Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته،

أبو الحسين ابن أبي يعلى - طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت الفقي · page 624, entry [853]

طبقات الحنابلة - لابن أبي يعلى - ت الفقي — أبو الحسين ابن أبي يعلى

Open narrator profile: تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته،
page 624, entry [853]Open original source
تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته، وهو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء، أبو يعلى كان عالم زمانه، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره، وكان له فى الأصول والفروع القدم العالى، وفى شرف الدين والدنيا المحل السامى، والخطر الرفيع، عند الإمامين: القادر، والقائم، ﵄، وأصحاب الإمام أحمد ﵁ له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون ويدرسون، وبقوله يفتنون، وعليه يعولون، والفقهاء على اختلاف مذاهبهم وأصولهم كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون ويطيعون، وبه ينتفعون، وبالاهتمام به يقتدون. وقد شوهد له من الحال ما يغنى عن المقال، لا سيما مذهب إمامنا أبى عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، واختلاف الروايات عنه، ومما صح لديه منه، مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديثوالفتاوى والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد والورع، والعفة والقناعة، وانقطاعه عن الدنيا وأهلها، واشتغاله بسطر العلم وبثه، وإذا عته ونشره. وكان والده أبو عبد الله: أحد شهود الحضرة بمدينة السلام، حضر عنده فى داره: محمد بن صبير، قاضى الإمام الطائع لله، فشهد عنده فى خلافة الطائع لله، ولم نسمع أن أحدا قصده من يشهد بين يديه، فشهد عنده فى داره سواه ولم يكن يومئذ قاضى قضاة، وكان ابن معروف معزولا. وقد أهل ابن صبير لقضاء القضاة، وقد شوهد ذلك فى درج بخط ابن صاحب النعمان، لما ذكر شهود باب الطاق. وكان جدى أبو عبد الله قد درس على أبى بكر الرازى مذهب أبى حنيفة، وغير خاف محل أبى بكر الرازى، وأن المطيع لله ومعز الدولة خاطباه ليلى قضاء القضاة فامتنع. وكان محل جدى أبى عبد الله منه: أنه مرض مائة يوم، فعاده أبو بكر الرازى خمسين يوما، يعبر إليه من الجانب الغربى بالكرخ، من درب عبدة إلى باب الطاق بالجانب الشرقى، فلما عوفى وحضر عنده فى مجلسه قال له أبو بكر الرازى: يا أبا عبد الله، مرضت مائة يوم، فعدناك خمسين يوما، وذاك قليل فى حقك وتوفى فى سنة تسعين وثلاثمائة وكان سن الوالد فى ذلك الوقت: عشر سنين إلا أيام. وكان وصيه رجل يعرف بالحربى يسكن بدار القز. فنقل الوالد السعيد من باب الطاق إلى شارع دار القز، وفيه مسجد يصلى فيه شيخ صالح، يعرف بابن مفرحة المقرئ، يقرئ القرآن، ويلقن من يقرأ عليه العبارات من مختصر الخرقى. فلقن الوالد السعيد. ما جرت عادته بتلقينه من العبادات، فاستزاده الوالد السعيد. فقال له ذلك الشيخ: هذا القدر الذى أحسنته. فإن أردت زيادة عليه فعليك بالشيخ أبى عبد الله بن حامد. فإنه شيخ هذه الطائفة، ومسجده بباب الشعير. فمضى الوالد إليه وصحبهإلى أن توفى ابن حامد فى سنة ثلاث وأربعمائة. ونفقه عليه. وبرع فى ذلك. وكان ذلك من لطف الله تعالى به. وإرادته تعالى حفظ هذا المذهب. وقد ذكرنا فى أخبار ابن حامد سؤال محمد بن على المقرئ له عند خروجه إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضى أبى يعلى. وقد كان لابن حامد أصحاب كثيرون. فتفرس فى الوالد السعيد ما أظهره الله ﵎ عليه. روى أبو هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ «اتقوا فراسة المؤمن. فإنه ينظر بنور الله ﷿» فأما مولده: فولد لتسع وعشرين، أو ثمان وعشرين ليلة، خلت من المحرم سنة ثمانين وثلاثمائة. وأما شيوخه: فأول سماعه للحديث: سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. وسمع من أبى الحسين السكرى عن أحمد بن عبد الجبار الصوفى عن يحيى ابن معين وغيره. وسمع أيضا من جماعة عن البغوى. وقد حدث عن البغوى عن أحمد ابن حنبل. وسمع من أبى القاسم موسى بن عيسى السراج عن البغوى وغيره. ومن أبى الحسن على بن معروف عن البغوى، وابن صاعد، وابن أبى داود، وغيرهم. ومن أبى القاسم بن حبابة عن البغوى عن على بن الجعد عن شعبة وغيره. ومن أبى الطيب بن المنار عن البغوى، وابن صاعد وغيرهما. ومن أبى طاهر المخلص عن البغوى وابن صاعد وغيرهم. ومن أبى القاسم عيسى بن على الوزير عن البغوى وغيره. ومن أبى القاسم بن سويد عن ابن مجاهد وابن الأنبارى وغيرهما.ومن أبى القاسم الصيدلانى عن ابن صاعد وغيره. ومن أم الفتح بنت القاضى أبى بكر أحمد بن كامل. ومن جده لأمه أبى القاسم بن حنيفا. ومن أبى عبد الله عن أبى بكر محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم السوسى وغيره ومن أبى محمد عبد الله بن أحمد بن مالك البيع بانتقاء ابن أبى الفوارس. ومن القاضى أبى محمد الأكفانى. ومن أبى نصر بن الشاه. ومن أبى عبد الله النيسابورى. ومن أبى الحسن الحمامى، ومن أبى الفتح بن أبى الفوارس وسمع بمكة ودمشق وحلب فى آخرين. وابتدأ بالتصنيف والتدريس بعد وفاة شيخه ابن حامد. وحج سنة أربع عشرة وأربعمائة. وعاد إلى تدريسه وتصنيفه فى الفروع والأصول والآداب، وانقطاعه عن الدنيا وما يؤول إلى الذهاب. ومن بحث عن أخلاقه وطرائقه وأخباره: لم يخف عليه موضعه ومحله، ولو بالغنا فى وصفه لكنا إلى التقصير فيما نذكره من ذلك أقرب، إذ انتشر على لسان الخطير والحقير ذكر فضله، سوى ما يضاف إلى ذلك من الجلالة والصبر على المكاره، واحتماله لكل جريرة إن لحقته من عدو، وزلل إن جرى من صديق، وتعطفه بالإحسان على الكبير والصغير، واصطناع المعروف إلى الدانى والقاصى، ومداراته للنظير والتابع، جاريا على سنن الإمام أحمد ﵄ حذو القذّة بالقذة. ولم يزل على طول الزمان يزداد جلالة ونبلا، وعلما وفضلا، قصده القاضى الشريف. أبو على بن أبى موسى دفعات. إحداها: فى جمادى الأولى سنة إحدى - أو اثنتين - وعشرين وأربعمائة، ليشهد عند قاضى القضاة أبى عبد الله بن ماكولا،ويكون ولد القاضى أبى على أبو القاسم - الملقب بزين الدين - له تابعا ومتبركا بشهادته. فأبى عليه الوالد السعيد أشد الإباء. فمضى ابن أبى موسى إلى أبى القاسم ابن بشران، وسأله أن يشهد مع ولده. وقد كان ابن بشران قد ترك الشهادة قبل ذلك. فأجابه إلى ذلك. فشهد ابن بشران ومعه زين الدين بديوان الخلافة. وكانت وفاة القادر بالله فى حادى عشر من ذى الحجة من هذه السنة. ثم توفى القاضى أبو على سنة ثمان وعشرين. وكان من قضاء الله وقدره: أن تكررت سؤالات قاضى القضاة أبى عبد الله ابن ماكولا للشيخين: أبى منصور بن يوسف، وأبى على بن جرادة، يسألان الوالد السعيد: أن يشهد عنده، لعلمه بمحبتهما له، واعتقاد هما بمذهبه. وانضاف إلى ذلك خطاب رئيس الرؤساء نوبة بعد أخرى. فأجاب إلى ذلك وشهد عنده، مع كراهته للشهادة. وكان ابن ماكولا معظما له، ومبجلا ومكرما، ما لم يكن يفعله لغيره. وقد كان حضر الوالد السعيد - قدس الله روحه - فى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فى دار الخلافة فى أيام القائم بأمر الله - رضوان الله عليه - مع الجم الغفير، والعدد الكثير من أهل العلم. وكان صحبته الشيخ الزاهد أبو الحسن القزوينى، لفساد قول جرى من المخالفين لما شاع قراءة كتاب «إبطال التأويلات» فخرج إلى الوالد السعيد من الإمام القائم بأمر الله رضوان الله عليهم: الاعتقاد القادرىّ فى ذلك بما يعتقد الوالد السعيد. وكان قبل ذلك قد التمس منه حمل كتاب «إبطال التأويلات» ليتأمل فأعيد إلى الوالد. وشكر له تصانيفه. وذكر بعض أصحاب الوالد السعيد: أنه كان حاضرا فى ذلك اليوم، قال: رأيت قارئ التوقيع الخارج من القائم بأمر الله - رضوان الله عليه - قائما على قديمه والموافق والمخالف بين يديه، ثم أخذت فى تلك الصحيفة خطوط الحاضرين منأهل العلم والفقهاء على اختلاف مذاهبهم. وجعلت كالشرط المشروط. فأول من كتب: الشيخ الزاهد القزوينى: هذا قول أهل السنة، وهو اعتقادى وعليه اعتمادى. ثم كتب الوالد السعيد بعده. وكتب القاضى أبو الطيب الطبرى وأعيان الفقهاء، من بين موافق ومخالف. فبلغنى: أن أبا القاسم عبد القادر بن يوسف قال - بعد خروجه عن ذلك المجلس - روى عن النبى ﷺ أنه قال «لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة» فلما أرادوا النهوض من ذلك المجلس: التفت ابن القزوينى الزاهد إلى الوالد السعيد، فقال له: كما فى نفسك؟ فقال له الوالد السعيد: الحمد لله على ما تفضل به من إظهار الحق. فقال له ابن القزوينى الزاهد: لا أقنع بهذا، وأنا أحضر بجامع المنصور، وأملى أحاديث الصفات. فحضر القزوينى الزاهد جمعا مترادفات بجامع المنصور، وأملى أخبار الصفات، ناصرا لما سطره الوالد السعيد. ثم توفى ابن القزوينى ليلة الأحد الخامس من شعبان سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وصلّى عليه بين الحربية والعتابيين، مما يلى الخندق. وحضره عالم كثير وجرى تشغيب بين أصحابنا وبين المخالفين لنا فى الفروع. فحضر الوالد السعيد سنة خمس وأربعين فى دار الخلافة مجلس أبى القاسم على ابن الحسن رئيس الرؤساء، ومعه جم غفير، وعدد كثير من شيوخ الفقهاء، وأماثل أهل الدين والدنيا. فقال رئيس الرؤساء، فى ذلك اليوم على رءوس الأشهاد: القرآن كلام الله، وأخبار الصفات تمرّ كما جاءت. وأصلح بين الفريقين. ففاز الوالد السعيد بخير الدارين إن شاء الله. ولو تتبعنا هذه المقامات لطالت الحكايات. وكان من قضاء الله تعالى: أن توفى قاضى القضاة ابن ماكولا. فتبين للإمامالقائم بأمر الله احتياج الحريم إلى قاض عالم زاهد. فراسل رئيس الرؤساء بالشيخ أبى منصور بن يوسف وبغيره إلى الوالد السعيد، وخوطب ليلى القضاء بدار الخلافة والحريم أجمع. فامتنع من ذلك. فكرر عليه السؤال. فلما لم يجد بدّا من ذلك اشترط عليهم شرائط. منها: أنه لا يحضر أيام المواكب الشريفة، ولا يخرج فى الاستقبالات، ولا يقصد دار السلطان، وفى كل شهر يقصد نهر المعلى يوما وباب الأزج يوما. ويستخلف من ينوب عنه فى الحريم. فأجيب إلى ذلك. وقد كان ترشح لولاية القضاء بالحريم القاضى أبو الطيب الطبرى، فعدل عنه إلى الوالد السعيد، وقلد القضاء فى الدماء والفروج والأموال. ثم أضيف إلى ولايته بالحريم: قضاء حران وحلوان. واستناب فيهما. فأحيا الله بالوالد السعيد من صناعة القضاء ما أميت من رسومها، ونشر ما