتر. يقول شيخُ الإسلامِ ابنُ تيْميَّة -بعد ذكر بعض الأدلة الواردة في فضلهم-: «وهذه الأحاديث مستفيضةٌ، بل متواترةٌ في فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، فالقدح فيهم قدح في القرآن والسنة» (¬٦). وقد صَنِّف العلماء في ذلك الأمر قديما وحديثا (¬٧).وأكتفي في هذا المقام بذكر شاهدين من القرآن، لأن فيهما رداً ضمنياً على بعض من يطعنون في صحبة معاوية ﵁، وهما: قول الله تعالى: أ- ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]. فبعض من يطعنون في صحبة معاوية يتهمونه بأنه لا يدخل في النصوص الواردة في حق الصحابة، لأنه أسلم بعد الفتح (¬١)! وهذه الآية خير ردٍّ عليهم، فإن الله ﷿ وعد الطائفتين -من أسلم قبل الفتح، ومن أسلم بعد الفتح- الحسنى، وهي: الجنة (¬٢). ب- ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٦]. فهذه الآية نزلت في شأن المؤمنين الذين حاربوا مع النبي ﷺ يوم حنين، وكان منهم طائفة كثيرة من مسلمة الفتح، ومنهم معاوية ﵁. يقول شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «وأعظم جيش جمعه النبي ﷺ: كان بحنين والطائف، وكانوا اثني عشر ألفا. وأعظم جيش غزا مع النبي ﷺ: جيش تبوك، فإنه كان كثيرا لا يُحصى، غير أنه لم يكن فيه قتال. وهؤلاء المذكورون دخلوا في قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى﴾ فإن هؤلاء الطلقاء مسلمة الفتح هم ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، وقد وعدهم الله الحسنى، فإنهم أنفقوا بحنين والطائف وقاتلوا فيهما، ﵃» (¬٣).القسم الثاني: ما ورد في شأن طائفة خاصَّة منهم، أو أفراد بأعيانهم، وهذا ما يعنينا في هذا المقام، لأنه محل البحث، وموطن النزاع. وهذا القسم الثاني يمكن تقسيمه هو أيضا إلى صنفين من الأدلة: الصنف الأول: ما ورد بخصوص طائفة معينة من الصحابة، ومعاوية ﵁ داخل معهم، ومن ذلك: أ- حديث النبي ﷺ: «أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا (¬١)»، قالت أم حَرَام بنت ملحان -خالة أنس بن مالك-: قلتُ: يا رسول الله! أنا فيهم؟ قال: «أنت فيهم»، ثم قال النبي ﷺ: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم»، فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: «لا» (¬٢). فهذا الجيش الذي غزا البحر كان معاوية منهم، بل هو أميرهم، فهو داخل في هذا النص وهذا الثواب، إن شاء الله تعالى (¬٣). قال الحافظ ابن حجر: «قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية؛ لأنه أول من غزا البحر» (¬٤). ب- حديث النبي ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وتكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة» (¬٥). فهذه شهادة نبوية لمعاوية ومن معه أنهم كطائفة علي بن أبي طالب ومن معه، على الإسلام والإيمان، ولهما دعوى واحدة. قال النووي: «وفيه التصريح بأن الطائفتين مؤمنون، لا يخرجون بالقتال عن الإيمان ولا يفسقون» (¬٦).وقال ابن كثير: «فيه الحكم بإسلام الطائفتين: أهل الشام، وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة، أهل الجهل والجور، من تكفيرهم أهل الشام» (¬١). ويتأكَّدُ هذا المعنى بالحديث القادم: جـ- حديث النبي ﷺ عن حفيده الحسن بن علي: «ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (¬٢). فهذا تأكيد على إسلام معاوية ومن معه، وأنه لا يخرجهم ما صدر منهم عن دائرة الإسلام والإيمان. قال الحافظ ابن حجر: «وفيه رد على الخوارج الذين كانوا يكفرون عليَّاً ومن معه، ومعاوية ومن معه، بشهادة النبي ﷺ للطائفتين بأنهم من المسلمين، ومِن ثَمَّ كان سفيان بن عيينة يقول عقب هذا الحديث: قوله: من المسلمين يُعجبنا جدا» (¬٣). د- عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ، فسمعته يقول: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة»، قال: ثم تكلم بكلام خفي عليَّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلهم من قريش» (¬٤). وفي لفظ آخر للحديث: «لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة» (¬٥).