page 1, entry [1]Open original source
المقدمة الحمد لله المنتصر لأوليائه، المنتقم من أعدائه، المتفرِّد بعظمته وكبريائه، المقدَّس بصفاته وأسمائه، لا يعزبُ عنه مثقال ذرَّةٍ في أرضه ولا سمائه، أحمده على ما أسبغ من نعمائه، وأَسْبل من عطائه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدَّخرها ليوم لقائه، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله خاتَمُ أنبيائه، وصفوة رسله وأُمنائه، رفع الله ذكره فلا يُذكر إلا ذُكِر معه، وجعل شريعته ناسخةً للشرائع فلو كان موسى حيًّا لاتبعه، بُعث للعالمين وكان النبي يُبعث لقومه، صاحب الشفاعة العظمى حين يذهل كل أحد عن ولده ووالده وأمِّه. أما بعد؛ فمن المعلوم بجلاء، أن صحابة رسول الله ﷺ نجوم الغبراء،كما أن الكواكب نجوم السماء، رَسَمَ معالمَ مكانتهم ودافع عنهم كتابُ الله، وشهد على عدالتهم الصادقُ رسولُ الله؛ ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ﵃﴾ (¬١)، ما انقطع الوحي حتى تاب الله عليهم وأكرمهم، وشاع في الخافقين ذكرُهم والثناءُ عليهم، فليس لأحد أن يغمزهم بعد قول الله: ﴿ثم تاب عليهم﴾ (¬٢)، وليس لأحد أن يتقصدَّهم بسوء بعد أن أكَّد رسول الله ﷺ فضلهم: «خير أُمَّتي - وفي لفظ: خير الناس -: قَرْني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (¬٣)، ونهى عن سبِّهم وأذيتهم: «لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً؛ ما بلغ مُدَّ أحدهم» (¬٤). ومع ذا: فلا يخلو زمان من هؤلاء، الذين يجيدون الطعن والتشويه والافتراء، يبتلي الله ﷿ بهم العباد ليخرج ما في صدورهم، فيثبِّت طائعهم، ويزيغ مفتونهم، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (¬٥).يقول أبو المعالي الجويني: «قد كثرت المطاعن على أئمَّة الصحابة، وعظم افتراء الرافضة وتخرُّصهم، والذي يجب على المعتقد أن يلتزمه: أن يعلم أن جلَّة الصحابة كانوا من رسول الله ﷺ بالمحلِّ المغبوط، والمكان المحوط، وما منهم إلا وهو منه ملحوظ محظوظ، وقد شهدت نصوص الكتاب على عدالتهم، والرضا عن جملتهم، بالبيعة بيعة الرضوان، ونصِّ القرائن على حسن الثناء على المهاجرين والأنصار» (¬١). ولعلَّ هذا السبَّ والافتراء من إرادة الله ﷿ الخير لهم، حتى يجرى عليهم الأجر، وإن كان انقضى العمر! يقول الشافعيُّ: «ما أرى أن الله تعالى لا يمنع الناس عن شتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم ثواباً عند انقطاع أعمالهم» (¬٢). وقد اختلفت أنصبة الصحابة ﵁ من هذه التهم والافتراءات، والشتائم والترَّهات، فالقليل منهم من ألسنة هؤلاء الكذابين: ناجٍ مُسلَّم، وكثيرٌ منهم ناجٍ مخدوش، وثلَّةٌ -ليست هيِّنة- مَكْدُوسةٌ في نار الكذب والتدليس والافتراء! ومن هذه الثلة الأخيرة، بل لا يكاد يُعرف أحدٌ من الصحابه ناله هذا القسط الكبير من التشويه، والافتراء، والبغي كما ناله هو؛ أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان! فقد تتابعت عليه سهام المغرضين تَتْرى، حاملةً من الافتراءات والسموم ما لا يكاد يُعدُّ ولا يُحصى، وأَجْمعَتْ فرق أهل البدع على الحطِّ منه وذمِّه، مع تواصٍ غريب فيما بينهم، وإن تباعدت أزمانهم وأماكنهم!فهذا أحد رؤوس المعتزلة وشيوخهم، وأبرز متكلميهم وحاملي لواءهم؛ أبو عمرو الجاحظ (ت: ٢٥٥ ه) يصل به الطعن إلى تكفير معاوية ﵁، فيقول عنه: «ثُمّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتَّبنا، حتى ردَّ قضية رسول الله ﷺ ردَّاً مكشوفاً، وجحد حكمه حجداً ظاهراً في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع اجتماع الأمة أنَّ سمية لم تكن لأبي سفيان فراشاً، وأنه إنما كان بها عاهراً (¬١)، فخرج بذلك من حكم الفجَّار إلى حكم الكفَّار» (¬٢)! إلى أن قال: «على أنَّ كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره، وقد أربتْ عليهم نابتةُ عصرنا، ومبتدعةُ دهرنا؛ فقالت: لا تسبُّوه، فإن له صحبة، وسب معاوية بدعة، ومن يبغضه فقد خالف السنة، فزعمت أنَّ من السنة ترك البراءة ممن جحد السنة» (¬٣). ونقل أبو الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤ ه) عن الخوارج أيضاً أنهم: «يكفِّرون معاوية» (¬٤).وشيخ الرافضة في زمانه جمال الدين الحسين بن يوسف بن المطهّر الحلّي (¬١) (ت: ٧٢٦ ه) يقول عنه في كتابه (منهاج الكرامة): «إنَّ رسول الله ﷺ لعن معاوية الطليق ابن الطليق، اللعين ابن اللعين، وقال: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» (¬٢). إلى آخر ما قاله هناك (¬٣). وأما في زماننا: فلا تسل عن كمِّ المؤلَّفات والمقالات، والحوارات والحلقات، التي تَلُوك عرض معاوية ﵁، في جهل من البعض وعدم دراية بصحيح الأخبار من سقيمها، ولا بعدالة وخُلُق من يتحدَّثون عنه (¬٤)، أو عن عمدٍ وقصدٍ من آخرين، من خلال خطة ممنهجة لإسقاط عدالة الصحابة (¬٥)؛ مبتدئين بمعاوية. ومع انتشار ذلك كله: بدأ يغشى رمدُ الحيرة الثقافية الإسلامية تجاه الصحابة عيونَ بعض أبناء هذه الأمة! لأجل هذا: شمَّر علماء أهل السنة عن ساعد الجدِّ، للدفاع عن عرض معاوية ﵁، وسلُّوا سيوفهم لردِّ ذلك العدوان، ودفع تلك الغارات، التي تحاول النَيْل من هذا الصحابي الكريم، وهيهات!وكان من إبداع العلماء في رد تلك الافتراءات: أن نوَّعوا أساليب المواجهة، وعدَّدوا جبهات الدفاع، فلم يتركوا ثغراً من ثغور هذا الميدان إلا ووقفوا عليه، بل وتقدموا -أحياناً- بالهجوم، فدخلوا معاقل أفكار المعتدين، ودكُّوا حصونها، وأتوا على بنيانها من القواعد؛ فخرَّ السقف على رؤوس أصحابها. ففريق من هؤلاء الأفذاذ: يتولَّى الكلام عن فضائل الصحابة عامَّةً، مُذكِّراً القارئ بأنَّ معاويةَ داخلٌ في حد الصحبة، فله نصيبه من تلك الفضائل العامَّة. وآخرون: يُذكِّرون بفضائل معاوية الخاصَّة، عبر كتبٍ وأجزاءَ مُفردَة؛ كما فعل أبو بكر ابن أبي عاصم في كتابه: (فضائل معاوية) (¬١)، وابنُ أبي الدنيا في كتابه: (حلم معاوية) (¬٢)، وغيرهما. وفريقٌ ثالث: يصنِّف في ردِّ الشُّبهات، وتزييف التُّهم الباطلات، كما فعل ابنُ العربي المالكي في كتابه: (العواصم من القواصم)، وشيخ الإسلام ابن تيْميَّة في كتابه: (منهاج السنة النبوية)، وغيرهما. ولا يتوقَّف الأمر عند هذا الحد؛ بل نجد من هؤلاء العلماء من ضمَّن تصنيفه في العقائد بيان عقيدة أهل السنة في هذا الجيل الرباني الفريد، بوجهٍ عام، كما فعل الطحاويُّ في كتابه: (العقيدة الطحاويَّة)، وابن تيْميَّة في كتابه: (العقيدة الواسطيَّة)، ومن هؤلاء المصنِّفين في العقيدة من ضمَّن تصنيفه شيئا من فضائل معاوية بوجهٍ خاص؛ كما فعل الخلَّال في كتابه: (السُّنَّة)، والآجري في كتابه (الشريعة)، وغيرهما (¬٣).