page 17, entry [8]Open original source
محمد بن إسحاق بن يسار المدني: قال عنه الدارقطني: «لا يُحتجُّ به، وإنما يُعتبر به» (¬٤). وقال عنه الذهبي: «كان في العلم بحراً عجَّاجاً، لكنه ليس بالمجوِّد كما ينبغي» (¬٥)، وقال: «قد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحدٍ من العلماء» (¬٦). ومع هذا فهو يثني عليه في علم المغازي والسير؛ فيقول: «قد كان في المغازي علَّامةً» (¬٧). وقال أيضاً عنه: «له ارتفاعٌ بحسبه، ولا سيَّما في السير، وأما في أحاديث الأحكام: فينحطُّ حديثه فيها عن رتبة الصحة إلى رتبة الحسن، إلا فيما شذَّ فيه، فإنه يُعدُّ مُنكَراً، هذا الذي عندي في حاله، والله أعلم» (¬٨). وقد سبقه إلى ذلك: الإمام أحمد، حيث قال -وذكر محمد بن إسحاق-: «أما في المغازي وأشباهه: فيكتب، وأما في الحلال والحرام: فيحتاج إلى مثل هذا، ومدَّ يده وضم أصابعه» (¬٩). وقال العباس بن محمد: سمعتُ أحمد بن حنبل، وقيل، له: ما تقول في موسى بن عبيدة؟ وفي محمد بن إسحاق؟ فقال: «أما محمد بن إسحاق: فهو رجل يكتب هذه الأحاديث، كأنه يعني المغازي وما أشبهها، أما موسى بن عُبيدة: فلم يكن به بأس» (¬١٠).وقال الشافعيُّ: «من أراد أن يتبحَّر في المغازي؛ فهو عيال على محمد بن إسحاق» (¬١). إذن بعد هذا: كيف يُتعامل مع هذا الصنف من الرواة؟ لا شكَّ أن انفرادهم برواية حديث، أو واقعة يُستفاد منها تشريعٌ، أو حُكمٌ عقديٌّ، أو تحمل طعناً في أحدٍ ممن ثبتت عدالتهم بيقين؛ لا يقبله من لديه مسحةٌ من علم بأصول القبول والرد، هذا لا يُنازَعُ فيه. أمَّا ما نقلوه من أخبارٍ، تحمل بعض التفاصيل التي لا تتعرَّضُ لشيءٍ مما ذُكر، وإنما يكون فيها زيادةٌ لا تضر، وتفاصيل قد تساعد على تصوُّرٍ أقرب لما كانت عليه الأحداث؛ فهذا لا بأس بإيراده، وعلى هذا يُحمل قول من قَبِل كلامهم من العلماء في أبواب المغازي والسير. ولذا فإذا ما مرَّ بك عزيزي القارئ أثرٌ، ووجدت الحكم بضعف الإسناد مُصدَّراً عليه، وسبب ذلك وجود أحد هؤلاء؛ فتذكَّرْ تلك القاعدة التي تقدَّمت، وهي: أنَّ حالهم في نقل هذه الأخبار، مما لا يترتب عليه شيء من أحكام العقائد والتشريعات؛ مما يُتساهل فيه. وهذه قاعدةٌ وضعها أحدُ أئمَّة الحديث في زمانه، عبدُ الرحمن بن مهدي، حينما قال: «إذا رُويِّنا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام، والأحكام؛ شدَّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا رُوِّينا في فضائل الأعمال، والثواب والعقاب، والمباحات والدعوات؛ تساهلنا في الأسانيد» (¬٢). فاجعل هذا الأمر منك على ذكر. وفيما يلي بعض النماذج العمليَّة من تصرفات العلماء مع مرويَّاتهم في هذا الباب:- صنيع البخاريِّ في صحيحه مع راوٍ كمحمد بن إسحاق، حيث لم يعتمده كرجلٍ من رجاله في الأحاديث، لكنه علَّق عنه في أبواب المغازي كثيراً، من ذلك قوله: «قال ابن إسحاق: أول ما غزا النبي ﷺ: الأبواء، ثم بُواط، ثم العُشيرة» (¬١). وقوله: «قال ابن إسحاق: سمعت وهب بن كيسان، سمعت جابراً، خرج النبي ﷺ إلى ذات الرقاع من نخل، فلقي جمعاً من غطفان، فلم يكن قتالٌ، وأخاف الناس بعضهم بعضاً، فصلى النبي ﷺ ركعتي الخوف» (¬٢). وقوله: «باب غزوة بني المصطلق، من خزاعة، وهي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست» (¬٣). - ونجد الطبريَّ في كتابه التاريخ أكثر عن مثل هؤلاء الأخباريين المذكورين، بينما في كتابٍ له كتهذيب الآثار، عُني فيه بالأحاديث والاحتجاج بها؛ لا نجدُ ذكراً لهم! - كذلك الحافظ ابن حجر اعتبر بروايات هؤلاء الأخباريين في شرحه لصحيح البخاري، ومن ذلك: أنَّه في أول كتاب المغازي (¬٤) ذكر عدد غزوات الرسول ﷺ، وعدد بعوثه وسراياه، وعدد الغزوات التي وقع فيها قتال، فاستشهد بأقوال أهل السير؛ مثل: محمد بن إسحاق، والواقدي، ومحمد بن سعد، وذَكَر خلافهم، وجمع بين أقوالهم وأقوال من هم أوثق منهم من رواة الصحيح، وفعل مثل هذا عند حديثه عن عدد أهل بدر (¬٥). وفي قصة مقتل أبي جهل يوم بدر، جعل الحافظ رواية ابن إسحاق جامعة بين الروايات، رغم مخالفتها لما في الصحيح (¬٦)!كذلك في قصة بني النضير ومتى كان حصارُهم، ذكر ابنُ إسحاق أنها كانت بعد أحدٍ، وبعد استشهاد القرَّاء في بئر معونة، بينما نجد البخاري ينقل في الصحيح عن عروة أنها كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، أي: قبل أحد، وقد مال الحافظ ابن حجر إلى ترجيح رواية ابن إسحاق رغم إيراده سبباً للغزوة غير ما ذكر ابن إسحاق (¬١)! وكل هذا الصنيع منهم، ومن غيرهم، يؤكِّد لنا على صحَّة ما قدَّمناه، من التفريق بين روايتهم للأحاديث المرفوعة، وكذلك ما يُستفادُ منه حكمٌ شرعيٌ، أو تأصيلٌ عقديٌّ، أو طعنٌ فيمن ثبتت عدالتهم، وبين الأخبار العامة، وتفاصيل السير المجملة، التي لا تمسُّ شيئاً مما سبق. والله أعلم.إدارة الثقافة الإسلامية وزراة الأوقاف والشؤون الإسلامية دولة الكويت فتحُ المنَّان بسيرة أمير المؤمنين مُعاوية بن أبي سُفْيان ﵁ (سِيرتُه- فضائلُه- الشُّبهات المُثَارة حَوْله) جَمَعه وحقَّقه وعلَّق عليه أحمد بن إبراهيم الجابري