Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

حبُّ معاوية لابنه، وتوسُّمه فيه النجابة الدنيوية:

أحمد الجابري - فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان · page 195, entry [87]

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان — أحمد الجابري

Open narrator profile: حبُّ معاوية لابنه، وتوسُّمه فيه النجابة الدنيوية:
page 195, entry [87]Open original source
٢ - حبُّ معاوية لابنه، وتوسُّمه فيه النجابة الدنيوية: وهذا أمر واضحٌ وبارز، وقد صرَّح به بعض العلماء، كابن كثير، وابن خلدون، وغيرهما، بل قد ورد عن معاوية نفسه ما يؤيده. فقد قال معاوية ﵁: ««لولا هواي في يزيد؛ لأبصرت طريقي» (¬١). ولما نصحه عمرو بن حزم أن يُراجع نفسه، وينظر في الأصلح للأمة من بعده؛ قال له معاوية: «وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق من أبنائهم» (¬٢). وسيرد ما نُفصِّل به معنى هذه الأحقية، وأنها من وجه دون وجه. وقال ابن كثير: «فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهلا، وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولما كان يتوسم فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأبهته، وكان يظن أنه لا يقوم أحد من أبناء الصحابة في الملك مقامه» (¬٣).وقال ابن خلدون: «ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه، لأنّه مأمون على النّظر لهم في حياته، فأولى أن لا يحتمل فيها تبعة بعد مماته، خلافا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص التهمة بالولد دون الوالد، فإنه بعيد عن الظنة في ذلك كله، لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه؛ من إيثار مصلحة، أو توقع مفسدة، فتنتفي الظنة في ذلك رأسا، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب. والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه: إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس، واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول، حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع. وإن كان لا يُظنُّ بمعاوية غير هذا، فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك، وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجلُّ من ذلك، وعدالتهم مانعة منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنما هو محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور، مباحا كان أو محظورا، كما هو معروف عنه، ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا ابن الزبير، وندور المخالف معروف» (¬١).وقال أيضا: «عهد معاوية إلى يزيد خوفا من افتراق الكلمة، بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه، مع أن ظنهم كان به صالحا، ولا يرتاب أحد في ذلك، ولا يُظنُّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق، حاشا الله لمعاوية من ذلك» (¬١). فهذه النصوص يتضح منها أن معاوية يرى أن من أبناء الصحابة الموجودين من هو أفضل من ولده، لكنه لا يرى أحدا يجتمع عليه الناس عامة، ويوافق عليه أهل الشام خاصة؛ مثل ولده يزيد، وهو قد عاين الملك، وصحب أباه، وتقدَّم الجيوش كما في حصار القسطنطينية. يقول د. الصلَّابي: «ولا شك أن الصحابة وأبناءهم أفضل من يزيد وأصلح، ولكن مع ذلك فإن معاوية ربما رأى في ولده مقدرة لا تكن لغيره في قيادة الأمة، بسبب عيشته المتواصلة مع أبيه، ومناصرة أهل الشام وولائهم الشديد له، ثم اطلاعه عن قرب على معطيات ومجريات السياسة في عصره، وقد أنس معاوية ﵁ من ولده يزيد حرصاً على العدل، وتأسياً بالخلفاء الراشدين، فقد كان يسأله عن الكيفية التي سيسير بها في الأمة؛ فيرد عليه يزيد بقوله: كنت والله يا أبه عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب (¬٢). وغير ذلك من الأسباب» (¬٣). وهذه النصوص كلها تفسر الأحقية التي عناها معاوية لولده، ويضاف لذلك -بلا شكٍّ-: عاطفة الأبوة. وقد ورد التصريح عن معاوية بهذه النكتة، أعني: تقديم الأنفع وإن لم يكن الأفضل، ليس عن يزيد فحسب، بل عن نفسه أيضا.فعن زرارة بن أوفى: «أن معاوية خطب الناس، فقال: يا أيها الناس، إنا نحن أحق بهذا الأمر، نحن شجرة رسول الله ﷺ وبيضته التي انفلقت عنه، ونحن ونحن، فقال صعصعة: فأين بنو هاشم منكم؟ قال: نحن أسوس منهم، وهم خير منا» (¬١). وعن ثابت مولى سفيان قال: «سمعت معاوية، يقول: إني والله لست بخيركم، وإن فيكم من هو خير مني، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهما من الأفاضل، ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم، وأنفعكم لكم ولاية، وأحسنكم خلقا» (¬٢). فمن هذا الباب قدَّم معاوية ولده يزيد على غيره، وهذا -كتأصيل شرعيٍّ- لا ينكره العلماء.