فظاهر هذا الحديث يدخل فيه معاوية ﵁، وذلك أنه قرشي وتولى الملك، وكان الدين في زمنه عزيزاً منيعاً، فهذا الحديث ينطبق عليه، خاصة في الرواية الأخرى: «لا يزال هذا الأمر -وفي رواية الإسلام- عزيزاً إلى اثني عشر خليفة». فظاهر هذه الرواية أن هذه العزة والمنعة من أول خليفة بعد رسول الله ﷺ، وهو أبو بكر ﵁، إلى اثني عشر خليفة، فيكون معاوية داخلاً فيهم، وخاصة أنه بويع من جميع المسلمين، وسمي هذا العام بعام الجماعة كما هو معلوم (¬١). يقول القاضي عياض: «وهذا قول قد وُجد فيمن اجتُمع عليه إلى أن اضطرب أمر بنى أمية، واختلفوا وتقاتلوا زمن يزيد بن الوليد على الوليد بن يزيد، واتصلت فتونهم، وخرج عليهم بنو العباس فاستأصلوا أمرهم، وهذا العدد موجود صحيح إلى حين خلافتهم إذا اعتبر» (¬٢). وقال الحافظ ابن حجر: «وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع: انقياد الناس لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، إلى أن وقع أمر الحكمين في صفِّين فسمي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ... » (¬٣). الصنف الثاني: ما ورد في فضل معاوية ﵁ خاصة، ومن ذلك: - دعاء النبي ﷺ لمعاوية: «اللهم اجعله هاديا مهديا، واهد به» (¬٤).وهذا الحديث وإن كان قد تُكلِّم فيه (¬١)، إلا أن الراجح -والله أعلم- صحته، وقد صحَّحه جمعٌ من العلماء؛ منهم: الترمذي (¬٢)، والجورقاني (¬٣)، والذهبي (¬٤)، وابن كثير (¬٥)، والألباني (¬٦). - ومن مناقبه الخاصَّة أيضاً: أنَّ النبيَّ ﷺ اختاره ليكون أحد كتبة الوحي، وقد تقدَّم تفصيل ذلك وأدلته في الفصل الأول. - ومن مناقبه: أنه خال المؤمنين، وصهر رسولنا الكريم ﷺ: قال أبو يعلى: «ويُسمَّى إخوة أزواج النبي: ﷺ أخوال المؤمنين، ولسنا نريد أنهم أخوال بالحقيقة كأخوال الأمهات من النسب، وإنما نريد أنهم في حكم الأخوال في بعض الأحكام؛ وهو: التعظيم لهم» (¬٧).قال أبو طالب: «سألت أبا عبد الله -يعني: الإمام أحمد-: أقول: معاوية خال المؤمنين؟ وابن عمر خال المؤمنين؟ قال: نعم، معاوية أخو أم حبيبة بنت أبي سفيان، زوج النبي ﷺ ورحمهما، وابن عمر أخو حفصة زوج النبي ﷺ ورحمهما، قلت: أقول: معاوية خال المؤمنين؟ قال: نعم» (¬١). وقال أبو بكر المرُّوذِي: «سمعت هارون بن عبد الله، يقول لأبي عبد الله -يعني: الإمام أحمد-: جاءني كتاب من الرقة أن قوما قالوا: لا نقول: معاوية خال المؤمنين، فغضب وقال: ما اعتراضهم في هذا الموضع؟! يجفون حتى يتوبوا» (¬٢). ولما سئل الإمام أحمد عمَّن يقول: لا أقول إن معاوية كاتب الوحي، ولا أقول إنه خال المؤمنين، فإنه أخذها بالسيف غصبا؟ قال: «هذا قول سوء رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالسون، ونبين أمرهم للناس» (¬٣). وقال عبد الملك بن عبد الحميد الميموني: «قلتُ لأحمد بن حنبل: أليس قال النبي ﷺ: كل صهر ونسب ينقطع إلا صهري ونسبي؟ قال: بلى، قلت: وهذه لمعاوية؟ قال: نعم، له صهر ونسب. قال: وسمعت ابن حنبل يقول: ما لهم ولمعاوية؟! نسأل الله العافية» (¬٤). فإن قال قائل: قد كتب الوحي لرسول الله ﷺ نفرٌ غير معاوية، وكان هناك إخوة لأمهات المؤمنين قد يُطلق عليهم: «خال المؤمنين» غير معاوية، وكان هناك أصهار له غير معاوية؛ فما وجه اختصاصه بذلك؟ والجواب عن ذلك: أنهم «لا يذكرون ما يذكرون من ذلك لاختصاصه به، بل يذكرون ما له من الاتصال بالنبي ﷺ، كما يذكرون في فضائل غيره ما ليس من خصائصه.فمعاوية لما كان له نصيب من الصحبة والاتصال برسول الله ﷺ، وصار أقوام يجعلونه كافرا أو فاسقا، ويستحلون لعنته ونحو ذلك، احتاج أهل العلم أن يذكروا ما له من الاتصال برسول الله ﷺ ليرعى بذلك حق المتصلين برسول الله ﷺ بحسب درجاتهم» (¬١). وقال الذهبي: «وإنما قال هذا بعض السنة في معاوية خاصة لما رأوا من إستحلال الرافضة لعنه وتكفيره» (¬٢).