page 110, entry [53]Open original source
خُلاصة الكلام في قصة التحكيم: تكاد المصادر التاريخية تُجمع على أن القتال بين الطرفين توقَّف، وثمة صلح وتحكيم وقع بينهما، بعد أن استشرى القتل في الفريقين، مع صبر الجميع وشجاعتهم واستبسالهم في القتال.قال ابن كثير: «ورغب أكثر الناس من العراقيين والشاميين بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة، لعلهم يتفقون على أمر يكون فيه مصلحةٌ لحقن دماء المسلمين، فإن الناس قد تفانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة، التي كان آخرها ليلة الجمعة، وهي ليلة الهرير. وقد صبر كل من الجيشين للآخر صبراً لم يُر مثله، لما كان فيهم من الشجعان والأبطال ما ليس يوجد مثلهم في الدنيا، ولهذا لم يفر أحدٌ عن أحدٍ، بل صبروا حتى قُتل من الفريقين -فيما ذكره غير واحد- سبعون ألفاً (¬١) ; خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفاً من أهل العراق (¬٢). وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفاً، واختُلف في مدة المقام بصفِّين; فقال سيف: سبعة أشهر، أو تسعة أشهر، وقال أبو الحسن بن البراء: مائة وعشرة أيام. قلتُ (أي: ابن كثير): ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، وذلك ثلاثة وسبعون يوماً. فالله أعلم» (¬٣).وقال خليفة بن خيَّاط: «كانت وقعة صفِّين يوم الأربعاء، لسبع خلون من صفر، سنة سبع وثلاثين، وكان الصلح ليلة السبت، لعشر خلون من صفر، وفيها اجتمع الحكمان أبو موسى الأشعري من قبل علي، وعمرو بن العاص من قبل معاوية، بدومة الجندل في شهر رمضان، ويقال بأذرح، وهي من دومة الجندل قريب، فبعث علي ابن عباس ولم يحضر، وحضر معاوية، فلم يتفق الحكمان على شيء وافترق الناس» (¬١). بل صحَّ عن أبي صالح ذكوان السمَّان (¬٢): «أن عليَّاً قال لأبي موسى: احكم، ولو بحزِّ عنقي» (¬٣). وبعد هذا الاتفاق بين المصادر على التوقف والصلح، لا نكاد نجد آثاراً صحيحة تبين بدقة ما الذي جرى بين الطرفين في هذه الهدنة، وما الذي توصَّلُوا إليه. ولذا وجب التوقف عن التحديث بهذه الروايات المنكرة متونها، الواهية أسانيدها، والتي تطعن في ديانة وأخلاق من زكَّاهم الله ورسوله ﷺ. يقول ابنُ العربيِّ -بعد ردِّه لروايات التحكيم الضعيفة، واعتماده لرواية حُضين بن المنذر التي تقدَّمت-: «فهذا كان بدء الحديث ومنتهاه، فأعرِضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرِّجوا عن سبيل الناكثين، إلى سنن المهتدين، وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين.وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب رسول الله ﷺ، فقد هلك من كان أصحاب النبي ﷺ خصمه، ودعوا ما مضى، فقد قضى الله ما قضى، وخذوا لأنفسكم الجد فيما يلزمكم اعتقاداً وعملاً، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعينكم مع كل ناعق اتخذ الدين هملاً، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً» (¬١). والخلاصة كما قال الطبريُّ: «وفي هذه السنة (¬٢) - فيما ذُكر- جرت بين علي وبين معاوية المهادنة- بعد مكاتبات جرت بينهما يطول بذكرها الكتاب- على وضع الحرب بينهما، ويكون لعلي العراق ولمعاوية الشام، فلا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيشٍ، ولا غارةٍ، ولا غزو» (¬٣).