page 1966, entry [795]Open original source
النظر إلى الماضي والحاضر إذا نظرنا إلى حالة الفلاح من لدن نزول آدم إلى الأرض من ذلك الوقت الذي تخلله عاد وثمود وعفاريت سليمان بن داود ﵇، فإنا نجد أثارهم يحتفرون الآبار العظيمة في سعتها وقد ينحتونها أو ينضدونها بالحجارة العظام لاستخراجالماء إلى ظهر الأرض إلى حال وضع التاريخ ويأتون بالبكرات المعمولة من الخشب الثمين على ما تقتضيه إرادة النجارين من كبرها وضخامتها وما تكلف من القيم الباهظة ويكون من أسفل هذه بكرات أخرى يطلق عليها الدراج مصنوعة أيضًا من الخشب الغليظ لا تتكلف هندسة إنما غرضها أن تكون قطعة من الخشب قطر دائرتها ٧٠ سنتمترًا وطولها كذلك في كلا طرفيها محور من حديد ويكون للبئر أربعة قرون يمد عليها أخشاب تحمل البكرات مرتفعة وهنا أعمدة بين البكرات ليتسنى للغرب أن يخرج من بينها ولا تتحمل واجهة المبخات الذي طوله ذهابًا وإيابًا بقدر قعر القليب عن أربعة دلاء كل غرب من جلود الإبل قد يتكلف كمه وقبته وخرازته بقيمة باهظة فيكون في أعلاه الرشا في البكرة العالية وفي أسفله الكم وهو السريح للدراجة السفلى ويؤتى بالجمال القوية للساقية ثم يؤتى بالعامل الذي يسوق الجمال مقبلة ومدبرة يسوقها برفق إذا هي نزعت الماء وتارة بعنف إذا هي رجعت إلى البئر وحوالي البئر قد وكلوا من يحزم لقمات البرسيم والتبن ليقف الجمل ريثما يمتلئ الغرب وهكذا ويكن العامل محترمًا يطعمونه مما يأكلون ويسقونه مما يشربون خشية أن ينتقم منهم بأذى يصيب الجمال فتهلك وبينما هم في برهة من الزمن إذا بالأخطار تهدد باندفاع الرمال من أسفل البئر فتدفن الماء فيأتون لذلك بجذوع النخل أو بأخشاب غلاظ وتجعل كدائرة على أسفلها أو مربعة إن كان الوضع كذلك ثم يؤتى بأشجار الأشنان على ظهور الحمر من البر فتوضع فيما بين تلك الجذوع لتحفظ الرمال أن تنهد ويأخذون في احتفار قاعة البئر وقد تفور البئر من كثرة ما ينهد من أسفلها فتسقط وتأخذ مساحة من الأرض فتصبح هاوية ويخسرون ما وضعوا فيها من الأحجار ولا يتخلص من تلك الهاوية إلا بردمها ودفنها ولقد خرجت مرة في صحبة والدنا ﵀ وعمري إذ ذاك لا يتجاوز العاشرة لزيارة مدين لنا وقبض دين السلم من التمور فركبنا حمرًا وسرنا إلى تلك القرية التي أظنها القصيعة على مسافة ميلين غربًا، وكنا نسير بين تلك المرتفعات والمنخفضات من الرمال إذ كان الصعود مشقة والهبوط مشقة نمر بأشجار الإثل فيكل مهبط ومنخفض ومرتفع تمثل غابات عظيمة تتقي بها الذئاب والكلاب والثعالب حتى تبدت لنا أعلام القرية حيث نمر بخب القصباء ولما أن وصلنا إلى صاحبنا فيها إذ هو بمنظر عجيب وحالة يرثى لها قد اسودت ثيابه من أوساخ الحيوانات حافي القدمين قد تصدعتا من البرد والشوك ومن صدمات الحجارة وفوق رأسه قلنسوة من وبر الإبل والله لو غسلت يومًا كاملًا بالصابون والماء لما ذهبت أوساخها، فرحب بنا وذهب بنا إلى مجلس القهوة ولما أن دخلنا ذلك المجلس وجدنا حيطانه وسقفه قد اسودت من طول ما تلاقيه من دخان كرب النخل واخثاء البقر والإبل فجلسنا وكنت ألاحظ حبلين مربوطين كانا بأذنيه أظن أنه يشد بهما القلنسوة على رأسه لثقلها فقدم لنا رطبًا شهيًا أمام القهوة وحوالينا هناك حجر منحوت كالإناء الكبير مربعًا يسع مائة وسبعين لترًا من الماء قد وضع في المجلس فكنا نأكل ونلقي النوى في ذلك الإناء ويقول نخمر للبهائم فتأكله فلا يضع شيء جزاكم الله خيرًا من النوى فعجبت لتلك الحالة هذا