طوى من أعلامها. فعاد الحكم بموضعه جديدا، والقضاء بتدبيره رشيدا. وكان كما قال فيه تلميذه على بن نصر العكبرى، لما ولىّ الوالد القضاء: رفع الله راية الإسلام … حين ردت إلى الأجلّ الإمام التقى النقى ذى المنطق الصا … ئب فى كل حجة وكلام خائف مشفق إذا حضر الخصما … ن يخشى من هول يوم الخصام لم يزده القضاء فخرا، ولكن … قد كسا الفخر سائر الأحكام بك يا ابن الحسين شدّت عرى الد … ين، وقامت دعائم الإسلام رحمة من مدبر الخلق للخل … ق أظلت إذ قمت فى ذا المقام تمم الله للخليفة ما أع … طاه من نعمة مدى الأيام فلقد قلد القضاء رفيع القد … ر ذا رأفة على الأيتام قد حوى من رعاية الدين … ما يعصمه من مواقف الآثاموصلّ الله ما حباه من النع … ماء بنعماه فى جنان المقام فلم يزل جاريا على سديد القضاء، وإنفاذ الحكم والأوصياء، إلى أن توفى. وكان الوالد السعيد قد رد القضاء بباب الأزج إلى الجيلى، وجعل صاحبه أبا على يعقوب مشرفا عليه. فلما تبين له من حال الجيلى الاختلال عزله. ثم رد النظر فى عقد الأنكحة والمداينات بباب الأزج إلى تلميذه أبى على يعقوب. واستناب أبا عبد الله بن البقال فى النظر فى العقار بباب الأزج. واستناب بدار الخلافة ونهر المعلّى أبا الحسن السيبى. ولو ذهبت أشرح قضاياه السديدة: لكانت كتابا قائما بنفسه. ومعلوم ما خص الله سبحانه هذا الوالد السعيد من النعم الدينية، والرتب السامية العلية، وكونه إمام وقته، وفريد دهره، وقريع عصره. لا يعرف فى شرق الأرض وغربها شخص يتقدم فى علم مذهبه عليه، أو يضاف فى ذلك إليه هذا مع تقدمه فى هذه البلدة على فقهاء زمانه بقراءته للقرآن بالقراءات العشر وكثرة سماعه للحديث، وعلو إسناده فى المرويات. ولقد حضر الناس مجلسه، وهو يملى حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسى عبد الله بن إمامنا أحمد ﵁، وكان المبلغون عنه فى حلقته، والمستملون ثلاثة. أحدهم: خالى أبو محمد جابر والثانى: أبو منصور بن الأنبارى. والثالث: أبو على البردانى. وأخبرنى جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء: أنهم سجدوا فى حلقة الإملاء على ظهور الناس؛ لكثرة الزحام فى صلاة الجمعة، فى حلقة الإملاء. وما رأى الناس فى زمانهم مجلسا للحديث اجتمع فيه ذلك الجم الغفير، والعدد الكثير. وسمعت من يذكر: أنه حزر العدد بالألوف. وذلك مع نباهة من حضر من الأعيان، وأماثل هذا الزمان، من النقباء، وقاضى القضاة والشهود والفقهاء. وكانيوما مشهودا. والناس إذ ذاك يسمعون، والكتبة يكتبون، وبالنظر إليه يتبركون وبفضله يقرون ويشهدون. وحضرت أنا أكثر أماليه بجامع المنصور. وأجاز لى إجازة ولأخى أبى حازم حفظه الله. سأله الإجازة لنا خالنا أبو محمد ابن جابر، فأجاز لنا فى مرضه لفظا. حدثنا الوالد السعيد - إملاء من لفظه وأصله يوم الجمعة بعد الصلاة، بجامع المنصور، فى التاسع والعشرين من ذى القعدة سنة ست وخمسين وأربعمائة. قال: حدثنا أبو الحسين بن أخى ميمى. قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوى قال: حدثنا أبو روح محمد بن زياد بن فروة البلدى قال: حدثنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن جرير بن عبد الله ﵁ قال «كنا عند رسول الله ﷺ. فنظر إلى القمر ليلة البدر. فقال: إنكم سترون ربكم ﷿ عيانا، كما ترون هذا لا تضامون فى رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب - وقرأ (٣٩:٥٠ ﴿سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)﴾» قال لنا الوالد السعيد: هذا الحديث صحيح. أخرجه البخارى عن يوسف بن موسى عن عاصم بن يوسف اليربوعى عن ابن شهاب، وكأنى سمعته من البخارى وقد امتدح بعض أهل العلم الوالد السعيد بأبيات، منها: الحنبليون قوم لا شبيه لهم … فى الدين والزهد والتقوى، إذا ذكروا أحكامهم بكتاب الله، مذ خلقوا … وبالحديث، وما جاءت به النذر إن الإمام أبا يعلى فقيههم … حبر عروف بما يأتى وما يذر صل، فاقتدر، فلك المسطور إن فخروا … ما نائم مثل يقظان به سهر ومعلوم ما كان عليه شيوخ عصره، وعلماء وقته، من بين موافق ومخالف من توقيرهم له فى حداثة سنه، وسالف دهره، وأنه كان إذ ذاك معدودا من الأماثلوالأعيان، وشيوخ العلماء وذوى الأسنان، الذين قد شحّ بهم الزمان. وذلك عند معرفتهم بعلمه وديانته، وتقدمه فى النظر والتحقيق، وتخصصه بسلوك أحسن طريق. وإنما يعرف الفضل لأهله من كان فى نفسه فاضلا، ويشهد بالعقل لأهله من كان فى نفسه عاقلا. وقد قيل: نقد الجوهر أشد عوزا من الجوهر. كان الوالد السعيد متميزا بالزهادة على كافة أهل العلم قلما، ونقل فى طلبه قدماء. كما قال عمر لسلمان ﵉ حين دوّن الدواوين، «مع من تريد أن أكتبك؟ قال: مع الذين لا يريدون علوّا فى الأرض ولا فسادا» كان فى قناعته كما قال أبو حمزة الصوفى: كنت إذا أصابتنى فاقة قلت فى نفسى: إلى من أهدى هذه الفاقة؟ ثم فكرت، فلم أجد أحق بها منى، فطويتها. والأبيات مشهورة فى المعنى. إذا شئت أن تستقرض المال منفقا … على شهوات النفس فى زمن العسر فسل نفسك الإقراض من كيس صبرها … عليك وإنظارا إلى زمن اليسر فإن فعلت كنت الغنى، وإن أبي … ت فكل نوع عندها واسع العذر وقال: كتب أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزى الحافظ من مكة - حياها الله - كتابا. ذكر فيه أبياتا جوابا عن كتابه، فقال: كتابك سيدى لما أتانى … سررت به، وجدد لى ابتهاجا وذكرك بالجميل لنا جميل … يقلدنا، ولم نمزج مزاجا جللت عن التصنع فى وداد … فلم نر فى توددك اعوجاجا وقد كثر المداجى والمرائى … فلا تحفل عن راءى وداجا حييت معمرا، وجزيت خيرا … وعشت لدين ذى التقوى سراجا وناهيك بأبى نصر السجزى، مع علمه ودينه وزهده. ولعمرى لقد حاز الوالد السعيد من الفضل ما عسى أن يعجز عنه كثير منالأقران، وعدد من ذوى الأسنان: من ضبط العلوم بحسن بصيرة وإتقان. وتدقيقا فى الكشف عن غوامض المذهب وخافيه، والبيان عن معانيه. وهو مع ذلك - إلى حين وفاته - مع كبر السن مجتهد دائب على التنصيف والتدريس مواظب. ثم إصغاؤه - مع هذا العلم الكثير - إلى كلمة تستفاد من صغير أو كبير، ولو قصد قاصد تعداد كتبه ومصنفاته، وتأمل ما قرره من الأدلة على غوامض مذهبه، ومسائل مفرداته لعسى أن تلحقه السآمة فى حسابه، والمشقة فى استيعابه، ولو اقتصر من يقصد العدل والإنصاف على النظر فى كتابه الذى صنفه فى مسائل الخلاف: لدله على منزلته من العلم دليل كاف. ومعلوم ما خصه الله تعالى به - مع موهبة العلم والديانة - من التعفف والصيانة، والمروءة الظاهرة، والمحاسن الكثيرة الوافرة، مع هجرانه لأبواب السلاطين، وامتناعه على ممر السنين: أن يقبل لأحد منهم صلة وعطية. ولم تزل ديانته ومروءته لما هذا سبيله أبيّة. وكان يقسم ليله كله أقساما. فقسم للمنام. وقسم للقيام، وقسم لتصنيف الحلال والحرام. ولقد نزل به ما نزل بغيره من النكبات التى استكان لها كثير من ذوى المروءات، وخرج بها عن مألوفات العادات. فلم يحفظ عليه أنه خرج عن جميل عاداته، ولا طرح المألوف من مروءاته. ومن شاهد ما كان عليه من السكينة والوقار، وما كسا الله وجهه من الأنوار مع السكون والسمت الصالح، والعقل الغزير الراجح: شهد له بالدين والفضل ضرورة. واستدل بذلك على محاسنه الخفية المستورة. هذا مع الأناة والحلم، الذى به يزان العلم، وحمله للأذى فى جنب الإيمان، والتصديق بالأحاديث التى هى عن صاحب الشريعة ﷺ مروية. وكم قصده من أعداء المروءة والدين من قاصد باغ، ومبتدع طاغ، جامع فى إزعاجهومنفر عن منهاجه. فعاد خاسئا ذليلا، وبحسرة الظفر قتيلا (سنة الله فى الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا) وقد أنشد بعض الشعراء فى مثله: تلك المكارم، لا قعبان من لبن … شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا فأما عدد أصحابه، الذين سمعوا منه الحديث: فالعدد الكثير، والجم الغفير منهم: أحمد بن على بن ثابت، وعبد العزيز العاصمى النخشبى، وعمر بن أبى الحسن الدهستانى الخياط، وهبة الله بن عبد الوارث الشيرازى، وإسحاق بن عبد الوهاب بن منده الحافظ المقرئ، ومكى بن بجير الهمدانى، وعمر الأرموى، وأحمد بن الحسن بن خيرون، وأبناء خاله: أبو طاهر، وأبو غالب، وأبو الحسين ابن الطيورى، وأبو على البردانى، وأبو الغنائم بن النرسى الكوفى، وأبو بكر القطان المقدسى، وأبو منصور الخياط، وأبو منصور القرميسينى، وأبو منصور ابن الأنبارى، ومحمد بن عمارة العكبرى، ومحمد بن أحمد بن أحمد بن مردين، وأبو العباس المخلطى، وأحمد بن العلثى، وأبو بكر، وأبو الحسين ابنا ابن يوسف، وابنا عمهما أبو محمد، وأبو الحسن بن رضوان، وابنا عمه: أبو نصر، وأبو الحسين، وأبو جعفر الأصفهانى، وأبو الكرم المبارك بن فاخر النحوى، وأخوه أبو عبد الله ابن الدباس، وأبو طاهر، وأبو القاسم ابنا البلدى، وأبو نصر ياسر، وأبو العز العكبريان فى آخرين. فأما الذين تفقهوا وعقلوا، وسمعوا الحديث: فأبو الحسين البغدادى، والشريف أبو جعفر، وأبو الغنائم بن الغبارى، وأبو الغنائم بن زبيبا، وأبو على بن البناء، وأبو الوفا بن القواس، والقاضى أبو على البرديني، والقاضى أبو الفتح بن جلبة، وعلى بن عمرو الضرير الحرانى، وأبو ياسر بن الحصرى (¬١)، وأبو عبد الله الأنماطى، والحسين بن البردانى، وأبو الحسن النهرى أبو الفتح، وأبو البركات بنشبلى، وأبو محمد شافع، وأبو الوفاء بن عقيل، وطلحة العاقولى، ومحفوظ الكلوذانى وأبو الحسن بن ظفر العكبرى، وأبو الفرج المقدسى، وأبو الحسن بن زفر العكبرى وأبو عبد الله البردانى، وأبو الحسن بن ركاب، وأبو عبد الله الباجسرائى، وأبو يعلى بن الكيال، وجعفر الدريحانى، والأخ أبو القاسم، وغيرهم ممن يشق إحصاء أسمائهم فأما عدد مصنفاته: فكثيرة. فنشير إلى ذكر ما يتيسر منها. فمن ذلك: أحكام القرآن، ونقل القرآن، وإيضاح البيان، ومسائل الإيمان والمعتمد، ومختصر المعتمد، والمقتبس، ومختصر المقتبس، وعيون المسائل، والرد على الأشعرية، والرد على الكرامية، والرد على الباطنية، والرد على المجسمة، والرد على ابن اللبان، وإبطال التأويلات لأخبار الصفات، ومختصر إبطال التأويلات، والانتصار لشيخنا أبى بكر، والكلام فى الاستواء، والكلام فى حروف المعجم والقطع على خلود الكفار فى النار، وأربع مقدمات فى أصول الديانات، وإثبات إمامة الخلفاء الأربعة، وتبرئة معاوية، والرسالة إلى إمام الوقت، وجوابات مسائل وردت من الحرم، وجوابات مسائل وردت من تنيس، وجوابات مسائل وردت من ميّافارقين، وجوابات مسائل وردت من أصفهان، والعدة فى أصول الفقه، ومختصر العدة، والكفاية فى أصول الفقه، ومختصر الكفاية، والأحكام السلطانية، وفضائل أحمد، ومختصر فى الصيام، وإيجاب الصيام ليلة الإغمام، ومقدمة فى الأدب، وكتاب الطب، وكتاب اللباس، والأمر بالمعروف، وشروط أهل الذمة، والتوكل، وذم الغناء، والاختلاف فى الذبيح، وتفضيل الفقر على الغنى، وفضل ليلة الجمعة على ليلة القدر، وتكذيب الخيابرة فيما يدعونه من إسقاط الجزية، وإبطال الحيل، والفرق بين الآل والأهل، والمجرد فى المذهب، وشرح الخرقى، وكتاب الروايتين، وقطعة من الجامع الكبير، فيها الطهارة وبعض الصلاة والنكاح والصداق والخلع والوليمة والطلاق، والجامعالصغير، وشرح المذهب، والخصال والأقسام. وفيه يقول بعضهم: قد نظرنا مصنفات الأنام … وسبرنا شريعة الإسلام ما رأينا مصنفا جمع العلم … مع الاختصار والإفهام مثل ما صنف الإمام أبو يع … لى كتاب الخصال والأقسام ومن مصنفاته: الخلاف الكبير ومن نظر فى تصانيفه حقيقة النظر: علم أن ما وراءه مراما ولا مقالا، إلا ما يدخل على البشر من التقصير عن الكمال، ويخرج به العالم عن منازل الأنبياء ويتميز به المتأخر عن مراتب أهل التقدم من العلماء فلقد حمل الناس عنه علما واسعا من حديث رسول الله ﷺ، ومن الأصول والفروع وهو مستغن باشتهار فضله عن الإطناب فى وصفه؛ لأنا رأينا البلغاء قد وصفوا فقصروا، والعلماء قد مدحوا فأكثروا. وكل يطلب أمده فيعجزون. إذ كان الله ﷿ قد رزقه حفظ القرآن، والقراءة بالعشر، والعلم بالحلال والحرام، والأحكام والفرائض، وعلم الأصول والفروع. ورزقه من شرف الأخلاق وكرم الأعراق، والمجد المؤثل، والرأى المحصل، والفضل والفهم، والإصابة والعزيمة الصافية، والمعرفة الشافية، والتفرد بكل فضيلة، والسمو إلى كل درجة رفيعة، من محمود الخصال، والزهد والكمال: ما يطول شرحه، حتى لم يكن له شبيه فى وقته، ولا نظير فى فهمه. ولا يجارى فى حكمه. ولم تقع أبصار أهل زمانه على مثله؛ لأن طينته حرة، وعرقه كريم، وغرسه طيب، ومنشؤه محمود وكانت أفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وأوله كآخره. لا يمتنع عليه معرفة المبهم الغامض من الأمور، ولا يتلجلج اشتباه المشكل الصعب فى الصدور ولا يعرف الشك ولا العى، ولا الحصر عند مناظرة المخالفين والموافقين، ومجادلة المتكلمين، وسائر الفقهاء المختلفينوقد كان يحضر مجلس أبى جعفر اليمانى فى منزله، ويحضره شيوخ الفقهاء والمتكلمين المتباينين فى الأصول والفروع. فتحضر صلاة الظهر والعصر، فيتأخر الكل ويأتون بصلاته فلنذكر الآن تبيين منهج السلف، وما أمروا بأدائه إلى الخلف. وهو الذى درج عليه الوالد السعيد - قدس الله روحه وأرواحهم - لبعضهم بمعونة الله، وتجتنب ما ذم أهل البدع بسببه، راجين بذكره جزيل الثواب، متوقين الخروج عن الصواب، بعد تعريفك ما عسى أن تلفاه من ذوى الخلاف والعناد، من الأذى إذا تحققوا معرفتك، لما هم عليه من الفساد. والمحق مأمور بالصبر لينال به جزيل الأجر. وقدمناه أولا فى نكتتين، من أتقنهما ولزمها أدرك سعادة الدارين. وما نذكره بعدهما إنما نريد به شرحهما إحداهما: ترك ما تراه، لما أمرت به، مع تبيين الأمر المتمسك بموجبه والثانية: قلة الاكتراث بكثر المبطلين وتهجينهم ما درج عليه الوالد السعيد والسلف الصالح الرشيد، مع سخاء النفس عما قالوه من قبول عند أمثالهم، ووصول إلى بعض آمالهم فإذا ألزمت نفسك الأخذ بهاتين النكتتين: عوّضت عما تركت سكونا إلى ما عرفت، والثقة بنيل ما به وعدت، وهابك مخالفك، وإن كنت وحيدا، وكنت عند الله ﷾، ثم عند صالحى عبيده حميدا فلنذكر الآن البيان عن اعتقاد الوالد السعيد، ومن قبله من السلف الحميد، فى أخبار الصفات فاعلم - زادنا الله وإياك علما ينفعنا الله به، وجعلنا ممن آثر الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة على آراء المتكلمين، وأهواء المتكلفين: - أن الذى درج عليه صالحو السلف، وانتهجه بعدهم خيار الخلف: هو التمسكبكتاب الله ﷿، واتباع نبيه محمد ﷺ، ثم ما روى عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثم عن التابعين والخالفين لهم من علماء المسلمين. والإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله، مع ترك البحث والتنفير، والتسليم لذلك، من غير تعطيل، ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل. وهى الفرقة الناجية، والجماعة العادلة، والطائفة المنصورة إلى يوم القيامة فهم أصحاب الحديث والأثر - والوالد السعيد تابعهم - هم خلفاء الرسول، وورثة علمه وسفرته بينه وبين أمته. بهم يلحق التالى، وإليهم يرجع العالى. وهم الذين نبزهم أهل البدع والضلال، وقائلو الزور والمحال: أنهم مشبهة جهال، ونسبوهم إلى الحشو والطغام، وأساءوا فيهم الكلام. فاعتقد الوالد السعيد وسلفه - قدس الله أرواحهم، وجعل ذكرنا لهم بركة تعود علينا - فى جميع ما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ: أن جميع ذلك صفات الله ﷿ تمرّ كما جاءت، من غير زيادة ولا نقصان، وأقروا بالعجز عن إدراك معرفة حقيقة هذا الشأن اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات البارى سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد، لها حقيقة فى علمه، لم يطلع البارى سبحانه على كنه معرفتها أحدا من إنس ولا جان واعتقدوا: أن الكلام فى الصفات فرع الكلام فى الذات، ويحتذى حذوه ومثاله، وكما جاء وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات البارى سبحانه: إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، هكذا اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سلفه من الأئمة: أن إثبات الصفات للبارى سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والرواية والأصل الذى اعتمدوه فى هذا الباب: اتباع قوله تعالى (٨:٣ ﴿وَما يَعْلَمُتَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ. وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ. كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا. وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ)﴾ وقال تعالى (١١٠:٢٠، ١١١ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً. وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ. وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً)﴾ فاعتقدوا: أن البارى ﷾: فرد الذات، متعدد الصفات. لا شبيه له فى ذاته، ولا فى صفاته، ولا نظير ولا ثانى. وسمعوا قوله ﷿ ﴿الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فآمنوا بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، تسليما للقدرة، وتصديقا للرسل، وإيمانا بالغيب واعتقدوا: أن صفات البارى سبحانه معلومة من حيث أعلم هو، غيب من حيث انفرد واستأثر، كما أن الباري سبحانه معلوم من حيث هو، مجهول ما هو. واعتقدوا: أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين وفارق بها سائر الموصوفين. فهم بها مؤمنون. وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون. لا يجوز عندهم ردها، كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه، كما حملته المشبهة، الذين أثبتوا الكيفية. ولا تأولوها على اللغات والمجازات، كما تأولتها الأشعرية. فالحنبلية لا يقولون فى أخبار الصفات بتعطيل المعطلين، ولا بتشبيه المشبهين، ولا تأويل المتأولين. مذهبهم: حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات، مع نفى التشبيه والأدوات. إذ لا مثل للخالق سبحانه مشبه، ولا نظير له فيجنس منه. فنقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا، من غير تشبيه ولا تجنيس، على أنه (١١:٤٢ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)﴾. وفى رد أخبار الصفات، وتكذيب النقلة: إبطال شرائع الدين، من قبل أن الناقلين إلينا علم الصلاة والزكاة والحج وسائر أحكام الشريعة: هم ناقلوا هذه الأخبار، والعدل مقبول القول فيما قاله. ولو تطرق إليهم - والعياذ بالله - التخرصبشئ منها: لأدى ذلك إلى إبطال جميع ما نقلوه. وقد حفظ الله سبحانه الشرع عن مثل هذا. وقد أجمع علماء أهل الحديث - والأشعرية منهم - على قبول هذه الأحاديث. فمنهم من أقرّها على ما جاءت. وهم أصحاب الحديث. ومنهم من تأولها. وهم الأشعرية. وتأويلهم إياها قبول منهم لها، إذ لو كانت عندهم باطلة لا طرحوها، كما اطرحوا سائر الأخبار الباطلة. وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال «أمتى لا تجتمع على خطأ ولا ضلالة». وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات من غير تعطيل، ولا تشبيه ولا تفسير ولا تأويل. هو قول السلف بدءا وعودا. وهو الذى ذكره أمير المؤمنين القادر - رضوان الله عليه - فى الرسالة القادرية قال فيها: «وما وصف الله سبحانه به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ: فهو صفات الله ﷿، على حقيقته، لا على سبيل المجاز» وعلى هذا الاعتقاد: جمع أمير المؤمنين القائم بأمر الله - رضوان الله عليه - من حضره مع الوالد السعيد من علماء الوقت، وزاهدهم: أبو الحسن القزوينى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. وأخذ خطوطهم باعتقاده. وقد قال الوالد السعيد ﵁ فى أخبار الصفات: المذهب فى ذلك: قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به، من غير عدول عنه إلى تأويل يخالف ظاهرها، مع الاعتقاد بأن الله سبحانه بخلاف كل شئ سواه، وكل ما يقع فى الخواطر من حد أو تشبيه، أو تكييف: فالله ﷾ عن ذلك. والله ليس كمثله شئ، ولا يوصف بصفات المخلوقين، الدالة على حدثهم. ولا يجوز عليه ما يجوز عليهم من التغير من حال إلى حال. ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وأنه لم يزل، ولا يزال. وأنه الذى لا يتصورفى الأوهام. وصفاته لا تشبه صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. واما كتابه - قدس الله روحه - فى إبطال التأويلات لأخبار الصفات: فمبنى على هذه المقدمات، وأن إطلاق ما ورد به السمع من الصفات: لا يقتضى تشبيه البارى سبحانه بالمخلوقات. وذكر - رحمة الله عليه - كلاما معناه: أن التشبيه إنما يلزم الحنبلية أن لو وجد منهم أحد أمرين: إما أن يكونوا هم الذين ابتدءوا الصفة لله ﷿ واخترعوها، أو يكونوا قد صرحوا باعتقاد التشبيه فى الأحاديث التى هم ناقلوها. فأما أن يكون صاحب الشريعة ﷺ هو المبتدئ بهذه الأحاديث، وقوله ﷺ حجة يسقط بها ما يعارضها. وهم تبع له. ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات، ونفى التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟. وعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية إنما يعتمدون فى أصول الدين على كتاب الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ. ونحن نجد فى كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات. ولا نجد فيهما ذكر التشبيه. فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟. ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات، من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم فى ذلك التشبيه: إجماع الطوائف - من بين موافق للسنة ومخالف - أن الباري سبحانه ذات، وشئ، وموجود. ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم، ولا جوهر، ولا عرض. وإن كانت الذات فى الشاهد لا تنفك عن هذه السمات. وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف فى الشاهد فى أخبار الصفات. يبين صحة هذا: أن الباري سبحانه موصوف بأنه: حى عالم، قادر مريد،والخلق موصوفون بهذه الصفات. ولم يدل الاتفاق فى هذه التسمية على الاتفاق فى حقائقها ومعانيها، هكذا القول فى أخبار الصفات. ولا يلزم عند تسليمها - من غير تأويل - إثبات ما يقتضيه الحد والشاهد فى معانيها. وبهذا ونظيره استدل الوالد السعيد - رحمة الله عليه - فى كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات». فأما الرد على المجسمة لله: فيرده الوالد السعيد بكتاب. وذكره أيضا فى أثناء كتبه فقال: لا يجوز أن يسمى الله جسما. قال أحمد: لا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه. قال الوالد السعيد: فمن اعتقد أن الله سبحانه جسم من الأجسام، وأعطاه حقيقة الجسم، من التأليف والانتقال: فهو كافر. لأنه غير عارف بالله ﷿. لأن الله سبحانه يستحيل وصفه بهذه الصفات. وإذا لم يعرف الله سبحانه: وجب أن يكون كافرا. وهذا الكتاب عدة أوراق. واعلم أن الله سبحانه اصطفى رسلا من خلقه، فبعثهم بالدعاء إليه، والصبر على ما نالهم من جهلة خلقه، وامتحهم من المحن بصنوف من البلاء، وضروب من المحن واللأواء. وكل ذلك تكريما لهم غير تذليل، وتشريفا غير تخسير ولا تقليل. وكان أرفع رسله عنده منزلة: أشدهم اجتهادا، وأخذا فى إمضاء أمره، مع البلية بأهل دهره. قال الله ﷿ لنبيه ﷺ ﴿٣٥:٤٦ فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى (١٧:٣٨ ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ)﴾ وقال ﷿ له ﷺ ولأتباعه. (١٤٢:٣ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا، حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ)﴾ وقال ﷿ (١:٢٩ - ٣ ﴿الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْيَقُولُوا: آمَنّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ)﴾ فلم يخل - جل ثناؤه - أحدا من مكرّمى رسله وأنبيائه، ومقربى أصفيائه وأوليائه، من محنة فى عاجلته دون آجلته، يستوجب بصبره عليها ما أعد له من الدرجات التى قسم مصيره إليها. وجعل سبحانه علماء الأمم الماضين خلفاء أنبيائهم المرسلين، والقوّام بما جاءوا به من الدين، يرحضون عن أحكامه، ويحامون عن حدوده وأعلامه، يدفعون عنه كيد الشيطان، ويحرسونه من الترك والنسيان. لا يصدهم عن التمسك بالحق، ولا يثنيهم عن التعطف على الخلق: سوء ما به ينالون، توخيا لثواب الله الذى له يطلبون، وفيه يرغبون. ثم جعل سبحانه علماء هذه الأمة أفضل علماء الأمم قسما، وأوفرهم من الخيرات حظا. أعدّ لهم الكرامات. وقسم لهم المنازل والدرجات، مع ابتلائه سبحانه لمؤمنيهم بالمنافقين، ولصادقيهم بالمكذبين، ولخيارهم بالأشرار، ولصالحيهم بالفجار، وللأماثل الرفعاء بأوضع السفهاء. فلم يكن يثنى العلماء ما يلقونه من الأذى عن القيام بحقوق الله تعالى فى عباده، وإظهار الحق فى بلاده. ولقد كان الوالد السعيد - نضر الله وجهه - ممن سلك به هذه الطريق، عند ما ابتلى به من أذية هذا الفريق، وقد قال رسول الله ﷺ «طوبى للغرباء، طوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله، من الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل، بين ناس سوء كثير. من يبغضهم أكثر ممن يطيعهم» رواه عبد الله ابن عمرو ﵄. ومن تظاهر بانكار البدع: فسبيله أن يصبر على أذية المخالفين، محتسبا عند الله ﷿. وقد روى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «المؤمن موكل به أربعة: مؤمن يحسده، وفاسق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يكيده».وقال الحسن البصرى «ما كان مؤمن قط فيما مضى، ولا يكون مؤمن فيما بقى، إلا إلى جنبه منافق يؤذيه» وروى خباب بن الأرتّ ﵁ أن النبى ﷺ قال «أيها الناس، اتقوا الله. فو الله إن كان الرجل من المؤمنين من قبلكم ليوضع المئشار على رأسه، فيشق بنصفين، وما يرده عن دينه. فاتقوا الله. فإن الله فاتح عليكم، وصانع لكم» وروى أبو موسى ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال «ليس أحد أصبر على أذى يسمعه من الله، يدعون له ولدا، ويجعلون له صاحبة. وهو يرزقهم، ويعافيهم» أخرجه البخارى وإذا كان الباري ﷿ يصبر على ما يقول فيه الجاحدون والمشركون. مع قدرته على إهلاكهم وإفنائهم، ومنعهم مما يتفوهون به، لما سبق فى علمه من الاملاء لهم ليزدادوا إثما، والأنبياء ﵈ قد صبروا على ما أوذوا به. والصالحون قد تأسّوا بهم فى ذلك: - فالواحد منا - مع علمه بتقصيره فى كل معنى -: لا ينبغى له أن يقلق لكلمة تسوءه، وإذا كان القيام بالذب عن أهل الحق دينا واحتسابا. فالصبر على ما يصيبه هو من تمام الاحتساب. وقد جاء فى الحديث «إن الرجل ليعطى كتابه يوم القيامة منشورا، فينظر فيه حسنات لم يعملها. فيقول: يا رب، أى شئ هذا؟ فيقول الله ﷿: هذا بما اغتابك الناس، وأنت لا تشعر» ويروى عن عبد الرحمن بن مهدى أنه قال «لولا أنى أكره أن يعصى الله ﷿ لسرّنى أن لا يبقى فى المصر أحد إلا اغتابنى. وأى شئ أشهى من حسنة يجدها المرء فى صحيفته لم يعملها» وذكر أن شقيقا البلخى فاته ورده فى السحر، فقال له أهله: فاتك قيام الليلة. فقال: إن فات ذلك، فقد صلّى لى من أهل بلخ أكثر من ألف نفس. قالت: كيف؟ قال: باتوا يصلون. فإذا أصبحوا اغتابونى.وعن بعض السلف أنه قال: إنك إذا لم تنك عدوك إلا بما يثلم به دينك فبنفسك. وقال بشر بن الحارث: لا تعبأ بكلام من تكلم فيك إلا أن يكون تقيا. والتقى لا يقول ما يعرف، فكيف ما لا يعرف؟ وروى عن عطاء بن أبى ميمونة أنه اجتاز بخشبة سعيد بن جبير. فرفع رأسه إلى السماء. فقال: يا رب حلمك عن الظالمين فتت قلوب المظلومين. قال: فغشيه الكرى. فرأى كأن سعيد بن جبير فى الجنة، والحور حوله. وكأن قائلا يقول له: يا عطاء، حلمنا عن الظالمين أورث المظلومين هذا المقام، أو كما قال وما ذكرته من أوصاف الوالد السعيد: فهو كالإشارة إلى ما وراءه. وأرجو أن لا يكون ذلك على سبيل التمادح، لكنه على سبيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والرد عن أعراض علماء المسلمين، وحماية المؤمنين من المنافقين قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ «من اغتيب عنده أخوه المسلم. فلم ينصره - وهو يستطيع نصره - أذله الله فى الدنيا والآخرة» وروى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من حمى عرض أخيه فى الدنيا بعث الله ﷿ ملكا يحمى لحمه عن النار» وقال ﵊ «ما من مسلم - يعنى - يخذل امرءا مسلما فى موطن ينتهك فيه عرضه إلا خذله الله ﷿ فى موطن يحب نصرته. وما من مسلم ينصر امرءا مسلما فى موطن ينتقص فيه عرضه وتنتهك فيه حرمته إلا نصره الله فى موطن يحب فيه نصرته» وقال ﵊ «لمقام أحدكم فى الدنيا يتكلم بكلمة حق يرد بها باطلا، أو يحق بها حقا: أفضل من هجرة معى». وقال «لأن يهدى الله بهداك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس»وقال المروذى: قلت لأبى عبد الله - يعنى إمامنا أحمد - ترى للرجل أن يشتغل بالصوم والصلاة، ويسكت عن الكلام فى أهل البدع؟ فكلح وجهه، وقال: إذا هو صام وصلّى واعتزل الناس، أليس إنما هو لنفسه؟ قلت: بلى. قال: فإذا تكلم كان له ولغيره. يتكلم أفضل فلنذكر الآن وفاة الوالد السعيد توفى ليلة الاثنين، بين العشاءين تاسعة عشر رمضان من سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وصلّى عليه أخى أبو القاسم يوم الاثنين بجامع المنصور وقيل: إنه لم ير فى جنارة - بعد جنازة أبى الحسن القزوينى الزاهد - الجمع الذى حضر جنازته. فلما أصحر المشيعون لجنازته إلى حفرته بمقبرة إمامنا أحمد: لحقهم الحر الشديد. فأفطر جماعة لم يسمحوا بالرجوع (¬١). وكان قد حضره عالم كثير جدا يفوت الإحصاء. وقد روى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما من رجل يموت، فتصلى عليه أمة من الناس يبلغون المائة فيشفعون فيه إلا شفعوا» وروى أبو أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «المقة من الله ﷿، والصيت فى السماء. فاذا أحب الله عبدا قال: يا جبريل، إن ربك يحب فلانا فأحبه، فينادى جبريل، فينزل له المقة على الأرض» فلقد انتقض السؤدد بمصابه، وانثلم المذهب بذهابه. فهو كما قيل: اليوم مات نظام الفهم واللّسن … ومات من كان يعدينى على الزمن وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت … شمس المكارم فى غيم من الكفن وكما قيل: وليس نسيم المسك رشح حنوطه … ولكنه ذاك الثناء المخلف وليس صرير النعش ما تسمعونه … ولكنها أصلاب قوم تقصفوكما قيل: للموت كم يبلى بجدته … فى كل يوم حكيما ماله خلف أصاب قصدا هلالا فى تكامله … وبحر منطقه ما ليس يغترف لم يبله الدهر، ما دامت بدائعه … تطوى على جمعها الأحشاء والصحف ومن نظر فى تصنيفه - قدس الله روحه - ممن له فهم وتيقن، وعلم وتدين: علم أنه يعجز عنه من يروم تصنيف مثله، ويفضح فيه من يتعاطى حذو قوله، إذ كلامه السحر الحلال، والعذب الزلال، والسهل الممتنع، والقريب المستصعب إذ هو نسيج وحده زهدا وأدبا، ورواية وأربا، وفريد عصره سؤددا ونبلا، وفقها وجدلا، فهو كما قيل: مات البديع، وغارت درة الفطن … واستدرج الموت بحر الفضل فى كفن لله درّ المنايا، ما صنعن به … وما تضمنت الأكفان من بدن وكما قيل: تقصت بشاشات المجالس بعده … وودعنا، إذ ودع الأنس والعلم وقد كان نجم العلم فينا حياته … فلما انقضت أيامه أفل النجم وكما قيل: عش ما بدا لك فى الدنيا، فلست ترى … فى الناس منه ولا من علمه خلفا وقال تلميذه على بن أخى نصر، يرثيه: أسف دائم وحزن مقيم … لمصاب به الهدى مهدوم مات بحل الفراء، أم رجّت الأر … ض، أم البدر كاسف والنجوم؟ لهف نفسى على إمام حوى الفض … ل، وهو بالمشكلات عليم خلق طاهر، ووجه منير … وطريق إلى الهدى مستقيم كان للدين عدة، ولأهل الدي … ن عدة فى النائبات خل حميم من يكن للدرس بعدك أم … من لجدال المخالفين يقوم؟من لفهم الحديث والطرق يس … توضح منه صحيحه والسقيم؟ من لفصل القضاء إن أشكل الحك … م وضجت بالنازلات الخصوم؟ درست بعده المدارس فالعل … م طريد، وحبله مصروم وهكذا يذهب الزمان ويفنى العل … م فيه، ويجهل المعلوم إن قبرا حواك يا أيها الطو … د عجيب رحب الفناء عظيم إن يكن شخصه محته يد الده … ر فذكراه فى الدهور مقيم فنحيا بذكره كل وقت … ومحياه فى التراب رميم آمرى بالسلو، مهلا، ففى القل … ب غرام مبرح ما يريم كلما رمت سلوة هيج الحز … ن صنيع له، وفعل كريم غير أن القضاء جار على الخلق … قضاء من ربهم محتوم فعلى الشامتين خزى مقيم … وعليه الصلاة والتسليم فلنذكر الآن ما رواه الصالحون فى المنام للوالد السعيد من الحباء والاكرام قال رسول الله ﷺ «ذهبت النبوة. فلا نبوة بعدى. وبقيت المبشرات. قالوا: وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم الحسنة، يراها المسلم، أو ترى له» رواه حذيفة وسأل عبادة بن الصامت ﵁ النبى ﷺ عن قوله تعالى (٦٣:١٠، ٦٤ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ)﴾ قال «هى الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو نرى له» وروى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «من رآنى فى المنام فقد رآنى فى اليقظة. إن الشيطان لا يتمثل بى (¬١)» سمعت سعود الحبشى الصوفى يقول: لم أدرك الصلاة على القاضى الإمامأبي يعلى بن الفراء. فبقيت ضيق الصدر. فلما كان أول جمعة أتت على موته وأنا مصعد فى الدجلة، قرب الزاهر، إذ دخل شيخ هناك عليه آثار النسك. فقال لى: السلام عليك، ثم قال: أنت سعود مولى ابن يوسف؟ قلت: نعم: قال: إن ألقى إليك شئ تلقيه إلى صاحبك؟ قلت: نعم. قال: رأيت البارحة - وهى ليلة الجمعة - كأنى بائت فى رباط الزوزنى، مقابل جامع المنصور. وقد أقبل عشرة أنفس من نحو باب الشام، يقدمهم شخص لم أر كهيئته. ونوره. فقلت لأحدهم: من أنتم؟ فقال: هذا النبى ﷺ. ونحن العشرة. فقلت: ما الذى جاء به ﷺ وبكم؟ فقال: سل نبيك. فقلت: يا رسول الله، أنت بالمدينة، فما الذى جاء بك؟ فقال: جئت وأصحابى صليت على أبى يعلى ابن الفراء. فقلت له: من أقول لصاحبى الذى رأى هذه الرؤيا؟ فقال: ما عليك. هذا لفظه، أو كما قال (¬١) وسمعت أحمد بن العلثى الزاهد يقول: رأيت القاضى أبا يعلى بعد وفاته، فى الشهر الذى توفى فيه، فى إحدى ليالى القدر، وقدر ازداد حسنا إلى حسنه ونورا إلى نوره. وكأنه ميت، وهو ملقى على ظهره. فقلت: ما أحسن ما قد صار القاضى وقد جاءوه بماء، أو ماء ورد. فأخذ بإحدى يديه، فأمرها على الجانب الآخر، وأخذ بيده الأخرى فأمرها على الجانب الآخر. فعجبت من ذلك. ثم جاءوه بكفن من حرير، لم مثل حسنه، فأدرج فيه، وحفر له بركة عرضها شبه عرض باريتين. ودفن فى تلك البركة، وخلق عظيم على رأس تلك البركة. فنظرت إذا بالقرب من تلك البركة سبائك، وعليه نعش، وعلى النعش ميت مكفن بكفن أبيض لم أر مثل بياضه. فعرفت من ذلك الخلق صاحبا للقاضى أبى يعلى أعجميا، يدعىبأبى حكيم، فقلت له: من هذا الذى على النعش على السبائك؟ فقال: القاضى أبو يعلى. فقلت له: يا أبا حكيم، أليس قد دفن القاضى فى هذه البركة؟ فقال: ذاك المدفون فى البركة يزوره الخلق. وهذا رفعناه مكانا عليا، أو كما قال وسمعت محمد بن مواهب يقول: سمعت أبا الحسن بن جدا يقول: كنت نائما فى دارى ليلة مات القاضى أبو يعلى. فهتف لى هاتف، وقال: ما العيش بعدك مستطاب … هيهات أن يغشى لمثلك باب فانتبهت. فلما أسفر الفجر: سمعت مناديا ينادى: من أراد الصلاة على القاضى الإمام أبى يعلى. فعلمت أن الهاتف والبيت الشعر لأجله قال ابن جدا: سألت الله تعالى بعد موت القاضى الإمام أبى يعلى: أن أراه فى النوم. فرأيته، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال لى: يا أبا الحسين، وحقك (¬١) لقد هدينا لأمر عظيم قال ابن جدا: وسألت الله تعالى أن أرى القاضى أبا يعلى فى النوم دفعة أخرى. فرأيته، فقلت: يا سيدى، كيف المذهب ثمّ؟ فقال لى: يا أبا الحسن، المذهب بيننا وبين جهنم سد من حديد قلت أنا: وقال ابن سيرين «ما حدثك الميت بشئ فى النوم، فهو حق. لأنه فى دار حق» وسمعت بعض أصحابنا يقول: رأيت ابن بكير العكبرى فى النوم بعد موته فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: أنا عند القاضى أبى يعلى. فقلت له: قد علمت أنك قريب من تربته. فقال: أنا عنده فى الجنة، أو كما قال وسمعت أحمد بن على الحنبلى يقول: حكى لى سعيد بن جعفر قال: كنت عند بعض شيوخى. فدخل بعض أصحابى فقال: رأيت كأنى فى جامع باكرما،وهى قرية على نهر ملك، وجمع مجتمع، فدخلت إلى الجامع، فرأيت ثلاثة أشخاص على المنبر، فقلت لبعض من كان بقربى: من هؤلاء؟ فقال لى: هذا النبى ﷺ، وأبو بكر وعمر. فقلت: يا رسول الله، بمن الاقتداء؟ فأومأ إلى شيخ قاعد على المرقاة التحتانية من المنبر. فقلت لمن كان بقربى: من هذا الشيخ؟ فقال لى: هذا أبو يعلى بن الفراء، أو كما قال (¬١). قال: وقرأت بخط شيخنا الشريف أبي جعفر قال: رأيت شيخنا - يعنى الوالد السعيد - فى المنام، وهو فى أحسن صورة رأيته فى دار الدنيا. وكأنه شاب فى لحيته طاقات بياض يسيرة جدا، وهو بمسجده بباب الشعير، فتقدمت لأسلم عليه. فقال (سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة) وكتب إلى على بن محمد بن المسبح قال: حدثنى أبى قال: أريت فى منامى كأن قائلا يقول لى: مات فى هذه الليلة أحمد بن حنبل فارثه. فانتبهت مرعوبا، وقلت: لعله بدعة تظهر، وسنة تموت. فو الله ما كان إلا أيام قلائل، فوصلتنى مكاتبة القاضى أبى على يعقوب بوفاة الإمام أبى يعلى فى الليلة التى رأيت فيها المنام قال: وذكرت قول القائل «ارثه» فقلت ما لم أرضه. وما زلت. حتى قلت هذه الأبيات: مات السّدى والندى والمجد والكرم … والعالم اليقظ المستبصر العلم مات الإمام أبو يعلى الذى ندبت … لفقده الكعبة الغراء والحرم يا أيها العالم الحبر الذى كسفت … شمس الهدى بعده، بل عادها الظلم لولاك ما كان للدنيا وساكنها … معنى، ولا عرفت طرق الهدى الأمم ولا روى عن رسول الله مأثرة … ولا قضى بصحيح عبر فيك فم لم يبلغ الحنبلى الحبر مرتبة … إلا على رأسها من جسمك القدمأوضحت سبل الهدى من بعد ما درست … عن الورى، فقدتك العرب والعجم مادت بنا الأرض وارتجت بساكنها … لما قبرت. وكاد الدين ينهدم فلنذكر الآن شذرة من آدابه وورعه سمعت أبا الحسن النهرى قال: كنت فى بعض الأيام أمشى مع القاضى والدك فالتفتّ، فقال لى: لا تلفت إذا مشيت. فإنه ينسب فاعل ذلك إلى الحمق قال النهرى: وقال لى والدك يوما آخر، وأنا أمشى معه: إذا مشيت مع من تعظمه، أين تمشى منه؟ فقلت: لا أدرى. فقال: عن يمينه، تقيمه مقام الإمام فى الصلاة. وتخلى له الجانب الأيسر إذا أراد أن يستنثر أو يزيل أذى جعله فى الجانب الأيسر وقال النهرى أيضا: لما قدم الوزير ابن دراست عبرت أبصره. ففاتنى درس ذلك اليوم. فلما حضرت قلت: يا سيدنا تتفضل وتعيد لى الدرس؟ فقال: أين كنت فى أمسنا؟ فقلت: مضيت أبصرت ابن دارست. فأنكر علىّ ذلك إنكارا شديدا. وقال: ويحك، تمضى وتنظر إلى الظلمة؟ وعنفنى على ذلك. وروى عن النبى ﷺ أنه قال «النظر إلى الظالمين يطفئ نور الإيمان» أو كما قال قال: وكان ينهانا دائما عن مخالطة أبناء الدنيا والنظر إليهم، والاجتماع بهم، ويأمرنا بالاشتغال بالعلم، ومخالطة الصالحين وسمعت خالى عبد الله يقول: حضرت مع القاضى الإمام والدك فى دار رئيس الرؤساء، بعد مجئ طغرلبك. وقد أنفذ إليه غير مرة ليحضر. فلما حضر قربه رئيس الرؤساء، وزاد فى إكرامه وإعظامه، وأجلسه حتى مس بعضه، بجنب المخدة وقال له: ما سمعه أهل المجلس، لم يزل بيت المسلمة وبيت الفراء ممتزجين مختلطين فما هذا الانقطاع؟ فقال له القاضى الإمام: يروى عن شيخنا إبراهيم الحربي: أنهاستزاره المعتضد، وقربه وأجازه. فرد جائزته. فقال له: اكتم مجلسنا، ولا تخير بما فعلنا بك، وبما قابلتنا به. فقال له الحربى: لى إخوان لو علموا باجتماعى معك هجرونى. فقال له رئيس الرؤساء كلاما أسره إليه، ومد كمه إليه. فتأخر القاضى الإمام عنه. وسمعته يقول: أنا فى كفاية ودعة. فقلت له: يا سيدنا ما قال لك؟ قال قال لى: معى شئ من بقية ذلك الإرث المستطاب، وليس مما قد تلوثنا به من الدنيا، فأحب أن تأخذه، وتصرفه فى بعض حوائجك. فقلت له: أنا فى كفاية ودعة، أو كما قال وسمعت بعض أصحابنا يحكى أنه لما حصّب الإمام القائم بالله - رضوان الله عليه - وعوفى: حضر الشيخ أبو منصور بن يوسف عند الوالد السعيد، وقال له: لو سهل عليك أن تمضى إلى باب القربة لتهنئ الإمام بالعافية؟ فمضى إلى هناك فخرج إليه محمد الوكيل، ومعه جائزة سنية، وعرفه شكر الإمام لسعيه، وتبركه بأدعيته، ويسأله قبول ذلك. قال: فو الله ما مسها، ولا قبلها. فروجع فى ذلك، فأبي، أو كما قال وسمعت جماعة من أهلى يحكون: أن فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة - لما وقع النهب ببغداد بالجانب الغربى منها، وانتقل الوالد السعيد من درب الدبرج إلى باب البصرة. وكان فى داره بدرب الدبرج خبز يابس، فنقله معه، وترك نقل رحله لتعذر من يحمله. واختار حمل الخبز اليابس على الرحل النفيس. وكان يقتات منه ويبله بالماء. وقال: هذه الأطعمة اليوم نهوب وغصوب، ولا أطعم من ذلك شيئا. فبقى ما شاء الله يتقوت من ذلك الخبز اليابس المبلول، ويتقلل من طعمه إلى أن نفد، ولحق الوالد السعيد من ذلك الخبز اليابس المبلول مرض. وكان قد مرض وكان الولد السعيد فى كل ليلة جمعة يختم الختمة فى المسجد بعد صلاة عشاء الآخرة، ويدعو ويؤمن الحاضرون على دعائه، ما أخل بهذا سنين عديدة إلا لمرض أو لعذر مستفيض، سوى ما كان يختمه فى غير تلك الليلة.فهذا القدر الذى ذكرته إشارة إلى بعض مناقب الوالد السعيد. ولقد أجمع الفقهاء والعلماء، وأصحاب الحديث والقراء، والأدباء والفصحاء، وسائر الناس - على اختلافهم - على صحة رأيه، ووفور عقله وحسن معتقده، وجميل طريقته، ولطف نفسه وعلو همته، وورعه وتقشفه، ونزاهته وعفته. وكان ممن جمعت له القلوب. فإنه روى عن محمد بن واسع: أنه قال «إذا أقبل العبد بقلبه إلى الله تعالى إليه أقبل إليه بقلوب المؤمنين». فلنختم الآن أخبار الوالد السعيد، الذى منّ الله الكريم عليه بعلم الفقه وتعليمه وتدريسه وتصنيفه أفضل العلوم، وأجز لها للثواب المقسوم، وأولاها بصرف الفكر إليه، ووقف الرأى الصائب عليه. فإنه العروة الوثقى، والحجة المثلى، الدالة على طاعة الله جل ذكره، وأداء مفترضاته، والتمييز به بين محرماته محللاته، والوقوف على حدوده ومعالمه، وشروطه ومراسمه. وإن ربحه الجنة، وخسرانه النار (¬١). روى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «العلماء أمناء الرسل على عباده ما لم يخالطوا السلطان، ويدخلوا فى الدنيا. فإذا خالطوا السلطان ودخلوا فى الدنيا فقد خانوا الرسل، فاعتزلوهم واحذروهم (¬٢)»وروى ابن عباس ﵄ عن النبى ﷺ أنه قال «من يرد الله به خيرا يفقهه فى الدين» وروى عبد الله بن عمر ﵄ عن النبى ﷺ أنه قال «أفضل العبادة: الفقه، قليل الفقه خير من كثير العبادة» وروى أبو هريرة ﵁ عن النبى ﷺ أنه قال «ما عبد الله بشئ أفضل من فقه فى دين. ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ولكل شئ عماد، وعماد هذا الدين: الفقه». وقال أبو هريرة «لأن أجلس ساعة فأتفقه: أحب إلى من أحيا ليلة إلى الغداة». وروى على ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ «الأنبياء قادة، والعلماء سادة. ومجالستهم عبادة». وسئل عبد الله بن عباس عن الجهاد؟ فقال للسائل «ألا أدلك على أفضل الجهاد؟ قال: بلى. قال: تبنى مسجدا، وتعلم فيه القرآن والفقه والسنة» قلت أنا: ولفضيلة الفقه: دعا رسول الله صلّى عليه وسلم لعبد الله بن عباس بالفقه فى الدين. فقال «اللهم فقهه فى الدين، وعلمه التأويل» فأجاب الله دعاء نبيه ﷺ، فوفر فقهه وزكاه، وثمره ونماه، وجعله نورا يستضاء به، وحجة باقية فى عقبه (¬١) فالحمد لله الذى أنعم علينا بأن وفقنا لاتباع الوالد السعيد فى أصوله وفروعه، وجنبنا مخالفته، وجعلنا من ذريته وأهل محبته، وشغلنا بعلومه، وما أتعب نفسه فى جمعه فى ليله ونهاره وسفره، وحضره، وشبابه وكبره، من اتباعه السنن الشرعية،والشعائر الدينية، الفارقة بين الأبرار والفجار، والحاجزة بين الجنة والنار أنشدنى بعض أصحابه وتلامذته: من اقتنى وسيلة وذخرا … يرجو بها مثوبة وأجرا فحجتى يوم أوافى الحشرا … معتقدى لمذهب ابن الفراء قلت أنا: ومعتقدنا ومعتقد الوالد السعيد، ومن تقدمه من أئمتنا: مبنى على حرفين: السكوت عن «لم؟» فى أفعاله ﷿، وعن «كيف؟» فى أوصافه ﵎. نسأل الله الكريم أن يزهدنا فيما زهد الوالد السعيد فيه. فإنه كان يذم الدنيا، ويأمر بالتقلل منها. أنبأنا أحمد بن على الخطيب حدثنا عبد الرحمن بن المهتدى بالله حدثنا الحسين ابن أبى معشر أخبرنا وكيع عن المسعودى عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد لله بن مسعود ﵁: أن النبى ﷺ قال «مالى وللدنيا؟ إنما مثلى ومثل الدنيا كراكب قال فى ظل شجرة فى يوم صائف، ثم راح وتركها» وروى أبو ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من زهد فى الدنيا أدخل الله ﷿ الحكمة قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره داء الدنيا ودواءها، وأخرجه منها سليما إلى دار السلام». وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «الزهد فى الدنيا يريح القلب والجسد». وروى أنس بن مالك ﵁: أن النبى ﷺ قال «من كانت نيته طلب الآخرة: جعل الله غناه فى قلبه. وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة. ومن كانت نيته طلب الدنيا: جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولا يأتيه منها إلا ما كتب له» وروى أبو موسى الأشعرى ﵁ قال قلت «يا رسول الله، الرجل يحبالقوم، ولما يلحق بهم؟ قال: المرء مع من أحب» وكان الوالد السعيد - نور الله ضريحه - قد اجتمع فيه ما رواه ابن عباس. قال: قيل «يا رسول الله، أى مجلسنا خير؟ قال: من ذكّركم بالله رؤيته، وزاد فى عملكم منطقه. وذكركم الآخرة بعلمه» وهذا بعض مناقبه وفضائله، وما هو شائع له بين الناس من زهده وعلمه أكثر فأغنانا عن أن نسطره. ولولا أن أكثر من رآه وعاصره، وحضر مجلسه وناظره قد درج وانقرض: لما ذكرنا هذه الشذرات من مناقبه، إذ كانت تتضمن مدحنا، والإنسان لا يمدح نفسه. ولعل ناظرا فى هذا الذى أوردناه وسطرناه، يقول: كيف استجاز مدح والده على لسانه، وهو الأصل. ومدح الأصل مدح للفرع؟ فنقول: إنما حملنا على ذلك كثرة قول المخالفين، وما يلقون إلى تابعيهم من الزور والبهتان، ويتخرصون على هذا الإمام من التحريف والعدوان. وكان لنا فى ذلك رخصة، قد سبق إليها الأنبياء والأولياء رضوان الله عليهم وسلامه. فقد قيل: إذا اضطر الإنسان إلى مدح نفسه فلا بأس بذلك. قال الله تعالى فى قصة يوسف الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الخليل ﵈ (٥٥:١٢ ﴿قالَ: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ، إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)﴾ وقال النبى ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر، ولواء الحمد بيدى يوم القيامة ولا فخر» قيل: فى معناه قولين، أحدهما: يعنى ولا فخر أعظم من هذا. وقيل: أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له. وروى عن بعض أصحابه نحو هذا الكلام من المدح للنفس فى بعض المواضع التى احتاج فيها إلى ذلك. فروى أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال للخارجين عليه - حين ادعوا عليه ما هو برئ منه - فقال لهم عثمان: «لولا أنكم قلتم، لما قلت.إنّي رابع أربعة فى الإسلام. وزوجنى رسول الله ﷺ ابنتيه. وحفرت بئر رومة، وجهزت جيش العسرة، وزدت فى المسجد، وما بغيت ولا تمنيت، ولا مسست فرجى بيمينى منذ بايعت رسول الله ﷺ، ولا زنيت فى جاهلية ولا إسلام، ولا مرت بى جمعة إلا وأنا أعتق فيها نسمة، إلا أن لا أجد فى تلك الجمعة نسمة فأعتق فى الجمعة الأخرى نسمتين». وأخبرنا الوالد السعيد - قراءة - قال: أخبرنا على بن عمر الحربى قال: حدثنا حامد بن بلال البخارى حدثنا محمد بن عبد الله البخارى قال: حدثنا يحيى بن النضر حدثنا غنجار عن قيس بن الربيع عن عمرو بن عبيد الله - يعنى أبا إسحاق السبيعى - عن عاصم بن ضمرة قال: سمعت الحسن بن على ﵄ يقول على هذا المنبر «إن عليا لم يسبقه الأولون، ولم يدركه الآخرون. والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه، ليبتاع بها خادما. والله إن كان رسول الله ﷺ ليدفع إليه الراية، فيقاتل عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل، فما يرجع حتى يفتح عليه» وأخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد المعدل قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص قال: أخبرنا أبو عبد الله الطوسى قال: أخبرنا الزبير بن بكار الزبيرى قال: حدثنى رجل عن عبد الرحمن بن موسى بن عبد الله قال: حدثنى محمد بن القاسم - مولى بنى هاشم - قال «بلغ عائشة ﵂: أن ناسا يتناولون أبا بكر، فبعثت إلى أزفلة (¬١) منهم. فلما حضروا أسدلت أستارها، فحمدت الله، وأثنت عليه، وصلت على نبيها ﷺ، وعذلت وقرّعت، ثم قالت: أبيه، وما أبيه؟ أبى والله لا تعطوه الأيدى (¬٢)، ذاك طود منيف، وفرع مديد، هيهات هيهات كذبت الظنون أنجح والله إذ كذّبتم، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد، فتىقريش ناشئا، وكهفها كهلا. يفك عانيها، ويريش مملقها، ويرأب شعثها، حتى حلّته قلوبها. ثم استشرى فى دينه (¬١)، فما برحت شكيمته فى ذات الله ﷿ حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون. وكان ﵁ غزير الدمعة، وقيذا الجوانح (¬٢) شجى النشيج (¬٣). فانقصفت (¬٤) إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه، ويستهزءون به ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فأكبرت ذلك رجالات قريش، فحنت له قسيّها. وفوّقت له سهامها، وانتثلوه (¬٥) غرضا، فما فلوا له صفاة، ولا قصفوا له قناة. ومر على سيسائه (¬٦) حتى ضرب الدين بجرانه. وألقى بركبتيه، وأرست أوتاده. ودخل الناس فيه أفواجا، ومن كل فرقة أشتاتا، وأرسالا. اختار الله ﷿ لنبيه ﷺ ما عنده. فلما قبض الله نبيه: نصب الشيطان رواقه، ومد طنبه. ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله. فظنت رجال: أن قد تحققت أطماعهم - ولات حين الذى يرجون - وأنى؟ والصديق بين أظهرهم. فقام حاسرا مشمرا، فجمع حاشيته ورفع قطريه. فرد نشر الإسلام على غرّته، ولمّ شعثه بطبّه. وأقام أوده بثقافه. فامذقرّ النفاق بوطأته، وانتاش الدين بثقافه. فلما أراح الحق على أهله، وقرر الرءوس على كواهلها، وحقن الدماء فى أهبها، أتته منيته، فسدّ ثلمته بنظيره فى المرحمة، وشقيقه فى السيرة والمعدلة. ذاك: ابن الخطاب، لله أمّ حفلت له، ودرّت عليه. لقد أوحدت به (¬٧) ففنّخ الكفرة وديّخها (¬٨) وشرد الشرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها (¬٩) فقاءت أكلها، ولفظت خبأها. ترأمه ويصدف عنها،وتصدّى له ويأباها. ثم وزع فيها فيأها، وودعها كما صحبها. فأرونى ما تربئون. فأى يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته، إذ عدل فيكم؟ أو يوم ظعنه، وقد نظر لكم؟ وأستغفر الله لى ولكم». وقد روى عن إسحاق بن راهويه أنه قال «سألنى أحمد بن حنبل عن حديث الفضل بن موسى - حديث ابن عباس ﵄: أن النبى ﷺ «كان يلحظ فى صلاته، ولا يلوى عنقه خلف ظهره» - قال: فحدثته. فقال رجل: يا أبا يعقوب، رواه وكيع بخلاف هذا. فقال له أحمد بن حنبل: اسكت، إذا حدثك أبو يعقوب أمير المؤمنين فتمسك به. قلت أنا: فهذا إسحاق بن راهويه يمدح نفسه، وهذا أحمد قد جعله أمير المؤمنين، يعنى فى الحديث فأولى لنا أن نذكر والدنا، ونذكر طرفا من فضائله ومناقبه، وعلومه وورعه. فهذه خاصة فى مدح الإنسان نفسه إذا احتاج إلى ذلك ولولا أن الذين قد جمعوا التواريخ حملتهم عصبيتهم وأهواؤهم على ترك فضائله ونشر مناقبه: لما ذكرنا ما ذكرناه. فلما رأينا الذين قد رأوه وحفظوا ما سمعوه من فضائله من الشيوخ، وشاهدوا بعض ذلك ينقرضون، والمؤرخون الذين أرخوا قصروا فى نشر فضائله، لأجل من يهوى هواهم من المخالفين: آثرنا ذكر بعض ما انتهى إلينا من فضائله. فليعذرنا من وقف عليه، ولا ينسبنا من الذين يتشبعون بما لم يعطوا. وليسأل من يثق به من أهل الثقة والمعرفة والخبرة بالقاضى الإمام ﵁، ولا يلتفت إلى قول مخالف ومباين بالبدعة. فيعلم أن الذى سطرناه ما استعرنا منه ذلك. إذ كان فيه أضعاف ما ذكر من الفضل والعلم والزهد فنسأل الله أن يحيينا على الإسلام والسنة، وأن يميتنا عليهما، ولا يجعل فى قلوبنا غلا للذين آمنوا بمنه وكرمه. إنه سميع الدعاء