قال شيخ الإسلام ابن تيْميَّة: «فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان، أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة؛ قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سُئِل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي: فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف: فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر» (¬١). ومع ذلك، فيزيد لم يكن مغموصا عليه شيءٌ في دينه، يدل على ذلك: ١ - أن المعارضين لم يذكروا قدحاً في يزيد، وإلا: كيف يمكن أن يتجاهلوا صفات يزيد التي اتهم بها فيما بعد، وخاصة في ذلك الموقف الذي يتطلب حشد أي دليل في مقابل الخصم؟! يقول ابن العربي: «فإن قيل: كان منها -أي: من شروط الإمامة- العدالة والعلم، ولم يكن يزيد عدلًا ولا عالماً؛ قلنا: وبأي شيء نعلم عدم علمه، أو عدم عدالته؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا إلى الأمر بعيب التحكيم، وأرادوا أن تكون شورى» (¬٢). ٢ - ما يذكره أهل التاريخ في ترجمة يزيد، ومن ذلك قول ابن كثير: «وقد كان يزيد فيه خصال محمودة من الكرم، والحلم، والفصاحة، والشعر، والشجاعة، وحسن الرأي في الملك، وكان ذا جمال، حسن المعاشرة» (¬٣).وقال الشيخ محب الدين الخطيب: «إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ -أي: يزيد- مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لا يبلغه خليفة في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز! وإن طمعنا بالمستحيل وقدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر؛ فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر. وإن كان مقياس الأهلية الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس، والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعاتهم؛ فإن يزيد يوم تمحص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم» (¬١). ٣ - أنه كان قائدا لأول جيش غزا مدينة قيصر، أي: القسطنطينية، وقد بشرهم النبي ﷺ بالمغفرة؛ فقال: «أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم» (¬٢). قال المهلب: «في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر» (¬٣). لهذه الأسباب والدوافع قدَّم معاوية ابنه يزيد على غيره ليكون خَلَفاً له، ولم يجد في حجج المعارضين ما يجعله يتراجع عن رأيه، فحاصل اعتراضهم -كما قدَّمنا- يرجع لأمرين، وكلاهما له توجيه في فعل معاوية كما يلي.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'Ifreported by أحمد بن حنبلDa'If

    ا تعين رجلان، أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة؛ قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررا فيها، فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سُئِل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي: فقوته للمسلمي

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Da'Ifreported by أحمد بن حنبلDa'If

    الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي: فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف: فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر» (¬١). ومع ذلك، فيزيد لم يكن مغموصا عليه شيءٌ في دينه، يدل على ذلك: ١ - أن المعارضين لم يذكروا قدحاً في يزيد، وإ

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Da'Ifreported by أحمد بن حنبلDa'If

    روب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا، كما سُئِل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي: فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف: فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر» (¬١). ومع ذلك، فيزي

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • Da'IfDa'If

    ين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي: فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف: فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين، فيغزي مع القوي الفاجر» (¬١). ومع ذلك، فيزيد لم يكن مغموصا عليه شيءٌ في دينه، يدل على ذلك: ١ - أن المعارضين لم يذكروا قدحاً في يزيد، وإلا: كيف يمكن أن يتجاه

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
452988
Book record
shamela-609
Source record
dedupe:87:58344
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate