Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام

أحمد الجابري - فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان · page 148, entry [67]

فتح المنان بسيرة أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان — أحمد الجابري

Open narrator profile: كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام
page 148, entry [67]Open original source
كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام؟! لقد وفَّق الله ﷿ الحسن إلى السير على نسق خطوات متتابعة حتى يصل إلى ما يريد؛ وهي: الخطوة الأولى: طلبه من الناس حال بيعته أن يسمعوا له ويطيعوا، ويدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به، ويحاربوا من حارب، ويسالموا من سالم؛ فبايعوه على ذلك. فعن خالد بن مضرب قال: «سمعت الحسن بن علي يقول: والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم. قالوا: ما هو؟ قال: تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت» (¬٢).وعن ميمون بن مهران قال: «إن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين: بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به» (¬١). وبذلك: هيَّأهم الحسن لقبول أي قول يختاره، وأخذ عليهم العهد على مسالمة من يسالم، وهذا عهد عام، يدخل فيه معاوية وأهل الشام. الخطوة الثانية: تذكير الحسن للناس بفضله ومكانته، فهو أميرهم، وابن بنت نبيهم، وهو أولى الناس أن يُطيعوه، وقد جاء هذا التذكير عقب محاولة اغتيال له بعد تولِّيه الخلافة بقليل. فعن أبي جميلة ميسرة بن يعقوب: «أن الحسن بن علي لما استخلف حين قتل علي، فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر، وحسن ساجد، قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه فمرض منها أشهرا ثم برئ، فقعد على المنبر؛ فقال: يا أهل العراق، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، أهل البيت الذين قال الله: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ قال: فما زال يقول ذاك حتى ما يرى أحد من أهل المسجد إلا وهو يخن بكاءً» (¬٢).وعن هلال بن يساف قال: «سمعت الحسن بن علي وهو يخطب وهو يقول: يا أهل الكوفة، اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وأنا أضيافكم، ونحن أهل البيت الذين قال الله: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ قال: فما رأيت يوما قط أكثر باكيا من يومئذ» (¬١). الخطوة الثالثة: خروج الحسن بالجيش من الكوفة، وذلك نزولا على رأيهم. لم يشأ الحسن أن يصطدم بمن معه مبكراً، وأن يفصح لهم عما في نفسه، فلما طلبوا منه الخروج للقاء أهل الشام؛ خرج بهم، ولكن لم تكن نيَّتُه نيَّتَهم. فعن الشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي السفر، وغيرهم؛ قالوا: «بايع أهل العراق بعد علي بن أبي طالب الحسن بن علي، ثم قالوا له: سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله، وارتكبوا العظيم، وابتزوا (¬٢) الناس أمورهم، فإنا نرجو أن يمكن الله منهم. فسار الحسن إلى أهل الشام، وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة، في اثني عشر ألفا» (¬٣).يقول ابن كثير: «ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحدا، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعا عظيما لم يُسمع بمثله، فأمَّر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على المقدمة في اثني عشر ألفا بين يديه، وسار هو بالجيوش في إثره قاصدا بلاد الشام ليقاتل معاوية وأهل الشام، فلما اجتاز بالمدائن نزلها، وقدَّم المقدمة بين يديه» (¬١). الخطوة الرابعة: استشارة الحسن الأقربين منه في مبادرة معاوية للصلح: تؤكد الروايات الصحيحة أن معاوية هو من بدأ بطلب الصلح، ودفع معاوية لهذا -غير رغبته في وقف القتال، والحفاظ على المسلمين كما سيأتي- أنه آنس من الحسن سماحة ورشدا، وكراهة للحروب والفتن، وقد صادف هذا ما يهواه الحسن ويتمناه، فبدأ باستشارة الأقربين منه.فعن عمرو بن دينار: «أن معاوية كان يعلم أن الحسن كان أكره الناس للفتنة، فلما توفي عليٌّ بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرا، وأعطاه معاوية عهدا إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه (¬١)، وليجعلن هذا الأمر إليه، فلما توثق منه الحسن، قال ابن جعفر (¬٢): والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي، وقال: اقعد يا هناه (¬٣)، اجلس، فجلست، قال: إني قد رأيت رأيا وأحب أن تتابعني عليه، قال: قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها، وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقطت فيها الدماء، وقُطِّعت فيها الأرحام، وقُطِّعت السبل، وعُطِّلت الفروج - يعني الثغور- فقال ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد خيراً، فأنا معك على هذا الحديث، فقال الحسن: ادع لي الحسين. فبعث إلى حسين فأتاه؛ فقال: أي أخي، إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه، قال: ما هو؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر، قال الحسين: أعيذك بالله أن تُكذِّب عليَّاً في قبره وتصدِّق معاوية، فقال الحسن: والله ما أردت أمرا قط إلا خالفتني إلى غيره، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فأطينه عليك حتى أقضي أمري، قال: فلما رأى الحسين غضبه قال: أنت أكبر ولد عليّ، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تبع، فافعل ما بدا لك» (¬٤). الخطوة الخامسة: قبول الحسن مبادرة معاوية، وتنازله له، مع اشتراطه الأمان لمن معه (¬٥):قال الحسن البصري: «استقبل -والله- الحسنُ بن علي معاويةَ بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية -وكان والله خير الرجلين-: أي عمرو، إن قَتَل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء؛ من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له: واطلبا إليه، فأتياه، فدخلا عليه فتكلما، وقالا له: فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال (¬١)، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها (¬٢)، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا، قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه» (¬٣). ثم «قام الحسن فقال: يا أيها الناس إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث، وأنا أصلحت آخره لذي حق أديت إليه حقه أحق به مني، أو حق جُدتُ به لصلاح أمة محمد، وإن الله قد ولَّاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك، أو لشر يعلمه فيك، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾، ثم نزل» (¬٤).وفي رواية أن معاوية تكلَّم، ثم طلب من الحسن أن يُكلِّم الناس. فعن الشعبي قال: «شهدتُ الحسن بن علي ﵁ بالنخيلة حين صالحه معاوية ﵁، فقال له معاوية: إذا كان ذا فقم فتكلم، وأخبر الناس أنك قد سلَّمت هذا الأمر لي. فقام فخطب على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه - قال الشعبي: وأنا أسمع - ثم قال: أما بعد, فإن أكيس الكيس التقى, وإن أعجز العجز الفجور، ألا وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به، أو حق لي تركته لمعاوية إرادة إصلاح المسلمين, وحقن دمائهم، ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ , ثم استغفر ونزل» (¬١). وكان الحسن يؤكد على سبب تنازله وقبوله الصلح بعد ذلك؛ وهو: رغبته في الحفاظ على دماء المسلمين، وتخوفه من السؤال بين يدي الله؛ فكان يقول: «خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفا، أو ثمانون ألفا، أو أكثر من ذلك وأقل، كلهم تنضح أوداجهم دما، كلهم يستعدي الله فيما هريق دمه» (¬٢).ولم يكتفِ الحسن ﵁ بذلك، بل أتى بقيس بن سعد بن عبادة قائد عسكره ليبايع معاوية (¬١). فعن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين قال: «لما بايع الحسن معاوية، ركب الحسن إليه إلى عسكره، وأردف قيس بن سعد بن عبادة خلفه، فلما دخلا العسكر قال الناس: جاء قيس، جاء قيس، فلما دخلا على معاوية بايعه الحسن، ثم قال لقيس: بايع. فقال قيس بيده هكذا، وجعلها في حجرة ولم يرفعها إلى معاوية! ومعاوية على السرير، فبرك معاوية على ركبتيه، ومد يده حتى مسح على يد قيس وهي في حجره. قال جرير: وحكى لنا محمد -يعني: ابن سيرين- صنيعه، وجعل يضحك، وكان قيس رجلا جسيما» (¬٢). وكان قيس بن سعد معرضا في بداية الأمر عن البيعة، ثم شرح الله صدره لهذه البيعة، هو ومن معه. فعن عروة بن الزبير قال: «كان قيس بن عبادة مع علي مقدمته, ومعه خمسة آلاف قد حلقوا رءوسهم بعدما مات علي, فلما دخل الحسن في بيعة معاوية أبى قيس أن يدخل, فقال لأصحابه: ما شئتم؟ إن شئتم جالدت بكم أبدا حتى يموت الأعجل, وإن شئتم أخذت لكم أمانا, فقالوا له: خذ لنا أمانا, فأخذ لهم أن لهم كذا وكذا ولا يُعاقَبوا بشيء; وإني رجل منهم, ولم يأخذ لنفسه شيئا, فلما ارتحلوا نحو المدينة ومضى بأصحابه جعل ينحر لهم كل يوم جزورا حتى بلغ» (¬٣).
Parsing and provenance details
Local passage ID
452968
Book record
shamela-609
Source record
dedupe:67:58324
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
كيف سيقنع الحسن هؤلاء العشرات من الآلاف خلفه بهذا الصلح والتنازل، وقد اشتعلت في قلوب الكثيرين منهم جذوة الغضب، ونار الانتقام — shamela-609 · Hadith Research Library