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    ث، وقوله ﷺ حجة يسقط بها ما يعارضها. وهم تبع له. ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات، ونفى التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟. وعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية إنما يعتمدون فى أصول الدين على كتاب الله ﷿، وسنة نبيه ﷺ. ونحن نجد فى كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات. ولا نجد فيهما ذكر التشبيه. فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما ي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    السعيد: فمن اعتقد أن الله سبحانه جسم من الأجسام، وأعطاه حقيقة الجسم، من التأليف والانتقال: فهو كافر. لأنه غير عارف بالله ﷿. لأن الله سبحانه يستحيل وصفه بهذه الصفات. وإذا لم يعرف الله سبحانه: وجب أن يكون كافرا. وهذا الكتاب عدة أوراق. واعلم أن الله سبحانه اصطفى رسلا من خلقه، فبعثهم بالدعاء إليه، والصبر على ما نالهم من جهلة خلقه، وامتحهم من المحن ب

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    شرح قضاياه السديدة: لكانت كتابا قائما بنفسه. ومعلوم ما خص الله سبحانه هذا الوالد السعيد من النعم الدينية، والرتب السامية العلية، وكونه إمام وقته، وفريد دهره، وقريع عصره. لا يعرف فى شرق الأرض وغربها شخص يتقدم فى علم مذهبه عليه، أو يضاف فى ذلك إليه هذا مع تقدمه فى هذه البلدة على فقهاء زمانه بقراءته للقرآن بالقراءات العشر وكثرة سماعه للحديث، وعلو إ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    كريم، وغرسه طيب، ومنشؤه محمود وكانت أفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وأوله كآخره. لا يمتنع عليه معرفة المبهم الغامض من الأمور، ولا يتلجلج اشتباه المشكل الصعب فى الصدور ولا يعرف الشك ولا العى، ولا الحصر عند مناظرة المخالفين والموافقين، ومجادلة المتكلمين، وسائر الفقهاء المختلفينوقد كان يحضر مجلس أبى جعفر اليمانى فى منزله، ويحضره شيوخ الفقهاء والم