وأنا في جهد عظيم مما أعانيه من عاقبة الركوب على الحمار بحيث أن قدمي والساقين قد تأثرت من حالة الركوب الأمر الذي عاد بالمشقة لا بالنزهة والفرجة وكانت الأرض يسعى فيها أنواع القراد الذي ثبت به المواشي قال الأعشى ميمون بن قيس الشاعر الجاهلي أبو بصير: ذريني لك الويلات أتى الغوانيا ... متى كنت زراعًا أسوق السوانيا سأوصي بصيرًا إن دنوت من البلى ... وكل امرئ يومًا سيصبح فانيا بأن لا تدان الود من متباعد ... ولا تنأ إن أمسى بقربك راضيا وإن بشر يومًا أحال بوجهه ... عليك فحل عنه وإن كان دانيا وقوله بصيرًا يريد ابنه لأنه كان أبا بصير والمقصود أن السواني متعارف بها في قديم الزمان، وقوله لا تدان الود إلى آخره فيه من الحكم أن من تباعد عنك لا ينبغي لك أن تطلب وده بل تدعه وقربه كما قال الشافعي ﵀:إذا المرء لم يرعاك إلا تكلفا ... فدعه ولا تكثر عليه التأسفا ففي الناس أبدال وفي الترك راحة ... وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا فما كل من تهواه يهواك قلبه ... ولا كل من قد صافيته لك قد صفا ثم إننا خرجنا إلى النخيل والجذاد فتقدم رجل من الحاضرين وكان شابًّا نشيطًا وبين يديه الكرأي (راقول) آلة يجعلها الجداد من فوق ظهره وطرفه الآخر في جذع النخلة ثم يمسك بطرفيه بيديه ويقفز قفزات فإذا هو بفرع النخلة سواء قصيرة أو طويلة فإذا قطع القنو بالمنجل جعله في محجان بطرف حبل معه ثم يدليه إلى أسفل فكانوا يتلقونه بأيديهم ويجعلون القنوات في الزنابيل لفرطه من الشماريخ وهناك أمم يحضرون لذلك وللأكل فنجد الفقير يفرط الشماريخ ويدعو بهذه الكلمات لا جعلك الله تهملين أي تتركين بلا سقي خطابًا للنخلة ثم إنه أتى الفلاح إلينا بحبات من القثاء وألقاها بين أيدينا وإذا غالبها قد نقبت ولم يكن فيها شيء سالمًا فسئل عن ذلك فأجاب بأن الثعالب تمر بها ليلًا فتفسدها فرفعت يدي ولم أتناول منها شيئًا فتكلم قائلًا مالك يا ابن عمي لا تأكل فلم أستطع أن أقول لا تقبله نفسي بعد الثعالب فقال كلوا يا جماعة فهذا لا يقبل سؤر الثعالب ووالله لو وجدنا الثعالب لأكلناها فلا إله إلا الله ماذا يعانيه الفلاح من المشاق والأتعاب في هذا الزمان تتغير الأحوال إلى وضع تلك الأتعاب والمشاق ويأتي الله ﷿ بهذه المكائن المائية التي وفرت للناس تمام راحتهم وتفجرت الأرض عيونًا بمخاريق أخرجت الماء عذبًا فراتًا وقد يخرج بطبيعته بإذن الله من دون دوافع فيخرج الله به زرعًا وأشجارًا تأكل منها أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون وقد قدمنا شيئًا عن المواصلات وتقارب البلدان وصدق الله ﵎ حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. وفيها في يوم الاثنين الموافق ٢٥ محرم احتفل رسميًا بتمام سد جيزان وقام بافتتاحه سمو الأمير فهد بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزيرالداخلية الذي ضبط المملكة من البحر إلى البحر ومن حدود اليمن إلى حدود الشام وحضر لذلك وزير الزراعة والمياه حسن المشاري. وفيها في الساعة الواحدة بعد غروب الشمس من ليلة الجمعة تزيد خمسين دقيقة الموافق ١٥/ ٦ خسف القمر خسوفًا ثقيلًا وانطمس بظل الأرض بحيث كاد أن لا يرى له أثر مع الصحو ولم ينجل إلا بعد صلاة الكسوف بكثير. وفي آخر هذه السنة تم هدم شارع الملك عبد العزيز في مدينة بريدة للتوسعة وأنير بالكهرباء كما أنه تم هدم شارع المياه الكائن بين المدينة المذكورة وبين الشقيري وأضيء بالكهرباء.