وهم في فعلهم هذا كله: مؤتمُّون بنصوص الكتاب والسنة، وأقوال المشهود لهم بالعلم والفضل من أكابر هذه الأمَّة، غير متعصبِّين ولا مُتشدِّدين، ولا بالعصمة للصحابة مُدَّعين، ولا لبعض النصوص -كما فعل خصماؤهم- تاركين، فرضي الله عنهم ورحمهم أجمعين. واستمراراً لمسيرة هذا الركب المبارك، الذي يبعثه الله بين فترةٍ وأخرى على مدار الأيام، ليظهر بهم ما اندثر من تراث الأئمَّة السابقين، ويعيد نشر الفضائل للسابقين بين الحين والحين، ورغبةً مني في أن أُنظَم في سلك هؤلاء المدافعين عن خير هذه الأمة بعد المرسلين؛ جاء هذا الكتاب: «فتحُ المنَّان بسيرة معاوية بن أبي سفيان ﵁». جمعتُ فيه شتات ما تفرَّق من سيرته، وبيَّنتُ فيه شيئاً من فضله ومكانته، مع ردِّ أشهر الأباطيل والافتراءات التي تُكلِّم بها في عرضه، وغُضَّ بها من قدره، علَّ هذا أن يكفَّ بأس المبتدعة الذين لا يزالون يتناسلون، ويهدي بعض الحيارى الذين وقعوا في شِباك الشبهات المنتشرة فهم تائهون يتساءلون، وأن يكون مُعيناً لكل باحث عن الحقِّ، في سيرة رجل من أصحاب خير الخلق ﷺ. وإذا كان معاويةُ ﵁ قد وقع بينه وبين بعض إخوانه من الصحابة كعليِّ بن أبي طالب ﵁ بعض نزاعٍ وشقاقٍ، ومال بعض الناس إلى طرف على حساب طرفٍ آخر، فمن فضل الله علينا أن أَوْجدنا في بيئةٍ وزمانٍ وضح فيه الحقُّ، وتبينت مآخذ كلِّ طرف من الطرفين، فلم نُربَّ أو نُنشَّأ على بغض طرف منهما، أو المغالاة في محبة أحدهما، وهذا مُعينٌ بإذن الله -بعد عون الله- على تحرِّي الإنصاف والحق. يقول الذهبيُّ: «وخَلَفَ معاويةَ خلقٌ كثيرٌ يحبُّونه ويتغالون فيه، ويفضِّلونه، إمَّا قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء، وإمَّا قد وُلدوا في الشام على حبِّه، وتربَّى أولادهم على ذلك.وفيهم جماعةٌ يسيرةٌ من الصحابة، وعددٌ كثيرٌ من التابعين والفضلاء، وحاربوا معه أهل العراق، ونشؤوا على النَّصب -نعوذ بالله من الهوى-. كما قد نشأ جيش عليٍّ ﵁ ورعيته -إلا الخوارج منهم- على حبِّه، والقيام معه، وبغض من بغى عليه، والتبرِّي منهم، وغلا خلقٌ منهم في ذلك. فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غالياً في الحب، مُفْرطاً في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟ فنحمد الله على العافية الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق، واتَّضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصَّرنا، فعذرنا، واستغفرنا، وأحببنا باقتصاد، وترحَّمنا على البغاة بتأويلٍ سائغٍ في الجملة، أو بخطأٍ -إن شاء الله- مغفور، وقُلنا كما علَّمنا الله: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾ (¬١)» (¬٢).﷽