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    له ﷺ، تسليما للقدرة، وتصديقا للرسل، وإيمانا بالغيب واعتقدوا: أن صفات البارى سبحانه معلومة من حيث أعلم هو، غيب من حيث انفرد واستأثر، كما أن الباري سبحانه معلوم من حيث هو، مجهول ما هو. واعتقدوا: أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين وفارق بها سائر الموصوفين. فهم بها مؤمنون. وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون. لا يجو

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    ى.وعن بعض السلف أنه قال: إنك إذا لم تنك عدوك إلا بما يثلم به دينك فبنفسك. وقال بشر بن الحارث: لا تعبأ بكلام من تكلم فيك إلا أن يكون تقيا. والتقى لا يقول ما يعرف، فكيف ما لا يعرف؟ وروى عن عطاء بن أبى ميمونة أنه اجتاز بخشبة سعيد بن جبير. فرفع رأسه إلى السماء. فقال: يا رب حلمك عن الظالمين فتت قلوب المظلومين. قال: فغشيه الكرى. فرأى كأن سعيد بن جبير

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    ضائله، لأجل من يهوى هواهم من المخالفين: آثرنا ذكر بعض ما انتهى إلينا من فضائله. فليعذرنا من وقف عليه، ولا ينسبنا من الذين يتشبعون بما لم يعطوا. وليسأل من يثق به من أهل الثقة والمعرفة والخبرة بالقاضى الإمام ﵁، ولا يلتفت إلى قول مخالف ومباين بالبدعة. فيعلم أن الذى سطرناه ما استعرنا منه ذلك. إذ كان فيه أضعاف ما ذكر من الفضل والعلم والزهد فنسأل

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    لسعيد والسلف الصالح الرشيد، مع سخاء النفس عما قالوه من قبول عند أمثالهم، ووصول إلى بعض آمالهم فإذا ألزمت نفسك الأخذ بهاتين النكتتين: عوّضت عما تركت سكونا إلى ما عرفت، والثقة بنيل ما به وعدت، وهابك مخالفك، وإن كنت وحيدا، وكنت عند الله ﷾، ثم عند صالحى عبيده حميدا فلنذكر الآن البيان عن اعتقاد الوالد السعيد، ومن قبله من السلف الحميد، فى أخبار ال

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Teacher and student relations

  • تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته، · Reports From · 'Abdur Rahman bin Mahdi

    كتابه يوم القيامة منشورا، فينظر فيه حسنات لم يعملها. فيقول: يا رب، أى شئ هذا؟ فيقول الله ﷿: هذا بما اغتابك الناس، وأنت لا تشعر» ويروى عن عبد الرحمن بن مهدى أنه قال «لولا أنى أكره أن يعصى الله ﷿ لسرّنى أن لا يبقى فى المصر أحد إلا اغتابنى. وأى شئ أشهى من حسنة يجدها المرء فى صحيفته لم يعملها

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته، · Reports From · 'Ata'a bin Abi Maymuna

    ما يثلم به دينك فبنفسك. وقال بشر بن الحارث: لا تعبأ بكلام من تكلم فيك إلا أن يكون تقيا. والتقى لا يقول ما يعرف، فكيف ما لا يعرف؟ وروى عن عطاء بن أبى ميمونة أنه اجتاز بخشبة سعيد بن جبير. فرفع رأسه إلى السماء. فقال: يا رب حلمك عن الظالمين فتت قلوب المظلومين. قال: فغشيه الكرى. فرأى كأن سعيد بن جبير فى الجنة، والحور

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته، · Reports From · Ishaq bin Rahwaya

    كما صحبها. فأرونى ما تربئون. فأى يومي أبي تنقمون؟ أيوم إقامته، إذ عدل فيكم؟ أو يوم ظعنه، وقد نظر لكم؟ وأستغفر الله لى ولكم». وقد روى عن إسحاق بن راهويه أنه قال «سألنى أحمد بن حنبل عن حديث الفضل بن موسى - حديث ابن عباس ﵄: أن النبى ﷺ «كان يلحظ فى صلاته، ولا يلوى عنقه خلف ظهره» - قال: فح

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

  • تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته، · Reports From · محمد (¬١) بن واسع

    ى صحة رأيه، ووفور عقله وحسن معتقده، وجميل طريقته، ولطف نفسه وعلو همته، وورعه وتقشفه، ونزاهته وعفته. وكان ممن جمعت له القلوب. فإنه روى عن محمد بن واسع: أنه قال «إذا أقبل العبد بقلبه إلى الله تعالى إليه أقبل إليه بقلوب المؤمنين». فلنختم الآن أخبار الوالد السعيد، الذى منّ الله الكر

    Review metadata

    Needs Review · High confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
452110
Book record
shamela-9543
Source record
323020
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
تتضمن طرفا من أخبار الوالد السعيد، ومولده ووفاته، — shamela-9543 · Hadith Research Library